من إشباع الجسد إلى إشباع الهوية وصناعة الانتصارات الوهمية
بقلم: مدحت قلادة
ليست أزمة المجتمعات الفقيرة أن جيوبها فارغة فقط، ولا أن السياسة فيها قد تصادر صوت الإنسان؛ الأزمة الأعمق أن الإنسان قد يفقد المساحة التي يستطيع فيها أن يقول ببساطة: أنا موجود، ولي قيمة، ولي تأثير، ولي مكان.
فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده. إنه يبحث عن المعنى، وعن الاعتراف، وعن الشعور بأنه مرغوب ومهم وقادر على التأثير.
وحين تُغلق أمامه أبواب تحقيق الذات بالعلم والعمل والإنجاز والمشاركة، فإنه يبحث عن أبواب أخرى تمنحه الإشباع، ولو كان إشباعاً مؤقتاً أو وهمياً.
ومن هنا يمكن أن نرى رابطاً فلسفياً بين مسارين يبدوان متباعدين: إشباع الجسد، وإشباع الهوية.
الجنس قد يمنح الإنسان، للحظات، إحساساً بأنه مرغوب، وقادر، وحي.
أما الهوية، حين تتحول إلى معركة، فقد تمنحه إحساساً آخر: أنا أنتمي، إذن أنا موجود؛ جماعتي قوية، إذن أنا قوي؛ نحن انتصرنا، إذن أنا انتصرت.
وهنا يبدأ الخطر.
من إشباع الجسد إلى إشباع الجماعة
لا يمكن اختزال ارتفاع معدلات الإنجاب في المجتمعات الفقيرة أو السلطوية في الجنس وحده؛ فالإنجاب ظاهرة معقدة تتداخل فيها الثقافة والتعليم والاقتصاد ومكانة المرأة وسن الزواج والتحضر وغيرها.
لكن الفكرة الأعمق ليست في عدد المواليد، وإنما في حاجة الإنسان إلى الإشباع وإثبات الذات عندما تضيق أمامه سبل الإنجاز.
فالإنسان الذي لا يستطيع أن يحقق ذاته في السياسة قد يبحث عنها في الأسرة.
ومن لا يستطيع تحقيقها في العلم قد يبحث عنها في المال.
ومن لا يستطيع تحقيقها في المجتمع قد يبحث عنها في الجسد.
ومن يعجز عن تحقيقها في الواقع قد يبحث عنها في الهوية.
وهنا تصبح الهوية ملاذاً نفسياً.
لا يعود الإنسان يقول: ماذا أنجزت؟
بل يقول: إلى من أنتمي؟
ولا يعود يسأل: ماذا صنعت؟
بل يسأل: من انتصر؟
وهنا تتحول الجماعة إلى امتداد للذات، ويصبح انتصارها تعويضاً عن هزيمة الفرد.
حين تصبح العقيدة مسكناً للعجز
في هذه اللحظة قد تتحول العقيدة، عند بعض الناس، من علاقة روحية بين الإنسان وربه إلى أداة لإثبات الذات.
لا يستطيع الإنسان تغيير واقعه، فيبحث عن انتصار رمزي.
لا يستطيع أن يصنع إنجازاً يلفت العالم، فيفرح بأن شخصاً مشهوراً اعتنق دينه.
لا يستطيع أن يشعر بقوة حضوره، فيحتفل بانتصار جماعته على جماعة أخرى.
وهنا يصبح الدين، في وعي هذا الإنسان، ليس فقط إيماناً؛ بل ميداناً لتعويض الشعور بالعجز.
وهذه ليست مشكلة الدين، وإنما مشكلة توظيف الدين في الصراعات النفسية والاجتماعية.
لقد تحدث نيتشه عن مفهوم الضغينة؛ حين يتحول العجز إلى موقف أخلاقي متفوق، وحين يعجز الإنسان عن امتلاك القوة في الواقع فيعيد تعريف الضعف باعتباره فضيلة، أو يبحث عن خصم يثبت أمامه أنه أفضل منه.
وحين تدخل الهوية الدينية في هذا المسار، تصبح المعركة أكثر حساسية؛ لأن الإنسان لا يشعر أنه يدافع عن رأي، بل يشعر أنه يدافع عن ذاته وكرامته ووجوده.
روبرتو كارلوس: حين يصبح الكذب انتصاراً
وهنا تأتي واقعة روبرتو كارلوس مثالاً كاشفاً.
انتشرت أخبار وصور ومقاطع تزعم إسلام أسطورة كرة القدم البرازيلية، وظهرت مواد بصرية مصطنعة بالذكاء الاصطناعي توحي بمشاهد وجلسات ووقائع لم تثبت صحتها.
ثم ظهر اللاعب نفسه لينفي إسلامه.
وبذلك انتهت الواقعة من حيث الحقيقة.
لكنها بدأت من حيث الفلسفة.
لأن السؤال الحقيقي ليس:
هل أسلم روبرتو كارلوس؟
السؤال هو:
لماذا احتجنا بشدة إلى أن يكون قد أسلم؟
لماذا تحولت عقيدة لاعب كرة قدم إلى معركة هوية؟
ولماذا أصبح البعض مستعداً لتصديق صورة مصطنعة أو قصة غير موثقة، فقط لأنها تمنحه شعوراً بالانتصار؟
لأن الكذبة التي تشبع حاجة نفسية تجد دائماً من يدافع عنها.
فالإنسان لا يصدق دائماً ما هو صحيح؛ أحياناً يصدق ما يريد أن يكون صحيحاً.
وهذه هي المشكلة الأخطر.
لم يعد الكذب يحتاج إلى إقناع العقل فقط، بل يحتاج إلى ملامسة رغبة داخل النفس.
ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي ليس أخطر ما في القصة.
الأخطر هو قابلية الإنسان لتصديق الكذبة التي تمنحه الإشباع.
من “أنا مرغوب” إلى “أنا مهم” إلى “نحن الأقوى”
يمكن اختصار رحلة الهوية في ثلاث درجات:
أنا مرغوب.
أنا مهم.
نحن الأقوى.
الأولى إشباع للجسد.
الثانية إشباع للذات.
والثالثة إشباع للجماعة.
وعندما يصل الإنسان إلى المرحلة الثالثة، يصبح الخلاف أكثر خطورة.
لأنك تستطيع أن تنتقد رأياً فيتراجع صاحبه عنه، لكنك إذا هاجمت هويته، فإنه يشعر أنك تهاجم وجوده نفسه.
وهنا يتحول النقاش إلى تخوين.
والتخوين إلى كراهية.
والكراهية إلى تكفير.
والتكفير، في بعض البيئات، إلى عنف.
وهكذا تبدأ الحروب الكبرى أحياناً من جملة صغيرة: أنت لست واحداً منا.
أخطر الانتصارات هي التي لم تحدث
الأمم القوية لا تحتاج إلى اختراع انتصارات.
إنها تصنع انتصاراتها في الجامعات والمختبرات والمصانع ومؤسسات الدولة.
أما حين يعجز المجتمع عن صناعة الإنجاز، فقد يبدأ في صناعة الانتصارات الرمزية.
يقاتل على صورة.
يحتفل بخبر لم يحدث.
ينسب إلى شخص مشهور عقيدة لم يعتنقها.
ويحوّل إنساناً إلى غنيمة رمزية في حرب الهوية.
وهنا تكمن المأساة:
أن نستهلك طاقتنا في إثبات أننا الأفضل، بدلاً من أن نعمل حتى نصبح أفضل.
فالدين لا يصبح أعظم لأن لاعباً مشهوراً اعتنقه.
والعقيدة لا تحتاج إلى شهادة لاعب كرة قدم.
والإنسان ليس كأساً ترفعها جماعة في وجه جماعة أخرى.
الإنسان ليس غنيمة دينية.
حين يدفع الوطن ثمن المعركة
المشكلة أن هذه المعارك لا تبقى على مواقع التواصل.
إنها تتسرب إلى المجتمع.
إلى المدرسة.
إلى العمل.
إلى الشارع.
تزرع الشك بين المواطنين، وتمنح المتطرف مادة مجانية للتعبئة، وتحول الدين من قيمة روحية إلى هوية سياسية، وتجعل المختلف يبدو وكأنه تهديد.
والوطن لا يسقط دائماً بقنبلة.
أحياناً يسقط أولاً في عقل مواطنيه.
يسقط عندما يصبح المختلف في الدين عدواً.
وعندما يصبح اختلاف الرأي سبباً للشك في الوطنية.
وعندما تصبح الجماعة أهم من الوطن.
وحينها لا يعود السؤال:
كيف نعيش معاً؟
بل:
من منا يستحق أن يعيش معنا؟
وهذا هو السؤال الذي مزق أوطاناً كثيرة عبر التاريخ.
درس التاريخ
التاريخ لا يحذرنا من الاختلاف؛ فالاختلاف طبيعة بشرية.
لكنه يحذرنا من تحويل الاختلاف إلى عداوة، والهوية إلى سلاح، والعقيدة إلى مباراة، والكذب إلى انتصار.
الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى عدو كي يشعر بقيمته.
والإنسان لا يستعيد كرامته عندما يهزم المختلف، بل عندما يستطيع أن يبني نفسه دون الحاجة إلى تحطيم غيره.
والأمة لا تثبت عظمتها بعدد المشاهير الذين اعتنقوا دينها، بل بعدد المدارس التي بنتها، والعلماء الذين أخرجتهم، والحقوق التي حفظتها، والإنسان الذي كرمته.
إن أعظم انتصار ليس أن تقول:
نحن أفضل منكم.
بل أن تجعل نفسك أفضل مما كنت بالأمس.
وأعظم قوة ليست أن تهزم المختلف.
بل أن تكون قوياً إلى الدرجة التي لا تحتاج فيها إلى عدو كي تشعر بقوتك.
وأخطر هزيمة ليست أن ينفي لاعب مشهور خبراً عن إسلامه.
بل أن يصبح الكذب أكثر إشباعاً لنفوسنا من الحقيقة.
فحين يعجز الإنسان عن إثبات ذاته بالإنجاز، قد يحاول إثباتها بالمعركة.
وحين يعجز عن صناعة الانتصار في الواقع، قد يصنع انتصاراً في الخيال.
لكن التاريخ لا يبني الأمم بالأوهام.
الأوطان تنجو عندما يتعلم الإنسان أن يكون عظيماً دون أن يحتاج إلى أن يجعل من المختلف عدواً





