محرر الأقباط متحدون
"على الرغم من أن التحديات التي تنتظرنا هي جسيمة، إلا أنَّ الرب لا يتركنا معوزين إلى وسائل الشفاء والتحول. فبدلاً من أسلحة الحرب، يمنحنا إله السلام القوة للشفاء والمصالحة وبناء حضارة المحبة. وبهذه الطريقة، نحن مدعوون لحماية العديد من "الأنظمة البيئية" الموكلة إلينا: الخليقة، والعلاقات البشرية، وقلب الإنسان نفسه" هذا ما كتبه البابا لاوُن الرابع عشر في رسالته بمناسبة الخليقة'>العناية بالخليقة'>اليوم العالمي للصلاة من أجل الخليقة'>العناية بالخليقة ٢٠٢٦

تحت عنوان "فيضربون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل" صدرت ظهر اليوم الخميس رسالة البابا لاوُن الرابع عشر بمناسبة الخليقة'>العناية بالخليقة'>اليوم العالمي للصلاة من أجل الخليقة'>العناية بالخليقة كتب فيها لقد جاء ربنا يسوع المسيح إلى العالم لتكون لنا الحياة وتفيض فينا. إن هذه العطية هي في جوهر رسالتنا كتلاميذ ودعوتنا المشتركة لبناء "حضارة المحبة". وفيما نحتفل بهذا الخليقة'>العناية بالخليقة'>اليوم العالمي للصلاة من أجل الخليقة'>العناية بالخليقة، نُدعى مرة أخرى للتأمل في عطية الحياة والاهتمام بالأرض التي تعضدها، مؤدين هكذا بشكل ملموس التسبيح لخالقنا.

تابع الأب الأقدس يقول نحن شهود اليوم على أزمات متنوعة ومعاناة إنسانية شديدة. وفي الوقت عينه، يبدو أن تدمير التوازن التناغمي للخليقة يتسارع. وهذه الظواهر ليست منفصلة؛ بل تشكل ابتهالاً واحداً للشفاء والسلام يتصاعد من عالم جريح. إن إله الحياة، الذي أعلن عن نفسه في يسوع المسيح، يقدم سلاماً لا يستطيع العالم أن يعطيه: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُم. سَلاَمِي أُعطِيكُم". وهذا السلام ليس سطحياً ولا عابراً؛ بل ينبع من محبة المسيح الأبدية وعنايته بكل كائن بشري. ومع ذلك، فإن وعد السلام هذا يتناقض بشكل صارخ مع الوقائع التي نراها في مناطق مختلفة من العالم. لقد تحدث النبي أشعيا عن زمن "يضرب" فيه الأمم "سُيُوفَهُم سِكَكًا"، فيحولون ما يدمر الحياة إلى شيء يعضدها. ولكننا اليوم نرى غالباً ما يحدث العكس تماماً، حيث تواصل الجهود توجيهها نحو العنف والحرب.

أضاف الحبر الأعظم يقول إن الحرب تنتج جراحاً تتجاوز بكثير ساحة المعركة. فهي تحصد الضحايا، وتمزق العائلات، وتجبر الملايين على ترك ديارهم، وتغذّي الخوف والظلم والانقسام؛ وتترك وراءها دماراً اجتماعياً وبيئياً يستمر لأجيال. كذلك، فإن التفاعل بين النزاعات المسلحة والتدهور البيئي يخلق غالباً حلقة مفرغة تدمر الأنظمة البيئية، وتلوث الموارد الأساسية كالهواء والماء، وتستنزف الأمن الغذائي. وهذا الأمر يغذي الفقر والتفاوت والتناقضات الاجتماعية الجديدة، التي يمكنها أن تسهم بدورها في نشوب نزاعات إضافية. فضلاً عن ذلك، فإن الحرب تسبب جراحاً تضر بالنسيج الحيوي بأكمله، ولا تقتصر على الأفراد والجماعات فحسب، بل تطال أيضاً شبكة علاقاتهم الواسعة مع العائلة البشرية بأسرها، وتناغمهم مع الخليقة. وهي تكشف عن خيبة عميقة في العيش على صورة الله ومثاله، وفي احترام الحياة والعناية بالأرض الموكلة إلينا. إنها ليست مجرد خيبة سياسية، بل هي أيضاً أخلاقية وروحية. وإذ تتجذر في رغبات مشوهة وسوء استخدام للحرية والقوة البشرية، تقف الحرب كشهادة مضادة لإنجيل السلام.

تابع الأب الأقدس يقول إن الأزمات المذكورة تتطلب، بالإضافة إلى المسؤولية، ارتدادًا للقلوب أيضاً، يثمر في أمانة أعمق لله، وفي محبة متبادلة، واحترام لعطية الخليقة. وفي الواقع، فإن عدم التناغم الذي نراه في العالم، كالعنف والظلم والتدهور البيئي، ليس مجرد نتيجة لأنظمة أو هيكليات غير كاملة؛ بل هو "يرتبط بذلك الخلل الأكثر عمقاً والمتجذر في قلب الإنسان". إن قلب الإنسان، في الحقيقة، هو المكان الذي تدور فيه أعتى الصراعات والذي تتجلى فيه حالتنا الساقطة. وهو، بالإضافة إلى كونه مقر العواطف، مركز الشخص، حيث تتلاقى أسباب العقل والرغبة والإرادة والضمير. وهناك نحارب الرغبات المتناقضة التي تسكننا: المحبة واللامبالاة، الحقيقة والوهم، العدل والظلم. ولذلك، فإن جراح الحرب وتدهور الأرض يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بحالة القلب البشري. فالنزاعات التي تعذب البشرية هي في كثير من الوجوه تعبير خارجي عن تناقضات وانقسامات داخلية. فعندما يضل القلب، تعاني العلاقات وتشرع الهيكليات التي نبنيها في التعبير عن هذا الاضطراب.

أضاف الحبر الأعظم يقول لقد ذكرنا البابا بندكتس السادس عشر بأن "الصحاري الخارجية تتضاعف في العالم لأن الصحاري الداخلية أصبحت شاسعة جداً". وهذا الأمر يدعونا إلى الإقرار بأن ما هو مكسور حولنا هو مكسور بطريقة ما في داخلنا أيضاً. ولهذا السبب، ولكي نبني مجتمعاً مسالماً، لا يتوجب علينا إصلاح الهيكليات فحسب، بل تجديد قلوبنا أيضاً. فالأسباب الأكثر جذريّة للنزاع واستغلال الخليقة هي نتائج لأزمة أخلاقية وثقافية تتضمن فقدان الحس بالحدود، والرغبة في السيطرة، والبحث عن الربح السريع، والعجز عن الإقرار بالكرامة التي منحها الله لكل شخص بشري.

تابع الأب الأقدس يقول إن الدعوة النبوية إلى "ضرب السيوف سككاً" ليست مجرد حلم للأمم، بل هي نداء موجه لكل شخص. هي تدعونا إلى تحويل ما هو شر إلى حياة. غير أن هذا التحول لا يمكنه أن يتحقق لمجرد تغيير خارجي. فهو يتطلب، بالتعاون مع نعمة الله، توبة أعمق، شخصية وجماعية على حد سواء: عودة إلى الرب، الذي سيعيد النظام إلى رغباتنا، ويشفي جراحنا، ويساعدنا على النمو في الفضيلة. وبدون هذا التحول الداخلي، يبقى السلام هشاً وقصير الأجل. ولكن حيث تتجدد القلوب، تبدأ إمكانيات جديدة بالانفتاح. وما كان يُستخدم للدمار يمكن إعادة توجيهه نحو الحياة، وللعناية بالفقراء، وإطعام الجياع، وحماية الخليقة. هذا هو مسار الارتداد البيئي الأصيل، الذي تتجلى فيه آثار اللقاء مع يسوع المسيح بوضوح في العلاقة مع العالم الذي يُحيط بنا وبذلك، يبدأ السلام في القلب وينعكس إلى الخارج في علاقاتنا، وفي الجماعات، وعلى نطاق أوسع في العالم.

أضاف الحبر الأعظم يقول وعلى الرغم من أن التحديات التي تنتظرنا هي جسيمة، إلا أنَّ الرب لا يتركنا معوزين إلى وسائل الشفاء والتحول. فبدلاً من أسلحة الحرب، يمنحنا إله السلام القوة للشفاء والمصالحة وبناء حضارة المحبة. وبهذه الطريقة، نحن مدعوون لحماية العديد من "الأنظمة البيئية" الموكلة إلينا: الخليقة، والعلاقات البشرية، وقلب الإنسان نفسه. لنتخيَّل عالماً تُوجه فيه الطاقات المستخدمة حالياً في الحرب نحو التنمية البشرية المتكاملة، وتجاوز الفقر، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، والمصالحة بين الشعوب المنقسمة. إن رؤية كهذه تعكس الإيمان بمجيء ملكوت الله. إن الأدوات الحقيقية لبناء السلام ليست أسلحة الدمار، بل هي الحقيقة، والحوار، والصبر، والصلاح، والعدالة، والرحمة، والتفهم، والعناية، والمحبة. وهذه كلّها تنبع من قلوب يصوغها الإنجيل وتعضدها نعمة الله. وهذه الصفات وحدها تملك القوة لتحويل الأفراد، وتجديد الجماعات، وشفاء جراح عالمنا.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر رسالته بمناسبة الخليقة'>العناية بالخليقة'>اليوم العالمي للصلاة من أجل الخليقة'>العناية بالخليقة بالقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إن المسار الذي أمامنا واضح، وإن لم يكن سهلاً. نحن مدعوون لكي نسمح لقلوبنا بأن تتجدد، لكي نتمكن من أن نبحث عن السلام ونعتني بالخليقة. يوصينا الكتاب المقدس بأن نحفظ قلوبنا، لأن منها يصدر كل ما نقوم به. فإذا أخذنا هذه المهمة على عاتقنا بتواضع وإيمان، سنصبح معاونين في عمل التجديد الذي يقوم به الله. وسننتقل، ببطء ولكن بثبات، من الصحراء إلى الجنة، ومن الانقسام إلى الشركة، ومن العنف إلى السلام. ليمنحنا الرب الشجاعة لكي نسلك هذا الطريق، لكي تُضرب "السيوف" في زمننا هذا حقاً "سككاً"، ويتجذر وعد الإنجيل بعمق أكبر في عالمنا، ويملك سلام المسيح على كل الخليقة.