تبدو معادلة الذهب للوهلة الأولى بديهية وسهلة الفهم. هناك معروض يأتي من المناجم ومن إعادة التدوير، وهناك طلب يأتي من مشتري المجوهرات، والمستثمرين، والبنوك المركزية، والاستخدامات الصناعية. لكن هذه الصورة البسيطة لا تشرح بالكامل الطريقة التي تتحرك بها سوق الذهب، لأن الذهب لا يتصرف مثل النفط أو النحاس أو الغاز الطبيعي.

السبب الرئيسي هو أن الذهب لا يُستهلك بالطريقة نفسها التي تُستهلك بها معظم السلع. فالنفط يُحرق، والغاز يُستخدم، والنحاس يدخل في منتجات وبنية تحتية، أما الذهب فيبقى. وبحلول نهاية عام 2025، كان العالم قد استخرج نحو 219,891 طنًا من الذهب عبر التاريخ، وبسبب قدرة المعدن على البقاء ومقاومة العوامل البيئية والمناخية، لا تزال معظم هذه الكمية موجودة بشكل أو بآخر في صورة سبائك، أو مجوهرات، أو عملات، أو احتياطيات رسمية، أو ذهب قابل لإعادة التدوير.

تُغير هذا المعادلات غير التقليدية طبيعة السوق بالكامل. فالإنتاج السنوي من المناجم لا يمثل سوى إضافة محدودة إلى مخزون ضخم قائم بالفعل فوق سطح الأرض. لذلك لا تعتمد اسعار الذهب فقط على كمية المعدن الجديدة التي تدخل السوق كل عام، بل تعتمد أيضًا على قرارات من يملكون الذهب بالفعل: هل سيحتفظون به؟ هل سيشترون المزيد؟ أم سيبيعون جزءًا من حيازاتهم؟

نظرة سريعة على العرض والطلب على الذهب
أظهرت بيانات 2025 حجم التحول الذي شهدته سوق الذهب بوضوح. فقد وصل إجمالي الطلب، بما في ذلك التعاملات خارج البورصة، إلى مستوى قياسي بلغ 5,002 طن. وكان المحرك الأبرز هو الطلب الاستثماري، الذي قفز إلى 2,175 طنًا، أي ما يقرب من ضعف مستواه في 2024. في هذه الأثناء، واصلت البنوك المركزية تعزيز احتياطياتها، مضيفة 863 طنًا أخرى من الذهب.

وعلى جانب المعروض، سجلت السوق أيضًا مستوى قياسيًا، لكن الزيادة كانت محدودة للغاية. فقد ارتفع إنتاج المناجم إلى 3,672 طنًا، بينما بلغ المعروض من الذهب المعاد تدويره 1,404 أطنان. ورغم هذه الأرقام المرتفعة، لم ينمُ إجمالي المعروض إلا بنسبة 1% فقط مقارنة بعام 2024، ليصل إلى 5,002 طن.

واستمر هذا الاتجاه في النصف الأول من 2026. فقد بلغ إجمالي الطلب نحو 2,522 طنًا، بزيادة 2% على أساس سنوي، بينما وصلت قيمته إلى مستوى قياسي قدره 380 مليار دولار. 

تكشف هذه الأرقام أن سوق الذهب لا تعاني نقصًا مطلقًا في المعروض، لكنها تعمل داخل توازن شديد الحساسية. فحتى مع ارتفاع إنتاج المناجم وإعادة التدوير، ظل نمو المعروض محدودًا، بينما أصبح الطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية أكثر قدرة على تغيير اتجاه السوق.

لكن هذه الأرقام الإجمالية تخفي وراءها تحولات كبيرة.

في الربع الثاني من 2026:
ارتفع إنتاج المناجم 2% على أساس سنوي إلى 966 طنًا.
انخفض المعروض من الذهب المعاد تدويره 6% إلى 326 طنًا.
تراجع استهلاك المجوهرات 17% إلى 278 طنًا.
انخفض الطلب على السبائك والعملات الذهبية 3% فقط إلى 307 طنًا.
سجلت صناديق الذهب المتداولة في البورصة صافي تدفقات خارجة بلغ 45 طنًا.
قفزت مشتريات البنوك المركزية 62% إلى 289 طنًا.
ارتفع الطلب التكنولوجي 2% إلى 80 طنًا.
ارتفع الطلب خارج البورصة وغيره إلى 327 طنًا.
وبالتالي، لم تشهد سوق الذهب انهيارًا واسعًا في الطلب مع ارتفاع الأسعار. بل انتقل الطلب من جزء من السوق إلى آخر.

إنتاج المناجم: العمود الفقري لمعروض الذهب
يظل التعدين المصدر الأكبر للذهب الجديد الذي يدخل السوق سنويًا، إذ يمثل عادة نحو ثلاثة أرباع المعروض العالمي. لكن المفارقة أن هذا المصدر، رغم أهميته، هو الأقل قدرة على الاستجابة السريعة لتغيرات الأسعار.

فعندما ترتفع أسعار الذهب، تتحسن اقتصاديات بعض الرواسب الأقل جودة، وقد تطيل الشركات عمر المناجم القائمة أو تزيد إنفاقها على الاستكشاف والتطوير. لكن الأسعار المرتفعة لا تستطيع وحدها خلق مناجم كبيرة جديدة خلال فترة قصيرة. فدورة تطوير منجم ذهب قد تمتد لسنوات طويلة، تبدأ بالاستكشاف، ثم الحصول على التراخيص، وتأمين التمويل، وبناء البنية التحتية، وصولًا إلى التشغيل التجاري.

ولهذا لا يتحرك إنتاج المناجم بالسرعة نفسها التي يتحرك بها السعر. وتشير تحليلات مجلس الذهب العالمي إلى أن استجابة الإنتاج لتغيرات سعر الذهب قد تتأخر بما لا يقل عن ست سنوات. كما أن العثور على اكتشافات كبيرة جديدة أصبح أكثر صعوبة، ما يجعل نمو المعروض عملية تدريجية لا فورية.

وهذا يفسر أحد التناقضات الواضحة في السوق الحالية: أسعار الذهب ارتفعت بقوة، لكن إنتاج المناجم لم يقفز بالوتيرة نفسها. فوفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ إنتاج المناجم عالميًا نحو 3,672 طنًا في 2025، وهو مستوى قياسي، لكنه لا يزيد إلا بنحو 1% عن 2024. كما تُظهر تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية صورة قريبة من الاستقرار، إذ قدرت إنتاج 2025 بنحو 3,300 طن، مقارنة بـ3,280 طنًا في 2024 وفق منهجيتها المختلفة. وظلت الصين وروسيا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة أكبر خمس دول منتجة، مستحوذة معًا على نحو 41% من الإنتاج العالمي المقدر.

وشهدت بداية 2026 تحسنًا إضافيًا. فقد وصل إنتاج المناجم في النصف الأول إلى مستوى قياسي بلغ 1,867 طنًا، بزيادة 3% على أساس سنوي. وفي الربع الثاني وحده، بلغ الإنتاج 966 طنًا، وهو أعلى مستوى مسجل لربع ثانٍ في بيانات مجلس الذهب العالمي الممتدة منذ عام 2000.

لكن هذا النمو لم يكن واسع النطاق أو متوازنًا بين الدول. ففي الربع الثاني، ارتفع الإنتاج 29% على أساس سنوي في كندا، و24% في تشيلي، و17% في بوركينا فاسو، و8% في غانا. وفي المقابل، تراجع الإنتاج 33% في نيكاراغوا، و23% في المكسيك، و12% في الولايات المتحدة، و8% في الصين. وتوضح هذه الفروق أن الأسعار المرتفعة قد لا تكفي لتعويض مشكلات التشغيل، أو انخفاض درجات الخام، أو تغير تسلسل التعدين، أو توقفات العمل المرتبطة بالسلامة.

وتضيف التكاليف المرتفعة ضغطًا آخر على المعروض. فقد بلغ متوسط تكاليف الاستدامة الشاملة في القطاع مستوى قياسيًا عند 1,785 دولارًا للأوقية في الربع الأول من 2026، بزيادة 16% عن العام السابق، وفق بيانات استشهد بها مجلس الذهب العالمي. ومع ارتفاع رسوم الامتياز، والمصروفات الإدارية، وتكاليف الطاقة، لا تتحول الزيادة في سعر الذهب بالكامل إلى أرباح أو توسعات إنتاجية جديدة.

لذلك يبقى معروض المناجم محدود المرونة. حتى في سوق صاعدة بقوة، لا يؤدي ارتفاع السعر بالضرورة إلى تدفق سريع وكبير من الذهب المستخرج حديثًا.

إعادة التدوير: صمام المعروض الأكثر مرونة
تتحرك إعادة تدوير الذهب وفق منطق مختلف عن التعدين. فالذهب الموجود بالفعل في صورة مجوهرات أو سبائك أو عملات يمكن صهره وإعادته إلى السوق بسرعة أكبر بكثير من تطوير منجم جديد. ولهذا تُعد إعادة التدوير الجزء الأكثر مرونة في معادلة المعروض.

وعادة ما تأتي النسبة الأكبر من الذهب المعاد تدويره من المجوهرات، بما لا يقل عن 90% من المعروض. ومن الناحية النظرية، يفترض أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة البيع، لأن المالكين يحصلون على حافز مالي أقوى للتخلي عن المجوهرات القديمة أو بعض حيازاتهم الذهبية.

لكن ما حدث مؤخرًا كان مختلفًا. فقد جاءت استجابة إعادة التدوير أضعف بكثير مما كان يمكن توقعه في ظل ارتفاع كبير للأسعار. ففي 2025، ارتفع المعروض المعاد تدويره بشكل طفيف فقط إلى نحو 1,404 طن، رغم أن متوسط سعر الذهب السنوي زاد 44%. ورغم أن هذا كان أعلى مستوى لإعادة التدوير منذ 2012، فإن حجم الزيادة ظل محدودًا مقارنة بقوة صعود الأسعار.

واستمر هذا السلوك في 2026. ففي الربع الثاني، انخفض المعروض المعاد تدويره إلى 326 طنًا، متراجعًا 6% على أساس سنوي و13% مقارنة بالربع الأول، رغم أن متوسط سعر الذهب ظل أعلى بنسبة 37% عن العام السابق. ويبدو أن تراجع السعر على أساس ربع سنوي كان عاملًا حاسمًا؛ فبعد هبوط الذهب من قممه المسجلة في الربع الأول، فضّل كثير من البائعين المحتملين الانتظار بدلًا من البيع.

تكشف هذه النقطة جانبًا مهمًا في سوق الذهب: السعر المرتفع لا يعني تلقائيًا زيادة المعروض من البيع. فإذا اعتقد المالكون أن الأسعار قد ترتفع مجددًا، فقد يدفعهم الصعود إلى الاحتفاظ بالذهب بدلًا من بيعه. وفي هذه الحالة، يتحول ارتفاع السعر من حافز للبيع إلى سبب إضافي للتمسك بالمعدن. 

ويظهر هذا السلوك بوضوح في الأسواق الناشئة، حيث لا يُنظر إلى الذهب كمجرد سلعة قابلة للبيع عند ارتفاع السعر، بل كأداة ادخار، ووسيلة للتحوط من التضخم، وحماية من ضعف العملة المحلية. لذلك قد تكون الأسر أقل استعدادًا للتخلي عنه، حتى عندما تبدو الأسعار جذابة.

وفي الربع الثاني من 2026، تراجعت إعادة التدوير 17% على أساس سنوي في الهند، و15% في الصين، و13% في الشرق الأوسط. وعلى النقيض، ارتفعت إعادة التدوير 9% في أوروبا و5% في الولايات المتحدة. وتعكس هذه الفروق اختلافًا واضحًا في سلوك المالكين بين الأسواق، وفقًا للثقافة المالية، والظروف الاقتصادية، وتوقعات الأسعار، وحركة العملات المحلية.

وبذلك، لا تعتمد إعادة تدوير الذهب على السعر وحده. فاستجابة المالكين تتأثر بما يتوقعونه لاحقًا، وبحاجتهم إلى السيولة، وبقوة أو ضعف العملة المحلية، وبما إذا كانوا يرون الارتفاع الحالي فرصة مؤقتة للبيع أم بداية لموجة صعود أطول تستحق الانتظار.

تحوط المنتجين أصبح عاملًا محدودًا في التأثير على المعروض
يمكن لشركات التعدين التأثير في معروض الذهب على المدى القصير من خلال بيع جزء من إنتاجها المستقبلي مقدمًا. لكن هذا العامل أصبح أقل أهمية مما كان عليه سابقًا.

وفي الربع الثاني من 2026، خفضت صفقات تحوط المنتجين المعروض بنحو 23 طنًا، ليسجل إجمالي محفظة التحوط تراجعه الفصلي العاشر على التوالي. كما أعادت بعض الشركات هيكلة مبيعات آجلة قديمة أُبرمت عند أسعار أقل بكثير من المستويات الحالية.
وبذلك أصبح معروض الذهب يعتمد بدرجة أكبر على نمو إنتاج المناجم وإعادة التدوير، وكلاهما لا يوفر حاليًا زيادة سريعة في الكميات المتاحة.

ما الذي ينبغي على المستثمرين مراقبته؟
توجد خمسة مؤشرات رئيسية تساعد على تقييم توازن سوق الذهب:

تدفقات صناديق الذهب المتداولة: لأنها تتغير بسرعة وتعكس الطلب الاستثماري الهامشي.
مشتريات البنوك المركزية: استمرارها يحافظ على مصدر طلب هيكلي قوي.
الطلب الاستثماري في الصين والهند: خصوصًا عبر السبائك والعملات والصناديق الاستثمارية.
إعادة التدوير: ارتفاعها قد يشير إلى أن الأسعار بدأت تشجع المالكين على البيع.
إنتاج المناجم وتكاليفه: وهو عامل مهم على المدى الطويل، لأن تطوير إنتاج جديد يحتاج عادة إلى سنوات.
وفي النهاية، يتحدد توازن سوق الذهب بدرجة كبيرة من خلال سرعة تغير الطلب الاستثماري مقارنة ببطء استجابة المعروض.