المعرفة والاستنارة: كيف يعرف العقل المتغيّر حقيقةً لا تتغيّر؟

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رأينا في الحلقة السابقة أنّ أغسطينوس حاول أن يفهم كيف يظهر الشرّ في عالم خلقه الله خيرًا، فانتهى إلى أن الشرّ ليس طبيعةً قائمةً بذاتها، بل فسادٌ يصيب الخير، وأن الخطيئة ترتبط بانحراف الإرادة. لكنّ هذا يطرح سؤالًا آخر: إذا كان عقل الإنسان نفسه يتغيّر، ويتعلّم وينسى ويخطأ، فكيف يستطيع أن يدرك حقائق يراها ثابتةً لا تتغيّر بتغيّره؟

لم يكن هذا السؤال نظريًّا عند أغسطينوس، فبعد ابتعاده عن المانويّة انجذب مدّةً إلى شكّ «الأكاديميّين»، أي التيّار الشكّي في الأكاديميّة الأفلاطونيّة، الذي عرفه خصوصًا من خلال شيشرون. ويقول في "الاعترافات" إنهم كانوا يرون أن الإنسان لا يستطيع أن يبلغ يقينًا بالحقيقة(١). بدا له هذا الموقف معقولًا: فإذا كانت المذاهب تتصارع، وكلّ فريق يدّعي امتلاك الحقيقة، فكيف يمكن التأكّد من أن أحدها على صواب؟

لكنّ أغسطينوس رأى أنّ الشكّ الكامل يهدم نفسه بنفسه. فقد أستطيع أن أشكّ في ما تراه عيناي، وفي تفسير الآخرين للعالم، بل وفي كثير من أفكاري. ولكن هل أستطيع أن أشكّ في أنني موجود الآن وأنا أشكّ؟ عبّر عن هذه الفكرة في "مدينة الله" بعبارته الشهيرة: «إن كنتُ مخطئًا، فأنا موجود» (si fallor, sum). فالخطأ نفسه يحتاج إلى شخص يخطأ. وإذا كنتُ مخطئًا، فلا يمكنني أن أكون مخطئًا في أنني موجود لكي أخطأ(٢).

لا يعني ذلك أنّ أغسطينوس قدّم ببساطةٍ نسخةً مبكّرة من قول ديكارت: «أنا أفكّر إذًا أنا موجود». فسياق الرجلين ومشروعهما مختلفان. لكنّ الفكرة واضحة: الشكّ لا يستطيع أن يبتلع كلّ شيء، لأنّ ممارسة الشكّ نفسها تكشف حقيقةً لا يمكن إنكارها.

غير أنّ أغسطينوس لا يتوقّف عند يقين الإنسان بوجوده. فأنا أتغيّر: كنتُ أجهل أشياء ثمّ عرفتُها، وقد أفهم اليوم ما لم أفهمه بالأمس، وربّما أنسى غدًا ما أعرفه الآن. لكن الحقيقة لا يبدو أنها تتغيّر معي. إذا أخطأتُ في مسألةٍ حسابيّة ثم عرفتُ الحلّ، لم يصبح الحلّ صحيحًا لأنني عرفتُه؛ بل اكتشفتُ أنني كنتُ مخطئًا. وإذا فهم طفلٌ أن الجزء أصغر من الكلّ، لم تبدأ هذه الحقيقة في الوجود لحظة فهمه لها. وكذلك حين نقول إن العدل أفضل من الظلم، لا نقصد أن الظلم قد يصبح عدلًا إذا تغيّرت آراؤنا.

لهذا يناقش أغسطينوس في الكتاب الثاني من "الاختيار الحرّ" حقائق العدد والحكمة والقواعد التي نحكم بها على الأشياء. قد يفهم أحدنا حقيقةً بوضوح أكثر من غيره، وقد نخطئ في إدراكها، لكن الحقيقة نفسها لا تصبح أكثر حقيقةً حين نفهمها ولا أقلّ حقيقةً حين نجهلها. فعقولنا متغيّرة، أمّا الحقيقة التي نحكم في ضوئها على صواب أفكارنا وخطئها فلا تتغيّر بتغيّرنا(٣).

وهنا نصل إلى واحدة من أشهر أفكاره الفلسفيّة: الاستنارة (illumination). قد توحي الكلمة بشيء غامض، لكن أغسطينوس لا يقول إن الإنسان ينتظر أن يضع الله المعلومات في رأسه بدل القراءة والملاحظة والتعلّم. إنه يستخدم صورة النور ليشرح شيئًا أدقّ. فالعين تمتلك القدرة على النظر، والأشياء موجودة أمامها، لكن الرؤية تحتاج إلى نور. وعلى نحو مشابه، يمتلك العقل القدرة على التفكير، ويتلقّى معطياته من الحواسّ والتعليم والخبرة، لكنه لا يصنع الحقيقة التي يحكم في ضوئها على أن هذا صواب وذاك خطأ.

وفي "الاعترافات" يصف أغسطينوس إحدى اللحظات الحاسمة في تحوّله الفكريّ، فيقول إنه عاد إلى داخله فرأى «فوق» عقله "نورًا غير متغيّر". وهو لا يقصد ضوءًا مادّيًّا أشدّ من ضوء الشمس، بل الحقيقة التي تتجاوز العقل؛ لأن العقل مخلوق ومتغيّر، بينما المعيار الذي يحكم به على الحقيقة لا يتغيّر معه(٤). و«فوق» لا تعني مكانًا في السماء، بل أن الحقيقة أسمى من العقل: العقل لا يخلقها، بل يجد نفسه محكومًا بها.

إذًا، الاستنارة لا تلغي العقل. وكما أن النور لا يرى بدل العين بل يجعل الرؤية ممكنة، لا يفكّر الله بدل الإنسان. الإنسان يفكّر ويفحص ويستدلّ، لكن الحقيقة الإلهيّة هي النور الذي يجعل إدراك الحقيقة ممكنًا. وقد اختلف الباحثون في تحديد المعنى الفلسفيّ الدقيق للاستنارة عند أغسطينوس، ولا نجد لديه نظريّة معرفة مكتملة بالمصطلحات الحديثة؛ لكن فكرته الأساسيّة واضحة: العقل البشريّ ليس مصدر الحقيقة النهائيّ ولا مقياسها الأخير.

وتظهر الفكرة نفسها من زاوية أخرى في الحوار الذي كتبه مع ابنه أديوداتوس، "المعلّم". ما الذي يحدث حين يعلّمني شخص شيئًا؟ يبدو أن المعلّم ينقل المعرفة إليّ بواسطة الكلمات، لكن أغسطينوس يلاحظ أن الكلمات في النهاية علامات. فإذا قال لي شخص كلمة لا أعرف معناها، فلن يمنحني تكرار الصوت المعرفة. وإذا فهمت ما تشير إليه الكلمة، أستطيع أن أفحص ما قيل لي وأحكم: هل هو صحيح أم خطأ؟

يستطيع المعلّم الخارجيّ إذًا أن يتكلّم ويشرح ويوجّه الانتباه، لكن إدراك الحقيقة لا يحدث لمجرّد أن صوتًا دخل الأذن. ولهذا يتحدّث أغسطينوس عن «المعلّم الباطن»، ويحدّده بالمسيح، «الحكمة الأزليّة غير المتغيّرة». الكلمات تنبّه الإنسان من الخارج، أمّا الحقيقة فيدركها في الداخل(٥).

ولا يعني هذا التقليل من قيمة التعليم؛ فأغسطينوس نفسه كان معلّمًا للبلاغة، وظلّ يكتب ويعظ ويجادل ويعلّم. لكنه يضع حدًّا مهمًّا لسلطة المعلّم: لا يستطيع أحد أن يجعل الباطل حقيقةً لمجرّد أنه المعلّم، ولا تستطيع السلطة أن تجعل الإنسان يفهم شيئًا بالقوّة. التعليم الحقيقيّ لا يصنع الحقيقة، بل يساعد العقل على رؤيتها.

من هنا نفهم عبارته الشهيرة في "الدين الحقّ": «لا تخرج إلى الخارج؛ ارجع إلى ذاتك، ففي الإنسان الباطن تسكن الحقيقة». لكن الجملة تُقتبس كثيرًا مبتورة، لأن أغسطينوس يضيف: «وإذا وجدتَ طبيعتك متغيّرة، فتجاوز نفسك أيضًا»(٦).

وهذه الإضافة أساسيّة. فأغسطينوس لا يقول إن كلّ إنسان يمتلك «حقيقته الخاصّة». بل يدعوه إلى الدخول إلى ذاته لكي يكتشف أنه ليس المقياس النهائيّ للحقيقة. ففي داخله عقل يتغيّر، وذاكرة تنسى، وإرادة تنقسم، لكنه يستطيع أيضًا أن يعترف: «كنتُ مخطئًا». ولكي يستطيع قول ذلك، يجب أن يوجد معيار لا يتغيّر لمجرّد تغيّره هو. لذلك تصبح العودة إلى الداخل طريقًا إلى "تجاوز الذات".

ويظهر هنا أثر أفلاطون والأفلاطونيّة بوضوح. فقد تعلّم أغسطينوس منهما ألّا يحصر الواقع فيما تراه الحواسّ، وأن يبحث عن الحقيقة الثابتة وسط الأشياء المتغيّرة. لكنه أعاد بناء هذه الرؤية داخل إيمانه المسيحيّ. فالحقائق الأزليّة ليست عالمًا مستقلًّا عن الله، والاستنارة ليست تذكّرًا بما عرفته النفس في حياة سابقة؛ بل ترتبط الحقيقة في النهاية بالله نفسه، الذي خلق العقل ويمنحه القدرة على معرفة الحقّ(٧).

ويرتبط هذا التصوّر أيضًا بالأخلاق والسياسة. فإذا كان المجتمع كلّه يستطيع أن يخطئ، وإذا كان القانون نفسه يستطيع أن يكون ظالمًا، فلا يمكن أن تكون الحقيقة مجرّد ما تقرّره الأغلبيّة أو ما تفرضه السلطة. فنحن لا نسمّي القانون عادلًا لمجرّد أنه قانون، بل نستطيع أن نسأل: هل هو عادل أصلًا؟ وبمجرّد طرح السؤال نكون قد ميّزنا بين "ما هو قائم" وبين "المعيار الذي نحكم به عليه". وسيعود هذا التمييز بقوّة في فكر أغسطينوس عن العدالة والقانون والدولة.
وهكذا تبدأ رحلة المعرفة عند أغسطينوس بالعودة إلى الداخل، لكنها لا تنتهي عند الذات. فالإنسان يستطيع أن يشكّ، لكن الشكّ يكشف له أنه موجود. ويستطيع أن يخطئ، لكن اعترافه بالخطأ يكشف أنه لا يصنع الحقيقة بإرادته. ويستطيع أن يتعلّم من الآخرين، لكن كلماتهم لا تصبح حقًّا لمجرّد أنهم قالوها. العقل يبحث ويفحص ويفهم، لكنه يفعل ذلك في ضوء حقيقة لا يخلقها هو.

لهذا يجعل أغسطينوس "الداخل الإنسانيّ" نقطة انطلاق أساسيّة للفلسفة، من دون أن يجعل الإنسان مركز الحقيقة. ارجع إلى ذاتك، نعم؛ لكن لا تتوقّف عندها، لأنك ستكتشف في أعماقك ما يدفعك إلى ما هو أسمى منك.

"الحقيقة لا تصبح حقيقيّة لأنني اقتنعتُ بها؛ بل أكتشف أنني كنتُ مخطئًا حين ألتقي بها. والعقل لا يصنع النور الذي يرى به، لكنه لا يستطيع أن يرى من دونه."

في الحلقة القادمة: "هل الإيمان يبدأ عندما يعجز العقل؟ أم أن أغسطينوس يرى أن الإيمان والعقل يحتاج أحدهما إلى الآخر؟"
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ