العقل والإيمان: هل نؤمن لأنّنا لا نفهم؟

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رأينا في الحلقة السابقة أنّ العقل عند أغسطينوس لا يصنع الحقيقة ولكنّه يكتشفها ويحكم في ضوئها على صواب أفكاره وخطئها. لكن هذا يقود إلى سؤال آخر: إذا كان الإنسان يمتلك عقلًا يستطيع أن يبحث ويفهم، فلماذا يحتاج إلى الإيمان أصلًا؟ وهل الإيمان قبولٌ لما يعجز العقل عن إثباته، أم أن العقل والإيمان يعملان معًا؟

كان السؤال شخصيًّا عند أغسطينوس. فقد جذبته المانويّة في شبابه لأنها وعدته بألّا تطلب منه الإيمان قبل تقديم البرهان. لكنه اكتشف أن أحدًا لا يعيش بهذه الطريقة. فنحن نعرف أشياء قليلة بالبرهان المباشر، بينما يقوم جانب كبير من حياتنا على الثقة في شهادة الآخرين: نصدّق أخبار أماكن لم نزُرها وأحداث لم نشهدها، ونقبل حقائق عن تاريخنا الشخصيّ لم نرها بأنفسنا. ولهذا يقول في "فائدة الإيمان" إن المجتمع الإنسانيّ نفسه لن يستقيم إذا رفضنا تصديق كلّ ما لا نستطيع معرفته مباشرةً(١).

لكنّ الإيمان لا يعني السذاجة. فأن أقبل شهادة شخص لا يعني أن أصدّق أيّ شخص في أيّ شيء. العقل يسأل: مَن الذي يتكلّم؟ وهل يستحقّ الثقة؟ وهل تتماسك شهادته مع ما أعرفه؟ ومن هنا يميّز أغسطينوس بين أن نعرف شيئًا بالفهم، وأن نؤمن به اعتمادًا على شهادة موثوقة، وأن نتوهّم أننا نعرف ما لا نعرفه(٢). وتظهر العلاقة بين العقل والإيمان بوضوح في رسالة أغسطينوس إلى كونسنتيوس، الذي كان يميل إلى قبول أمور الإيمان بسلطة الكنيسة من دون البحث كثيرًا عن تفسيرها. فيجيبه أغسطينوس: «حاشا أن نظنّ أنّ الله يكره فينا تلك القدرة التي بها خلقنا أسمى من سائر الكائنات الحيّة». ويضيف أنّنا لا نستطيع حتى أن نؤمن لو لم نكن كائنات عاقلة. فالإيمان لا يطلب من العقل أن يتوقّف، بل يفترض عمله منذ البداية(٣).

فلماذا يقول أغسطينوس إذًا إن الإيمان يسبق الفهم؟ لأنّ بعض الحقائق لا يبدأ الإنسان بمعرفتها كما يعرف نتيجة مسألة رياضيّة. فالطفل يبدأ بالثقة ثم يتعلّم، والطالب يقبل في البداية أشياء من معلّمه قبل أن يستطيع البرهنة عليها بنفسه. الثقة تفتح طريق المعرفة من دون أن تكون بديلًا منها. وهكذا يستطيع الإنسان أن يقبل بالإيمان حقيقةً لم يفهم بعدُ أعماقها، ثم يبدأ في البحث عمّا آمن به. ولهذا اشتهرتْ عنه العبارة: «آمِنْ لكي تفهم» (crede ut intellegas). ففي شرحه لإنجيل يوحنّا يقول إنّ «الفهم هو ثمرة الإيمان»(٤). لا يعني ذلك أن الإيمان يقدّم إجابةً جاهزة تمنع السؤال، بل أن بعض الحقائق لا تُعرف من الخارج فقط، بل بالدخول فيها. يمكن للإنسان أن يدرس الصداقة نظريًّا، لكن معرفته بها لا تكتمل إلا حين يثق ويعيش علاقة صداقة. والإيمان عند أغسطينوس يحمل هذا البعد من الثقة والدخول في علاقة.

لكنّ أغسطينوس يقول أيضًا شيئًا يُنسى كثيرًا. ففي "العظة ٤٣" يتخيّل شخصًا يقول: «سأفهم لكي أومن» (intellegam ut credam)، فيجيبه: «آمِنْ لكي تفهم»، ثمّ يجمع بين الأمرين: «افهم لكي تؤمن، وآمِنْ لكي تفهم»، موضّحًا: «افهم كلامي لكي تؤمن، وآمِنْ بكلام الله لكي تفهم»(٥). وهذا يمنع تحويل أغسطينوس إلى عدوّ للعقل. يوجد "عقل يسبق الإيمان": يسمع، ويفهم الكلام، ويفحص الشهادة، ويسأل هل من المعقول أن يثق. ويوجد "إيمان يسبق فهمًا أعمق": يقبل الإنسان حقيقة لم يدرك بعدُ كلّ أبعادها، ثمّ يدخل في رحلة فهمها. وبعد ذلك يعود العقل فيفحص ويفسّر ويسأل من جديد.

ولهذا يكتب أغسطينوس إلى كونسنتيوس أنّ "قَدْرًا من العقل" يسبق الإيمان نفسه ويقنع الإنسان بأن يؤمن(٦). فالعلاقة بين العقل والإيمان ليست خطًّا مستقيمًا ولكن حركة متبادلة: العقل يقود إلى الإيمان، والإيمان يفتح طريقًا جديدًا للعقل، والفهم الأعمق ينقّي ما يؤمن به الإنسان. ويرفض أغسطينوس بذلك طرفين متقابلين. الأوّل يقول: لن أومن بشيء إلّا إذا استطعتُ إثباته كاملًا بعقلي. ويرى أغسطينوس أن هذا يبالغ في تقدير قدرة الإنسان، لأنّ جانبًا كبيرًا من معرفتنا يقوم أصلًا على الثقة والشهادة. والطرف الآخر يقول: بما أنني أومن، فلا حاجة إلى التفكير والسؤال. وهذا يرفضه أيضًا، لأنّ الإيمان الذي لا يريد أن يفهم لم يبلغ غايته بعدُ.

وتبلغ الفكرة صيغةً جميلة في كتابه "الثالوث": «الإيمان يبحث، والفهم يجد» (fides quaerit, intellectus invenit). لكنه يضيف أنّ الإنسان، حتى حين يجد، يواصل البحث؛ لأنّ الله ليس مسألةً نحلّها ثم نغلق الكتاب. فكلّ فهم حقيقيّ يكشف أيضًا أن الحقيقة الإلهيّة أكبر من قدرتنا على الإحاطة بها(٧). ومن هنا نفهم الصيغة التي ستشتهر لاحقًا في التقليد المسيحيّ: «الإيمان الباحث عن الفهم» (fides quaerens intellectum). ارتبطت العبارة نفسها خصوصًا بأنسلم الكانتربريّ، لكنّها تعبّر بدقّة عن المسار الأغوسطينيّ: لا أفكّر بدل أن أومن، ولا أومن لكي أتوقّف عن التفكير؛ بل أؤمن بما يدفعني إلى الفهم، وأفهم لكي يصبح إيماني أكثر وعيًا.

العقل والإيمان عند أغسطينوس ليسا طرفي معركة. العقل يسأل الإنسان: لماذا تؤمن؟ والإيمان يسأل العقل: هل حدودك هي حدود الحقيقة؟ العقل يحمينا من السذاجة، والإيمان يحمينا من وهم أن الإنسان لا يستطيع قبول شيء إلا بعد أن يحيط به إحاطةً كاملة. وكلاهما يحتاج إلى التواضع: العقل يعترف بأنه محدود، والإيمان يقبل أن يُسأل ويطلب الفهم. الإيمان عند أغسطينوس ليس قفزًا في الظلام بعد فشل العقل، والعقل ليس سلّمًا نرميه بعيدًا بعد الوصول إلى الإيمان. العقل يقود إلى الإيمان، والإيمان يدفع العقل إلى أبعد ممّا وصل إليه، وكلّ فهمٍ جديد يعيد فتح السؤال.

بهذا تكتمل الحلقات الأربع عن أغسطينوس. في الزمن اكتشفنا نفسًا ممتدّةً بين الذاكرة والتوقّع، وفي مشكلة الشرّ إرادةً تستطيع أن تفسد الخير، وفي المعرفة عقلًا لا يصنع الحقيقة ولكنّه يستنير بها، وفي الإيمان عقلًا لا يُلغى أمام الله ولكنّه يواصل البحث والفهم.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ