ماجد سوس

«مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ» (أفسس 5: 19).

هذه ليست دعوة من شاعر معاصر، ولا فكرة أضافتها الكنيسة في زمن متأخر، بل هي لغة الكتاب المقدس منذ البدء. ولذلك، كلما اشتد الهجوم على الترانيم، ولا سيما في نهضات أم النور السيدة العذراء والقديسين والاجتماعات الروحية، ينهض في القلب سؤال لا يستطيع أن يصمت: متى صار اللحن غريبًا عن الصلاة؟ ومتى أصبح الصوت المرتفع بالتسبيح موضع ريبة، بعد أن كان منذ البدء إحدى لغات الروح؟

لعلنا، قبل أن نُصدر الأحكام، نحتاج أن نعود إلى الكتاب المقدس، حيث لم تكن العبادة كلامًا يُقال ثم ينتهي، بل صلاةً وترنيمًا، وكلمةً ولحنًا يرتفع من أعماق النفس بحثًا عن الله. فالإنسان، حين يمتلئ قلبه، قد تعجز العبارة عن حمل ما فيه، فيبدأ القلب بالترنم.

هناك، عند أليشع النبي، نقف أمام مشهد عجيب في بساطته وعميق في دلالته. إذ لما أراد أن يطلب كلمة الرب قال: «والآن فأتوني بعوّاد». ولما ضرب العوّاد بالعود كانت عليه يد الرب. لم يكن العود مصدر الوحي، ولكن النفس حين تهدأ من اضطرابها وتنفض عنها صخب العالم تصبح أكثر استعدادًا للإصغاء. كأن اللحن كان بابًا يُغلق على ضجيج الأرض لكي ينفتح القلب على صوت السماء.

ثم يأتي داود، الملك والنبي والمرنم، يحمل قيثارته إلى شاول المضطرب، فيعزف فيهدأ المعذب ويذهب عنه الروح الرديء. ولم يترك لنا داود أفكارًا جافة، بل ترك لنا المزامير؛ قلبًا مفتوحًا أمام الله، يصرخ ويبكي ويخاف ويرجو، ثم يعود فيرنم. وكأنه يكشف لنا أن الإنسان لا يُشفى من الحزن دائمًا بشرحه، بل أحيانًا برفعه إلى الله في مزمور.

وحتى في تلك الليلة التي سبقت الصليب، يقول الإنجيل عن الرب وتلاميذه: «ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون». قبل البستان، وقبل العرق والدم، وقبل القبض والصليب، كان هناك تسبيح. كأن الترنيمة لم تكن هروبًا من الألم، بل قوة للدخول إليه. 

ثم نرى بولس وسيلا في أعماق السجن، مقيدين ومجروحين، لكنهما يصليان ويسبحان الله. كان الجسد مقيدًا، أما الروح فكانت أوسع من الجدران. فالإنسان يستطيع أن يُقيَّد جسده، لكن لا يستطيع أحد أن يقيد قلبًا عرف كيف يرنم لله.

ومن هنا نفهم لماذا لم تكن الترنيمة في تاريخ الكنيسة زينة تُعلَّق على جدار العبادة، ولا فقرة نملأ بها الوقت، بل جزءًا من نسيج حياة الكنيسة. ويكفي أن نتأمل في مار أفرام السرياني، الذي أدرك أن الكلمة حين تُغنّى تدخل إلى القلب من أبواب قد لا تستطيع الكتب وحدها أن تدخل منها، فواجه الهرطقات بالتعليم والترنيم، حتى أصبحت العقيدة لحنًا، والإيمان نشيدًا يحمله الشعب في قلبه.
وما الكنيسة القبطية نفسها إلا شاهد حي على ذلك؟ فهي كنيسة حفظت إيمانها في ألحانها كما حفظته في كتبها. 

ففي كيهك لا نأتي لنسمع كلمات عن التجسد ثم نعود، بل نقف الساعات نسبح ونكرر ونرنم، حتى تنزل الكلمات من الشفاه إلى القلب. الهوسات والإبصاليات والثيؤطوكيات والذكصولوجيات ليست فواصل بين الصلوات، بل هي الصلاة نفسها وقد ارتدت ثوب اللحن.

فكيف يمكن، بعد كل هذا، أن يبدو الترنيم غريبًا على الكنيسة؟ وكيف تُتَّهم الموسيقى بأنها عدوة للروح، بينما الكنيسة جعلت للصوم لحنه، وللفرح لحنه، وللحزن لحنه، وللميلاد والقيامة ألحانهما؟ لقد أدركت الكنيسة أن الإنسان لا يعيش الزمن فقط، بل يعيش روحه أيضًا، فأعطت لكل زمن صوته، ولكل مناسبة نغمتها.

والقضية في حقيقتها ليست مجرد آلة موسيقية، ولا مجرد صوت. فالسؤال الحقيقي هو: هل يقود هذا اللحن القلب إلى الله أم يبعثره؟ هل يخدم الصلاة أم يستبدلها؟ هنا يكون التمييز. فكل عطية يمكن أن تُستخدم لمجد الله، كما يمكن أن تُساء استخدامها حين تنفصل عن غايتها. المشكلة ليست في اللحن، بل في القلب الذي يستخدمه والغاية التي يتجه إليها.

ومن يتأمل في تاريخ خدمتنا الحديثة يجد أن الترنيم لم يكن أمرًا طارئًا على حياة الكنيسة. فالقديس حبيب جرجس أدرك قيمة الترنيمة في خدمة الأطفال، لأن الكلمة التي تُغنّى قد تستقر في الأعماق أكثر من عشرات الكلمات. وعرفت أجيال كاملة التسبيح وبالموسيقى والكورالات في مؤتمرات البابا شنودة الثالث واجتماعاته من بداية مؤتمراته في مارمينا فلمنج بالإسكندرية ، كما ارتبطت خدمة أبونا بيشوي كامل بسهرات كيهك وروح التسبيح، ووضع فقرة ترانيم في الاجتماعات وظل الاهتمام بالترنيم وبالموسيقى حاضرًا في مؤتمرات الشباب وخدمات الأنبا موسى، وفي اجتماعات آباء وخدام كثيرين، مثل أبونا مكاري يونان وأبونا سمعان وأبونا داود لمعي وغيرهم.

ولعل السر بسيط وعميق في آن واحد: من أحب الصلاة لا يخاف من التسبيح. فالذي عرف كيف يقف أمام الله لا يحبس الصلاة في قالب واحد. مرة يقف صامتًا، ومرة يبكي، ومرة يقرأ، ومرة يردد مزمورًا، ومرة لا يجد في قلبه إلا لحنًا يرفعه إلى السماء.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون دفاعنا عن الترانيم دفاعًا أعمى. فليس كل ما يُغنّى يصلح لكل مكان، وليس كل لحن يليق بكل اجتماع، وليس كل ما يحرك المشاعر يقود بالضرورة إلى الله. التمييز واجب، والعمق مطلوب، والكلمة التي نرنمها ينبغي أن تكون صادقة وسليمة وقادرة على أن تبني النفس.

لكن بين التمييز والرفض هوة واسعة. أن نقول: لنختر ما يليق ببيت الله، فهذا صوت الحكمة. أما أن نقول إن الترنيم والموسيقى في ذاتهما ضد الصلاة، فهذا حكم لا يستطيع أن يصمد أمام أليشع وداود والمزامير، ولا أمام المسيح وتلاميذه وهم يسبحون، ولا أمام بولس وسيلا في السجن، ولا أمام مار أفرام، ولا أمام تاريخ الكنيسة كله.

ربما لا تكمن المشكلة في اللحن، بل في إساءة استخدامه. فإن تحولت الموسيقى إلى استعراض، فالعلاج ليس أن نقتل الموسيقى، بل أن نعيدها إلى مكانها الصحيح. فقد استلمنا كثير من كنائسنا القديم بها أرغن كالبيانو فالموسيقى في الكنيسة ليست ضد تعاليم الكنيسة وإن أصبحت بعض الترانيم سطحية، فالحل ليس أن نحرم الناس من الترنيم، بل أن نقدم لهم ما هو أعمق وأقدس وأجمل.

لسنا في حاجة إلى كنيسة أقل ترنيمًا، بل إلى ترنيم أكثر روحًا. لسنا في حاجة إلى إسكات الأصوات، بل إلى أن تتطهر الأصوات. لسنا في حاجة إلى طرد اللحن من الصلاة، بل إلى أن يعود اللحن صلاة.

ففي بعض اللحظات تقف الكلمات عند حدود العقل، ويبدأ القلب في البحث عن لغة أخرى. هناك، حيث تعجز العبارة، يولد المزمور. وحيث لا تستطيع النفس أن تشرح شوقها، تنطلق الترنيمة. وعندئذ لا يصبح اللحن شيئًا نضيفه إلى الصلاة، بل تصبح الصلاة نفسها لحنًا.

والأعجب من كل ذلك أن التسبيح ليس لغة أرضية ستنتهي بانتهاء أيام غربتنا. فالسماء نفسها ممتلئة بالتسبيح؛ الملائكة والقديسون والجموع الواقفة أمام العرش يرفعون أصواتهم في نشيد لا ينقطع: «القدوس، القدوس، القدوس»، و«مستحق هو الخروف».

هناك، في الحياة الأبدية، سيكون التسبيح لغتنا. وما نتعلمه هنا في ضعفنا سيكون امتدادًا لما سنعيشه هناك في كمالنا. وما نردده هنا بأصوات متعثرة، سنكمله هناك مع الملائكة والقديسين في فرح لا ينتهي.

فربما كانت الترنيمة التي نرفعها الآن، بكل ضعفنا وبكل شوقنا، تدريبًا مبكرًا على لغة السماء.

ومنذ داود، إلى كنيسة المسيح، إلى الملائكة الواقفين أمام العرش، ظل هناك شيء واحد لا يصمت:
التسبيح.

لذلك لا يكتفي شعب الله بأن يتحدث عن الله…
بل يرنم له الآن، وسيظل يرنم له إلى الأبد.