بقلم: أيمن فايز
نمرّ في الحياة بوجوهٍ كثيرة…
وجوه تختلف في العمر والجنس والملامح، لكن اختلافها الحقيقي لا يظهر في الصور، بل في المواقف. بعضهم جاءتنا به القرابة، وبعضهم اختاره القلب، وبعضهم جمعنا به العمل أو الجيرة أو مصادفة عابرة، ثم مضت الأيام فصار لكل وجهٍ مكانٌ مختلف في الذاكرة.
ومع العمر نكتشف أن الناس لا تُعرَف بطول العِشرة، بل بما تفعله العِشرة بهم.
فكم من غريبٍ صار من فرط أصالته أهلًا، وكم من قريبٍ لم تستطع القرابة أن تجعله قريبًا. وكم من صديقٍ حفظ غيابك كما حفظ حضورك، واختلف معك دون أن يخون تاريخًا جمعكما، وظلّ يذكر لك الخير حتى حين لم يعد بينكما شيءٌ ينتظره.
هؤلاء لا يحتاجون إلى تعريف طويل.
في لغتنا المصرية الجميلة نقول عن الواحد منهم: «ابن أصول».
فالأصل لا يظهر حين تكون القلوب صافية والمصالح قائمة؛ الأصل يظهر عند الاختلاف، وعندما تنتهي الحاجة، وحين يصبح الإنسان قادرًا على الإساءة… فيختار ألّا يسيء.
وعلى الجانب الآخر، عرفت الحياةُ لنا وجوهًا لا تقل حضورًا.
من يأكل معك الخبز ثم ينسى الملح. ومن تسنده يوم ضعفه، فإذا اشتدّ عوده كنتَ أول من اختبر قسوته. ومن يقترب منك لا لأنه يحبك، بل لأنه يحب ما يستطيع أن يأخذه منك.
وهنا تعلّمت شيئًا غيّر كثيرًا من نظرتي إلى الناس:
ليس كل من صنعتَ معه خيرًا يصبح خيّرًا معك.
فالخير الذي تقدّمه يكشف أخلاقك أنت، لا أخلاق من تقدّمه إليه. أما ردّه للجميل أو نكرانه، فذلك شأنٌ يكشف معدنه هو.
لذلك لا ينبغي أن نندم على خيرٍ فعلناه، حتى إذا أخطأنا فيمن منحناه إياه. فالخطأ في تقدير إنسان لا يجعل الخير خطأ.
وربما كانت الخيانة أكثر ما يوجع في العلاقات؛ لا لأنها تعني أن شخصًا رحل، فالرحيل يحدث، والقلوب تتغيّر، والطرق تفترق.
لكن المؤلم أن تكتشف أن من عرف موضع قلبك، اختار أن يجرحك منه. وأن من عرف ضعفك لأنك ائتمنته عليه، حوّل الأمانة يومًا إلى سلاح.
لهذا صرت أرى أن الوفاء ليس ألّا نختلف، ولا أن نبقى معًا إلى الأبد.
الوفاء أن نختلف دون أن نصبح أشخاصًا آخرين.
أن تنتهي العلاقة ولا ينتهي الأصل.
أن يسقط القرب ولا تسقط المروءة.
وأن يظل للخبز الذي أُكل يومًا حُرمة، حتى بعد أن تخلو المائدة.
ثم عرفتُ الكلب عن قرب…
وهنا حدث شيء غريب.
كل تلك الخبرة التي احتجتها لفهم البشر، لم أحتج إليها معه.
لم أفتش في عينيه عن نية أخرى، ولم أحاول أن أفهم سر فرحته بعودتي، ولم أسأل نفسي إن كانت محبته ستتغير إذا تغيرت ظروفي.
هو لا يعرف ماذا أملك، ولا ما هو اسمي بين الناس، ولا نجاحي من إخفاقي. لا يعرف مَن يمدحني ومَن ينتقدني، ولا تعنيه صورتي في عيون الآخرين.
يعرفني بطريقة أبسط كثيرًا:
أنا صاحبه.
وهذا يكفي.
إذا غبتُ، انتظر.
وإذا عدتُ، فرح.
والأجمل أنه لا يعرف أنه وفيّ.
لا يتحدث عن الوفاء، ولا يطالب بثمنه، ولا يذكّرك بما قدّمه لك، ولا يحمل دفترًا خفيًّا يحصي فيه ما أعطى وما أخذ.
هو فقط… يحب.
نحن الذين اخترعنا الكلمات الكبيرة: المحبة، والصداقة، والعِشرة، والجميل، والوفاء. كتبنا عنها الشعر، وصغنا الأمثال، ورددناها في أحاديثنا…
أما هو فلا يعرف كلمةً واحدة منها.
لكنه يعرف كيف يعيشها.
ولا أقول إن الكلب أفضل من الإنسان؛ فتلك مقارنة تظلم بشرًا عرفتهم، وكانوا من النبل بحيث يجعلونك أكثر إيمانًا بالإنسان، لا أقل.
لكن هذا المخلوق البسيط جعلني أرى المحبة بعيدًا عن ضجيج الكلمات.
فالمحبة لا يُثبتها طول العِشرة وحده، ولا كثرة اللقاء، ولا الوعود، ولا الصور التي تجمعنا.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تزول المنفعة.
هناك فقط نعرف مَن كان يحبنا… ومَن كان يحب ما عندنا.
ومع السنوات أصبحت أقل انبهارًا بمن يقول «أنا معك»، وأكثر امتنانًا لمن وجدته معي عندما لم يكن وجوده واجبًا ولا مصلحة.
وأصبحت أكثر حذرًا في الحكم على الوجوه؛ فبعضها لا تكشفه السنوات، بل تكشفه لحظة واحدة: موقف، خلاف، مال، نجاح، ضعف، أو فرصة للخيانة.
لحظة واحدة قد تعيد كتابة تاريخ إنسان كامل في عينيك.
لهذا لم أعد أسأل كثيرًا: مَن يحبني؟
بل أسأل سؤالًا أصعب:
مَن يحفظ المحبة عندما تتغيّر الظروف؟
فالحب شعور جميل، لكن الوفاء أخلاق.
والخيانة قد تبدأ عندما تصبح الذاكرة انتقائية؛ تتذكر الإساءة وتنسى ألف جميل، تحفظ لحظة الخلاف وتمحو سنوات الود.
أما الوفاء فله ذاكرة أخرى…
الخيانة تحتاج إلى ذاكرةٍ قصيرة للجميل،
أما الوفاء فيحتاج إلى قلبٍ طويل الذاكرة.
ولعل هذا هو أجمل ما تعلّمته من ذلك الكلب الصغير:
لم يعلّمني أن أحب الحيوانات أكثر، ولم يجعلني أحب البشر أقل.
لقد فعل شيئًا أعمق من ذلك…
ذكّرني، بصمته، كيف يليق بالإنسان أن يحب.





