د. رامي عطا صديق
كثيرًا ما نردد مجموعة تساؤلات، فى الجلسات الخاصة والعامة، فى الندوات والمؤتمرات، وفى كثير من الكتابات الصحفية والمشاركات المنشورة عبر شبكات التواصل الاجتماعى، وهى تساؤلات تعكس- بشكل أو بآخر- مقارنةً بين الماضى والحاضر، يصاحبها أمنيات وتطلعات مشروعة للمستقبل، ليس من باب «النوستالجيا» بمعنى الحنين إلى الماضى والرغبة فى العودة إليه والإقامة فيه، ولكن من باب اختبار مدى التقدم ومقدار النمو والتطوير الذى حققه المجتمع فى مختلف المجالات عبر مسيرة مواطنيه. إننا نتساءل ماذا لو عاد إلينا اليوم رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك وعبد الله النديم ومحمد عبده وأحمد لطفى السيد وقاسم أمين وعباس العقاد وطه حسين وسلامة موسى ولويس عوض وزكى نجيب محمود وغيرهم من رواد الثقافة والفكر المصرى؟ ماذا لو عادت صفية زغلول وهدى شعراوى وإستر ويصا ودرية شفيق وغيرهن من رائدات الحركة النسائية وزعيمات حركة تحرير المرأة ونهضتها؟
ماذا لو عادت أم كلثوم وأسمهان وليلى مراد وشادية وصباح وفايزة أحمد ووردة؟ وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ومحمد الموجى ورياض القصبجى ومحمد فوزى؟ وأحمد رامى ومرسى جميل عزيز ومحمد يونس القاضى وغيرهم من صنّاع الأغنية تأليفًا وتلحينًا وأداءً؟.
ماذا لو عاد إلينا هؤلاء وغيرهم من رموز الثقافة المصرية؟ هل سيجدون مكانًا بيننا؟ هل سيكون لهم جمهور ومعجبون مثلما كان لهم فى الماضى؟ هل سيتهافت الجمهور على أعمالهم الإبداعية وإنتاجهم الفكرى؟ أم أنهم سوف يشعرون بالغربة والعزلة وأنهم عادوا إلى وطن لم يعد هو الوطن الذى عرفوه قبلًا وشهد إبداعهم وتألقهم؟!.
كثيرًا ما أتساءل وغيرى: لماذا طغت التفاهة والهيافة والسطحية على كثير من اهتمامات الجيل الحاضر؟ ولماذا تراجع الإقبال على الأعمال الجادة فى مجالات الفن وفروع الأدب؟ لماذا تبدلت الكثير من القيم والأخلاق، حيث اختفت قيم وسلوكيات إيجابية وحلت محلها ممارسات وسلوكيات أخرى سلبية؟ وأصبحت الكثير من الأمور العادية تبدو وكأنها إنجازًا وانتصارًا!.
لماذا أصبحت لدينا أكثر من مصر بصورة تعكس تفاوتات طبقية وثقافية عميقة؟ حتى إن بعضنا صار يتندر ويقول عندنا مصر وعندنا «Egypt»! حيث لا يعكس الأمر فى تقديرى تنوعًا وتعددية، لأن التعددية والتنوع هى حالة غنى وثراء، قوامها قبول الآخر والتعايش معه، لا رفضه واستبعاده والتنمر عليه، وتجنب حدوث انقسام اجتماعى.
هذه الحالة توقف عندها بعض الكُتّاب والباحثين واهتم بدراستها عدد من المفكرين، ومن ذلك مثلًا أن الجغرافى والمفكر الكبير الدكتور جمال حمدان (١٩٢٨-١٩٩٣م) أصدر فى عام ١٩٦٧م عمله العمدة «شخصية مصر: دراسة فى عبقرية المكان»، فى محاولة رصينة لفهم الجذور العميقة للشخصية المصرية، وهو يربط بين الجغرافيا والتاريخ والنيل وموقع مصر والعمران والتكوين السكانى والسياسى، ليشرح كيف أسهم «المكان المصرى» فى تشكيل المجتمع وبناء الشخصية وترسيخ الهوية المصرية.
وفى عام ١٩٩٨م خرج علينا الدكتور جلال أمين (١٩٣٥-٢٠١٨م)، وهو أكاديمى بارز فى مجال الاقتصاد ومفكر مرموق، بالطبعة الأولى من كتابه الشهير «ماذا حدث للمصريين؟»، حيث تساءل عن تحولات الشخصية المصرية، فى محاولة جادة لقراءة عميقة للتغيرات التى أصابت المجتمع المصرى خلال نصف قرن، من ١٩٤٥م إلى ١٩٩٥م، حيث ركز على الحراك الاجتماعى وتغير تركيب الطبقات، وما صاحبه من تغير فى أنماط الاستهلاك والقيم والعلاقات الاجتماعية ومكانة المرأة والأسرة والوظيفة والهجرة، إلى جانب تأثير الانفتاح الاقتصادى والتغريب والإعلام، حيث حاول تفسير كيف أدت التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة إلى تغيير طريقة تفكير المصريين وسلوكهم وتطلعاتهم، مؤكدًا أن فهم هذه التغيرات لا يكتمل بالنظر إلى الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل يحتاج إلى قراءة أوسع للتحولات الاجتماعية والثقافية.
والظن أننا اليوم نحتاج إلى إعادة طرح السؤال ذاته: ماذا حدث للمصريين؟ وماذا جرى للشخصية المصرية المُعاصرة؟ حيث يستحق الأمر وقفة متأنية ودراسة تحليلية شاملة، من خلال فريق عمل، يضم ممثلين لعلم الاجتماع والنفس والسياسة والاقتصاد والقانون والإعلام..، لعلنا نفهم ما جرى، ونستوعب أسبابه، ونحلل نتائجه، ونمتلك القدرة على التحرك نحو تصحيح المسار وإعادة توجيه البوصلة فى اتجاه الحضارة والتقدم.
نقلا عن المصري اليوم





