فاطمة ناعوت
«هيا عمرو»، و«بسملة أشرف»، جميلتان من مصر. لكنهما ليستا بطلتين من الحكاية نفسها، بل شاهدتان على فلسفتين مختلفتين فى فعل الإنجاب والنظر إلى الطفل. الفارق بين الفلسفتين ليس فى مقدار المال الذى تحوزه الأسرة، ولا فى مستوى التعليم الذى حصّله الأبوان، بل فى الإجابة عن سؤال واحد: لماذا ننجب؟.
فى الفلسفة الأولى، الطفلُ غايةٌ. يولد لأن الحياة تستحق أن يُضاف إليها إنسانٌ جديد. فيُربَّى، ويُعلَّم، ويُنفق عليه من كدّ أبويه، ويُغرس فى قلبه معنى المسؤولية والرحمة والواجب، حتى يصبح فى الغد قادرًا على أن يردَّ بعض جميل الحياة إلى الناس. أما فى الفلسفة الثانية، فالطفل وسيلة. يُولد ليعيَن الأسرة على أعباء الحياة، ويشارك فى سد حاجاتها، ولو كان الثمن طفولته، أو تعليمه، أو سلامته، أو حياته نفسها.
الفيلسوف الألمانى «إيمانويل كانط» لخّص جوهرَ الأخلاق حين كتب: «عامل الإنسان دائمًا بوصفه غايةً فى ذاته، لا مجرد وسيلة»، وما الطفل إلا الإنسان فى أصفى لحظات وجوده. فإذا تحوّل من غاية إلى وسيلة لسد حاجات الأسرة، أو إلى يدٍ عاملة تُستنزَف قبل أن يكتمل نموها، فقد انهارت الفكرة الأخلاقية للإنجاب من أساسها.
جميلتان من مصر، لكن كأنهما ابنتا وطنين مختلفين، تحكمهما ثقافتان مختلفتان. إحداهما تستثمر فى الإنسان، والأخرى تستهلكه قبل أن يكتمل إنسانًا. فى الثقافة الأولى، تقف «هيا»، طالبة الطب، وسط النيران والدم والذعر دون خوف. عقصت خصلات شعرها، وسارعت لتنقذ مصابى فاجعة أرابيلا مول. لم تولد هذه البطولة فى لحظة؛ بل نبتت فى بيت آمن وعلى مقاعد مدرسة وجامعة، بين أبوين صالحين، عبر سنوات طوال من التربية القويمة، والإنفاق على التعليم، وغرس القيم. أبوان احتضنا ابنتهما حتى اشتدّ عودُها وصارت بطلة يُحتفى بها ويُشارُ إليها. فى الثقافة الثانية، نتعرف على «بسملة». طفلة لم تتجاوز العاشرة.
بطلة أخرى لكن من طراز مختلف. تخرج من بيتها إلى الشارع، لتعمل وتنفق على أبويها. حملت فوق كتفيها الصغيرتين مسؤولية لم يخلقها الله لتحملها، وذات يوم قاس، ابتلعتها عجلاتُ الطريق. لم تمُت «بسملة» لأنها كانت تعمل فقط، بل لأنها وُلدت داخل فكرة ترى أن الطفل يمكن أن يكون عائلًا لمن أنجبه، قبل أن يشتد عوده.
الطفلُ ليس امتدادًا لملكية والديه، ولا مشروعًا اقتصاديًا يعيل الأسرة. الطفلُ إنسان كامل الكرامة منذ لحظة ميلاده، له حق أصيل فى الأمان، والتعليم، والرعاية، واللعب، وأن يعيش كامل طفولته، بكل ما تحمل من معانى الفرح، قبل أن يطالبه أحد بأعباء الحياة الثقال.
الحديث عن «هيا» و«بسملة»، ومثيلاتهما، ليس للمقارنة بين صبيّة وطفلة، صارتا حديث المدينة فى الأيام السابقة، بل لتأمل فكرتين عن الأبوة والأمومة، بينهما بَونٌ شاسع. فكرة ترى أن إنجاب الأبناء مسؤولية أخلاقية هائلة، نسهر عليهم ونضحى من أجلهم، ونرعى نموهم يومًا بعد يوم، وننفق عليهم ونعلمهم حتى يصبحوا إضافة طيبةً إلى الحياة. وفكرة أخرى ترى إنجاب الطفل مجرد نتيجة بيولوجية للزواج، دون إحساس بالتبعة، ولا التعب، اللهم إلا وهن الحمل ومشقة الفصال اللذين تتحملهما الأم وحدها، فلا ضير على الأب أن يُنجب طفلا فى إثر طفلٍ دون حساب، مادام الأطفال سيتحولون إلى عمالة ومصادر للدخل، وسد حاجات الأسرة. بين هاتين الثقافتين يتقرر مصير الطفولة؛ أتبقى وعدًا بالحياة، أم تتحول إلى ثمن تدفعه الحياة؟
الفقر ليس المتهم الوحيد فى محنة «بسملة» وأمثالها من الأطفال. فالتاريخ، لا سيما تاريخ مصر، ملىء بأسر فقيرة أنجبت علماء ومبدعين، لأن الفقر لم يسلبها الإحساس بالمسؤولية. كما أن الثراء وحده لا يصنع إنسانًا صالحًا. الفارق الحقيقى هو الوعى بأن الأبوة والأمومة ليستا غريزة فحسب، بل ثقافة، وضمير، واختبار أخلاقى عسير، يتجدد كل يوم.
«هيا عمرو» ستصبح، بإذن الله، طبيبةً بعد سنوات قليلة. ونراهنُ عليها بأنها ستكون طبيبة مرموقة، لأنها قبل أن تحمل لقب طبيبة، حملت ما هو أثقل من اللقب: النبل. حملت معنى الطب فى أنبل صوره: أن تمد يدها لإنقاذ إنسان مأزوم. أما «بسملة»، التى لم تمهلها الدنيا لتحمل لقب «طفلة»، فقد حملت ما لا يطيقه الكبار، ثم رحلت قبل الأوان. ولعل الله قد ادخر لها فى رحمته فرحًا لم تعرفه على الأرض. ولعلّها تعيش طفولتها فى فردوسه الأعلى.
مقام السؤال:
لسنا نملك أن نختار الظروف التى نولد فيها، لكننا نملك أن نسأل: هل الإنجاب حقٌّ مطلق للكبار، أم حقٌّ مشروط بحقوق الصغار؟ وهل يكفى أن يكون الإنسان قادرًا بيولوجيًا على أن يُنجب، أم ينبغى أن يكون قادرًا أخلاقيًا على أن يُربى.
نقلا عن المصري اليوم





