محرر الأقباط متحدون
"الحب يحرّك، ويحث، ويوقظ من السُبات، ويثير دعوات جديدة ويدعو إلى المخاطرة. في الحب لا يوجد أبداً إكراه، ولا غسيل أدمغة؛ ولا إغراء، ولا خداع، ولا تجنيد. الحب لا يوجد إلا في الحرية، وفي الحوار الحي، وفي بذل الذات السخي" هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته إلى الشباب في "ملتقى الصداقة بين الشعوب" في ريميني

في إطار زيارته الراعوية إلى ريميني شارك قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عصر اليوم السبت في "ملتقى الصداقة بين الشعوب"، وهو مهرجان ثقافي سنوي يُقام في الأسبوع الأخير من شهر آب أغسطس في مدينة ريميني وقد وُلد بهدف تعزيز السلام، والحوار، والتعايش بين الثقافات والأديان المختلفة، بمبادرة من الأب لويجي جيوساني، مؤسس الحركة الكاثوليكية "شركة وتحرير"؛ وللمناسبة وجّه الأب الأقدس كلمة إلى المشاركين قال فيها في هذه اللحظة التاريخية، ندرك بشكل أعمق النبوءة التي نُقِشت قبل زهاء نصف قرن في الاسم الذي أُطلق على هذه الأيام: "ملتقى الصداقة بين الشعوب". وكما قال لكم القديس يوحنا بولس الثاني: "إنَّ مجرد نطق هذه الكلمات يبهج القلب: "ملتقى"! "ملتقى صداقة"! "صداقة بين الشعوب"! إنها كلمات تكتسب معنى خاصاً في هذه الساعات، التي غالباً ما تكون مأساويّة، من تاريخ العالم".

تابع الأب الأقدس يقول واليوم أيضاً، يتم صون السلام ونشره على أيدي أناس يحبون اللقاء ولا يخشون الحوار والمواجهة. إن البابا فرانسيس، من خلال الرسالة العامة "Fratelli tutti"، قد علَّمنا أن ننمي الصداقة الاجتماعية، التي تمثل الوجه العام والديناميكي والملموس للأخوَّة. فنحن، إذ نعترف بكرامتنا كأبناء لله، نلامس ما يجمع البشر في الأصل، بعيداً عن أي تنوع أو انفصال أو صراع. فيمكننا أن نتماهى مع بعضنا البعض، ونصغي إلى بعضنا البعض ونصبح أصدقاء، بين الأفراد وبالتالي بين الشعوب أيضاً. فقبل الحدود والتعريفات والمؤسسات، هناك دائماً الأشخاص. وهذا الوعي هو في قلب المسيحية: وأنتم تعرفون ذلك، لأنكم قد تربّيتم على قراءة الإنجيل كتجلِّي لله الذي يصير لقاءً، وحَدَثاً، ونظرةً، وخبرةً، ويوقِظ الرغبة في كل فرد لأن يُحَب ويُحِب. وبهذه الطريقة، لم تجعلوا من "الملتقى" جيباً معزولاً، بل على العكس، فقد أصبح مفترق طرق للكنيسة وللمجتمع، ولقاءً يضاعف اللقاءات ويُلهم مسارات جديدة.

أضاف الحبر الأعظم يقول نشكر الرب على هذا الإرث الحي، الذي يلقي على عاتقكم مسؤولية تاريخية كبيرة، في شركة الكنيسة الأوسع، في خدمة إنسانية تجوع وتعطش إلى العدالة. وكما علمنا المجمع الفاتيكاني الثاني، في الواقع فإن "أفراح وأمال، وأحزان ومخاوف أناس عصرنا، ولا سيما الفقراء وجميع الذين يتألّمون، هي أيضاً أفراح وأمال، وأحزان ومخاوف تلاميذ المسيح، وليس من شيء إنساني أصيل إلا وله صدى في قلوبهم". نعم، أيها الأصدقاء الأعزاء، إنها ساعة المسؤولية، وخاصة لمن حصل على الكثير من تقليد إيمان يمتد لألف عام ويتحول إلى ثقافة. وفي الواقع، استطاعت الدورات المختلفة لـ "الملتقى" أن تستقي من التراث الكبير للماضي الأسباب التي تلزمكم اليوم بالحوار مع الفن والموسيقى والأدب والعلوم والاقتصاد ومع كل تعبير عن الروح الإنسانية. حتى العنوان الذي اخترتموه لهذه الدورة، والمستوحى من البيت الأخير في "الكوميديا الإلهية"، يدفعنا نحو التاريخ الذي الرب هو سيده. إن "الحب الذي يحرّك الشمس وبقية النجوم" لم يختفِ، ولم يفقد قوته ولا شدته، رغم أنه حب يفضِّل أن يبقى صامتاً، على عكس القوى الصاخبة التي تزعزع الأرض والسماء وكل الخلائق.

تابع الأب الأقدس يقول نعم، الحب يحرّك! هو "يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل المطر على الأبرار والفجار". هكذا يصف يسوع كمال الله، مبيناً الفارق بين سخاء عمله وضيق الأفكار البشرية. إن الواقع يختنق في حساباتنا ويتنفس في مجانية الله. وليس من قبيل الصدفة أن أسلافي – القديس يوحنا بولس الثاني، وبندكتس السادس عشر، وفرنسيس – قد أشاروا جميعاً إلى الرحمة الإلهية كنقطة تأثير بين الإنجيل و"الأمور الجديدة" في هذا العصر المأساوي والرائع. إن اتباع يسوع المسيح بعد مآسي القرن العشرين وانطلاقاته الجديدة يتطلب في الواقع وعياً جلياً: فالشر لا يُحارَب بالشر. وكما في السماء، كذلك على الأرض، الحب هو قانون الحياة، ومنهج الفداء، للمسيح المصلوب. وأمام الواقعية الزائفة، التي تعيد تسليح العقول والكلمات والأمم، يجب على الثقافة الكاثوليكية اليوم أن تعارض بـ "واقعية الرحمة"، التي لا يمكن بموجبها أن يوجد أعداء، بل إن الجميع، حتى الخصوم، هم إخوة وأخوات يجب النظر في أعينهم ولقاؤهم في الحق. إن الخطيئة موجودة بلا شك، ولكن حب المسيح الذي يفدي هو الأقوى، وهو يُلزمنا بتطهير الأفكار والمصالح والعادات والعلاقات والمشاريع والاستثمارات – وكل جانب من جوانب الحياة – من كل ما لوثته ثقافة القوة.

أضاف الحبر الأعظم يقول إن بينكم من الكفاءات والمسؤوليات والموارد ما يمكن وضعه في خدمة ارتداد حقيقي للشعب. "إن الهوس بالحفاظ على المجد الشخصي، و"الكرامة" الذاتية، والنفوذ الخاص، لا ينبغي أن يكون جزءاً من مشاعرنا. يجب علينا أن نسعى وراء مجد الله، وهذا المجد لا يتطابق مع مجدنا. إن مجد الله الذي يتألق في تواضع مغارة بيت لحم أو في خزي صليب المسيح يفاجئنا دائماً". فلنحرر إذاً العيش المشترك من الشك، والثقافة من الاستعلاء، والتربية من الأيديولوجيا، والعمل من عبادة الربح، والتكنولوجيا والمالية من تجارة الموت. وانطلاقاً من المؤسسات التي أنشأناها ونعمل فيها، لنكشف عن العلاقات القائمة على القوة غير العادلة، والتي هي أصل الفقر واللامساواة والحرب والكوارث البيئيّة. ولنزع سلاح التطور التكنولوجي عندما يصبح جارفاً ومدمراً. نحن بحاجة إلى رواد شجعان يبدؤون من تغيير مسارهم الخاص لجعل الارتداد المطلوب من الجميع مقنعاً وذي مصداقية.

تابع الأب الأقدس يقول لا ينبغي أن نقتصر على من ينفخ في نار التعب واليأس؛ بل يجب أن يكون هناك أيضاً من يعيد إشعال الأحلام والرؤى! فالطريقان غير متوافقين، لأن أحدهما يستغل الانقسام والاغتراب واليأس، والآخر يخدم ملكوت الله وعدله. "في عالم تخترقه مناورات تهدف إلى السيطرة على الأسواق ومساحات النفوذ، وغالباً ما تكتسي بلغة مطمئنة وإنشاءات أيديولوجية جذابة، يشعر قلبنا بالحاجة إلى اكتشاف مخطط مختلف، حكيم وعطوف، يشبه ذلك الذي تتأمله مريم في نشيدها، عندما تعلن أن رحمة الله تمتدُّ من جيل إلى جيل على الذين يتقونه. هذا المخطط من الرحمة يخترق التاريخ اليوم أيضاً، في أكثر المراحل سرعة واضطراباً والمطبوعة بالخوارزميات والشبكات العالمية، ويصبح البوصلة لحياة إنجيليّة في العصر الرقمي. وفي المركز يكمن سر التجسد".

أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الأصدقاء الأعزاء، إن الجمال المُجرَّد من السلاح لهذا السر يتطلب "المخاطرة التربوية" التي تحدث عنها الأب جيوساني. فقد أدرك أن "الأسلوب الأكثر قدرة تربوياً على صنع الخير ليس ذاك الذي يعيش على الهروب من الواقع لإثبات الخير بشكل منفصل، بل ذاك الذي يعيش على تعزيز الخير في العالم". وكان يُصر: "في العالم يعني في المواجهة مع الواقع بأكمله، وهي مواجهة محفوفة بالمخاطر إذا أردنا تسميتها كذلك؛ ولكن الأصح أن نقول إنها مُلزِمة". أيها الإخوة والأخوات، لنتحمل الآن هذه المسؤولية، التي هي التزام مع المسيح والتزام مع عالمنا!

تابع الأب الأقدس يقول أيها الشباب الأعزاء، إنكم لكثيرون هنا، وكثيرون منكم كمتطوعين. إنكم علامة على أن المستقبل هو وعد وليس تهديداً! والكثيرون لم يعودوا يصدقون ذلك، سواء بين البالغين أو بين الشباب. ولكن بصمت، لا يزال "الحب الذي يحرّك الشمس وبقية النجوم" يدفع نحو الرجاء. لقد شعرت بذلك بشدة بين أقرانكم في لبنان، وفي أفريقيا، وفي إسبانيا. الحب يحرّك، ويحث، ويوقظ من السُبات، ويثير دعوات جديدة ويدعو إلى المخاطرة. خوضوا التجربة! انفتحوا على كاثوليكية حقيقية، ووسِّعوا روابطكم لتذهب أبعد من أي انتماء ضيق. لتكن الحركة والمجموعات والجماعات منصة تقفزون منها إلى الواقع بأكمله. قاوموا كل ما من شأنه أن يبعدكم عن إخوتكم وأخواتكم من ثقافات وحساسيات وأصول مختلفة، ولاسيما من الأشدَّ فقراً. بل اخرجوا، بدلاً من ذلك، للقاء الجميع! وفي كل بقعة من الأرض، ولا سيما في الأطراف وبين الذين يتألَّمون، ستجدون من هو مستعد لبناء الحب'> حضارة الحب. لا تسمحوا لأحد بأن يقلل من شأن هذه الكلمة، التي هي اسم الله نفسه: "الله محبة". وفي الحب لا يوجد أبداً إكراه، ولا غسيل أدمغة؛ ولا إغراء، ولا خداع، ولا تجنيد. الحب لا يوجد إلا في الحرية، وفي الحوار الحي، وفي بذل الذات السخي.

أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الشباب الأعزاء، يبدو أن العالم اليوم يتعجب من اتِّباعكم للمسيح، ومن الانجذاب الذي تشعرون به نحوه ونحو كلمته، ومن انتمائكم إلى الكنيسة. إنَّ كونكم مسيحيين اليوم هو مفاجأة لكثيرين! ومع ذلك، وبدون ضجيج، "من عندكم انطلقت كلمة الرب". هذا ما كتبه القديس بولس إلى جماعة تسالونيكي الفتية. وتابع قائلاً: "بل انتشر خبر إيمانكم بالله في جميع الأماكن حتى إننا لا نحتاج إلى التحدث به". إنها ليست مسألة أرقام، رغم أن الآلاف من أقرانكم الذين يطلبون المعمودية في مجتمعات تُعتبر من بين الأكثر علمانية في العالم هو أمرٌ مثير للمشاعر. إنها مسألة حرية: فالحقيقة لا يتمُّ لقاؤها إلا في الحرية. ونحن نفهم هذا بشكل أفضل، وسط ظروف تاريخية تعيد تنشيط الأسئلة الأكثر إنسانية والرغبة اللامحدودة في المعنى والعدالة والسلام. وهكذا، فإن خسراناً معيناً للنفوذ، وهو ما ربما خشيناه ونشطنا كبالغين لمكافحته، كان ينبغي أن يكشف لنا أنه يمكننا أن نثمن بشكل أكبر قوة الإنجيل، والروابط التي يولدها، والمنطق الذي يشعله، والحياة التي يبعثها. وكما كرر أسلافي عدة مرات، "إنَّ الكنيسة لا تمارس الاقتناص بل هي تنمو وتتطور عن طريق الجذب". إنه الجذب لأسلوب عيش في العالم، وهو ما تساءل عنه الأب جيوساني بشكل استفزازي: "هل يمكن العيش هكذا؟".

تابع الأب الأقدس يقول ومن ناحية أخرى، في القرن الثاني، اعترف الكاتب المجهول لـ "الرسالة إلى ديوجنس" بأن المسيحيين "يقدمون نموذج حياة رائعاً وبلا شك متناقضاً ظاهرياً". علينا بالطبع أن نعترف بأننا نحمل هذا الكنز "في آنية من خزف" وأن مصداقية شهادتنا الشخصية والجماعية غالباً ما تكون مطبوعة بالضعف والخطيئة. ولكن الرب هو الذي ينهضنا دائماً، كأفراد وكجماعة!

أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الأصدقاء الأعزاء، أحبوا الكنيسة دائماً! أحبوا وحافظوا على وحدة "الرفقة" التي من خلالها وصل المسيح إليكم وجذبكم إليه. وكما قال لكم البابا فرنسيس بمناسبة الذكرى المئوية لولادة مؤسسكم: "حتى اللحظات الصعبة يمكنها أن تكون لحظات نعمة ولحظات ولادة جديدة. لقد نشأت حركة شركة وتحرير في زمن أزمة، كما كان عام ٦٨. وفي وقت لاحق، لم يفزع الأب جيوساني من لحظات الانتقال والنمو في الأخوة، بل واجهها بشجاعة إنجيلية، بالاتكال على المسيح وفي شركة مع الأم الكنيسة".

تابع الأب الأقدس يقول أيها الأعزاء، في مخاض تغيير العصر هذا، وفي هذا العالم الذي تمزّقه أزمات متعددة، يمكننا أن نعيد اكتشاف "المذاق الروحي لكوننا شعب الله، المجتمع من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة، والذي يعيش في سياقات وثقافات مختلفة [...] ولا يزال يحجُّ في الزمن وفي شركة مع كنيسة السماء". وفي هذه السنوات الأخيرة، أعدنا اكتشاف البعد السينودسي والإرسالي لكوننا كنيسة، وهو ما يدعونا في المقام الأول لكي نتعلّم أن نصغي إلى بعضنا البعض. إن هبة الإصغاء هي شيء، أعتقد، أننا نعترف به جميعاً، ولكنّه غالباً ما فُقد في بعض قطاعات الكنيسة. علينا أن نواصل اكتشاف كم هو ثمين، بدءاً من الإصغاء لكلمة الله، والإصغاء المتبادل، والإصغاء للحكمة التي نجدها في رجال ونساء، في أعضاء الكنيسة وفي الذين يبحثون عن الحقيقة، ولكنهم ليسوا بعد، وربما لن يكونوا أبداً أعضاء في الكنيسة".

وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول إنه مسار يتطلب أيضاً تجديد كل جمعية وحركة كنسية. أدعوكم، سواء داخل حركة "شركة وتحرير"، أو في الكنائس الخاصة التي ينتمي إليها كل واحد منكم، إلى خوض هذه الخبرة في السير معاً: كل واحد يصغي، ويسمح لإيمان الآخرين، ومعاً، تحت قيادة الرعاة، تنضج إدراكات جديدة، وخطوات إضافية، وأشكال طاعة شجاعة للروح القدس. ليست السينودسية اسماً لعملية ما، بل هي طبيعة شعب يشعر، في الصداقة واللقاء مع الآخر، بأنه ينتمي إلى الله وحده. وعندئذ تتحول السلطة إلى خدمة، تحترم التنوع وتسهِّل انسجامه. إن هذا الأسلوب يشكل في هذا العصر المضطرب علامة حقيقية من علامات الأزمنة. فلنشهد أن كل موهبة هي للمنفعة العامة، وأن كل ثروة تتضاعف إذا تمت مشاركتها، وأن كل خوف يمكن التغلب عليه: علينا أن نجعل هذا الأمر ملموساً وذا مصداقية ومرغوباً. وستعرفون كيف تفعلون ذلك، أيها الأصدقاء الأعزاء، على خطى مؤسسكم، من خلال تنمية الوحدة فيما بينكم، ومع الذين قد دُعوا لقيادة الحركة، ومع الكرسي الرسولي الذي اعترف بكم، ومع خليفة بطرس. ليربّينا الروح القدس على ممارسة الشركة. وليمنحنا طعمها وتقديرها ورجاءها. وليستمر في قيادتنا أيها الإخوة والأخوات الأعزاء ذلك الحب "الذي يحرّك الشمس وبقية النجوم". شكراً لكم!