حمدي رزق
أعلاه شطرة رقيقة من قصيدة «الأطلال»، من نظم طيب الذكر الشاعر «إبراهيم ناجى»، بصوت كوكب الشرق (أم كلثوم)، تصلح نداءً للصديق «ضياء رشوان»، وزير الدولة للإعلام، ردًّا على ندائه المهم بضرورة تفعيل الأداء الإعلامى الوطنى.
أنصح الوزير، الكاتب الباحث والإعلامى، أن يستبطن الأبيات تواليا (أعطنِ حُريَّتى أطلِق يدىّ/ إننى أعطيت ما استبقيت شيئا / آه من قيدك أدمى معصمى / لم أبقيه ومـا أبقى عليا..)، يستبطنها فى قلبه، ويعمل فيها عقله، وبعدها يفضفض عما اعتمل فى نفسه، وباح به فى نداء ضافٍ للقبيلة الإعلامية..
هذه المقدمة الموسيقية فحسب فتح شهية، تفاعلًا مع نداء الوزير، وفتح المجال لنقاش صحى مثمر حول فعالية وجدية الأداء الإعلامى الوطنى الذى نرجوه، ويليق بوطن عظيم يملك إعلامًا كانت له الريادة، ولا تزال فى جعبته أسباب وموجبات الريادة.. لكنها معطلة عن الفعل الموجب فى فضاء إلكترونى يعج بما هو سالب وسلبى، ما يدمر الخلايا المناعية للعقل الجمعى فى أتون معركة الوعى.
أكتب مخلصًا، ولا أخشى ملامة، ما ينقص الإعلام المصرية ثلاث من كنَّ فيه وجد ضالته نحو إعلام يعبر عن ضمير الوطن، ويرنو إلى مقاصده العليا.. ثلاثية، (الحرية.. المعلوماتية.. المسؤولية).
الحرية، التى نرومها، ليست الحرية أن تختار بين الأسود والأبيض، بل أن تبتعد عن الاختيارات المحددة مسبقًا، الحرية فى تحديد الخيارات والمسارات، والتعبير بحرية عما يجيش فى الصدور، الحرية هى الحل لما نعانيه، حرروا الحرية، والحرية تقوم بالباقى، ولكم فى نداء السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى أسوة حسنة، ينادى عليكم بالحرية المسؤولة، وترجمتها إتاحة المجال وإفساح المساحات للرأى والرأى الآخر بغية تلاقح الأفكار، ما ينتج ثمارًا يانعة تغذى روح الوطن.
الحرية والمسؤولية توأمان، لو انفصل أحدهما عن الآخر ماتا جميعًا. الحرية التى ننشدها تلزمها المعلوماتية، المعلومات تحرر الإعلام من قيوده وينطلق ليملأ الفضاء الإلكترونى بالحقائق، ويقارع بالحجة، والفكرة بالفكرة، لا ينكفئ على ذاته ويقعد ملمومًا محصورًا فى شعب ضيق.
الحرية وقودها الحيوى المعلوماتية، وتنضبط بالمسؤولية، حدث ولا حرج عن النقص الفادح فى المعلومات على كافة الصعد والمستويات، نعانى نقصًا فادحًا فى المعلومات على وقتها، ذخيرتنا المعلوماتية شارفت على النفاذ، الاحتياطى الاستراتيجى من المعلومات لا يكفى إعلاميى مصر يومًا واحدًا، وفى مواجهة قصف معلوماتى معادٍ مفرط، لا تقوى دفاعاتنا المعلوماتية على الصمود فى مواجهة مسيرات معلوماتية مفخخة تقصف العقل الجمعى.
سيادة الوزير، معلوماتنا إما منقوصة أو مقصوصة بالأحرى ممصوصة، منقوصة لا تقيم أود إعلام حر مسؤول، وممصوصة بمعنى مخلية من الزاد الضرورى من المعلومات. البيانات التى تصدر عن الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية منقوصة الدسم المعلوماتى، مخلية من المعلومات الأساسية، والضرورية، والحيوية لبناء جدار الثقة عاليًا لصد المسيرات المغيرة.
تمليك الإعلام الوطنى المعلومات، وعلى وقتها، وبكفاية، سينقل إعلام المناسبات إلى إعلام المواجهات، من إعلام رد الفعل إلى إعلام فاعل قادر على خوض معركة الوعى. بالله عليك، وسيادتك كاتب وباحث وإعلامى، كيف يخوض الإعلام معركة الوعى وهو أعزل من المعلومات الأساسية، لم نخسر معركة الوعى بعد، ولكن النقص الفادح فى الذخيرة المعلوماتية يفت فى عضد الإعلام الوطنى، يقعده ويعجزه عن مواجهة المسيرات المعادية المفخخة بعبوات معلوماتية فاسدة تنفجر فى الوجوه وتقصف الرؤوس العارية من مظلة معلوماتية حامية، ما نسميه (القبة المعلوماتية) ودفاعاتها الحصينة.
ما يمكن إجماله فى قاعدة المثلث، الحرية المسؤولة، الحرية أسمى أمانى الإعلاميين، والمسؤولية تقع على عاتقهم، ما يعانيه الوسط الإعلامى ما يمكن تسميته تجاوزًا، مرض «الرقابة الذاتية» ليس تشخيصًا طبيًا أو مرضًا نفسيًا معترفًا به بحد ذاته، بل يُشير غالبًا إلى تفشى المراقبة الذاتية المفرطة، كل كاتب يتحسس قلمه الخاوى من المعلوماتية، المعلومات تكسب الإعلامى ثقة فى نفسه، وقلمه، ويتراجع منسوب الحذر والخشية من امتطاء الهواء، ليس مطلوبًا من الإعلامى ركوب الهواء، سيسقط حتمًا، الرقابة الذاتية من أعراض الرقابة الفوقية، والأخيرة وفق نظرية الأوانى المستطرقة باتت حاكمة متحكمة، وتمددت بفعل الرقابة على مراحل الإنتاج ليس لأسباب الجودة، ولكن الخشية من الجودة، التجويد أزيد من اللازم..
الرقابة الذاتية بنت بيئتها الحاضنة، حالة يقظة عقلية زائدة يراقب فيها الشخص أفكاره، ومشاعره، وسلوكياته بدقة شديدة وبطريقة قهرية أو وسواسية، مما يؤدى إلى صراعات داخلية وإرهاق نفسى وإعاقة الأداء الطبيعى إعلاميًا.
الرقابة الذاتية فى حالتها الطبيعية مهارة أو سمة شخصية تنظيمية تتيح للفرد تكييف سلوكه مع السياق الاجتماعى. لكن طابعها المرضى مشكلة أو عرض مزعج عندما تصبح مفرطة، وغالبًا ما تكون مرتبطة باضطرابات القلق، أو الوسواس القهرى، أو الخوف المبالغ فيه من المسؤولية المترتبة على الأداء الإعلامى الحر المنفتح على هموم الناس معبرا عن أشواقهم وتطلعاتهم فى حياة كريمة.
لا أخفى عليكم، نفسيًا يعانى كثير من الكتاب والإعلاميين من الرهاب النفسى، خوف شديد وغير مبرر من المراقبة أو التقييم أو الإحراج إعلاميًا وسياسيًا، ومع غيبة المعلومات، يعانى الإعلاميون وفى القلب منهم الصحفيون، وعلى الأجنحة الكتاب والمفكرون من رقابة ذاتية تترك آثارها مثل الندوب السوداء ظاهرة على وجوه الإعلام الوطنى.
نقلا عن المصري اليوم





