د. وسيم السيسي
اصطدمت قدمى أمام مدخل العيادة، عملية صغيرة مساء الجمعة ٧/٨/٢٠٢٦، استسلمت لتأملاتى فى الحياة والأحياء، هو ذا بيرم التونسى الذى يضع الكثير فى كلمة: قال: إيه مراد ابن آدم؟ قلت له: طقة، قال إيه يكفى منامنه؟ قلت له: شقة. قال: إيه يعجل بموته؟ قلت له: زقة. قال: حد فيها مخلد؟ قلت له لأه.
ها هى بروفيسور هيكس تزور معهد الأورام، وكانت الصراعات على أشدها، وعند رحيلها قالت: أشكركم على الكرم المصرى، كما أحب أن أقول لكم: أنتم فى حاجة إلى منافسة أقل وتعاون أكثر، وهى تعنى أننا فى حاجة إلى حروب أقل ومحبة أكثر! قابلنى أ. د. صلاح شهبندر بعد أن ترك العمادة، قص علىَّ الكثير، وكان يردد: كله كلام فارغ.
ها هى الصراعات السياسية والحزبية على أشدها سنة ١٩٢٥م يتدخل أمير الشعراء بقصيدة رائعة منها:
إلام الخلف بينكمو إلاما
وهذى الضجة الكبرى علاما
وفيم يكيد بعضكمو لبعض
وتبدون العداوة والخصاما
وأين الفوز لا مصر استقرت
على حال ولا السودان داما
ها هو عالم الاقتصاد السياسى البريطانى روبرت مالثيص Malthus يحدثنى عما يحزننى من تمزق نسيح مصر الاجتماعى: المالك مع المستأجر، صاحب الأرض مع الفلاح، صاحب المصنع مع العامل، المصرى مع المصرى، أفراد الأسرة مع بعضهم، هذا القتل الجماعى، هذا العنف غير المسبوق ولا المعهود، يقول: المجرم الحقيقى هو المجتمع، وما هؤلاء الأفراد الذين تقبضون عليهم، إلا أدواته فى تنفيذ جريمته! هل عرفنا من مركز البحوث الاجتماعية والجنائية - مثلاً - عن قاتل نيرة ذبحًا أمام جامعة المنصورة لأنها رفضت الزواج منه! من هو أبوه؟ من هى أمة؟ من هم مدرسوه؟ من هم شيوخه؟ لم نعرف شيئاً! وقد يكون مثله آلاف حولنا لا نعرف عنهم شيئاً!.
هل علمنا أولادنا فلسفة سقراط: انتصرت على عدوى بأن حولته إلى صديق! هل علمناهم: وجادلهم بالتى هى أحسن، فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولىَّ حميم؟! قال لى أحد عمداء كلية الطب فى مصر: طفرت الدموع من عينىَّ وأنا ذاهب لمؤتمر فى لندن، وكانت الطائرة مليئة بأطباء صغار مصريين يبحثون عن عمل بالخارج! قلت ولم نبحث عن عوامل الطرد بالداخل، وعوامل الجذب بالخارج.
اشتد الخلاف بين أعضاء أسرة مسيحية، ورفضوا التصالح، فطلب رب الأسرة منهم أن يقوموا للصلاة، وبدأ بقوله: أبانا الذى فى السموات... إلخ.. ثم قال: لا تغفر لنا يا رب ذنوبنا كما لا نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا! وكانت الرسالة واضحة، فتصالحوا بعدها!.
هذا المجتمع الجميل فى الزمن القديم الذى قال عنه: أميل لودفيج: أعياد العالم جميعًا، كلها جاءت من مصر، كان من أعياد مصر القديمة، عيد اسمه: عيد طهارة القلوب، كانت الأسرة المتخاصمة تسارع فى هذا العيد بتقديم فطيرة - تورتة - مزينة بالفواكه والزهور للأسرة المتخاصمة، وكانت هذه الفطيرة تسمى: فطيرة طهارة القلوب. لماذا لا نجعل من هذا اليوم من كل عام ٢٢/٨ عيدًا لطهارة القلوب خصوصاً وأنه يتفق مع عيد السيدة العذراء التى أحبها القرآن الكريم وجعل لها سورة على اسمها.
فى آخر أيامى بالمستشفى.. هو ذا إلياس قنصل أحد شعراء المهجر المسيحى، وصاحب القصائد الجميلة فى مدح الرسول والمهموم بالوطن العربى يقول:
أصبو إلى عيد أمة
محررة الأعناق من رق أعجمى
أحلم بعلم من نسيج عيسى وأحمد
وآمنة فى ظل أختها مريم
سلام على كفر يوحد بيننا
وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
قلت له: لا يا إلياس، دعنى أغير لك هذا البيت وأقول:
سلام على حب يوحد بيننا
فالفرقة لفح من نار جهنم.
نقلا عن المصري اليوم





