الديموجرافيا السياسية والطائفية للبنان (4-10)
أكرم ألفي
"أنا صار لازم ودّعكن .. وخبّركن عنّي أنا كلّ القصة لو منكن ما كنت بغنّي"..
أغنية الوداع للسيدة فيروز هي تعبير ديموغرافي مكثف لحال الروم الأرثوذكس في لبنان. هذه الطائفة كانت بمثابة "القابضة على جمرة العروبة" وسط المسيحيين هي طائفة فيروز والرحبانية وغسان تويني وشارل مالك وفؤاد بطرس والبير مخيبر وأنطوان سعادة وهي أيضاً طائفة نانسي عجرم وسيرين عبد النور.
طائفة الروم الارثوذكس في لبنان دخلت التاريخ العربي بخطابها "العروبي" وباصرارها على الحياد خلال الحرب الأهلية اللبنانية ورفضها تشكيل حزب أو ميليشيات طائفية ولكن كما كتبت من عام أنه كان يحق لنا وريث للرحبانية فيبدو لي أن النداء مستمر فكان يحق لنا أن يبقى اعداد أكبر من الروم الأرثوذكس في لبنان..
فهل تصدق أن في تقرير صحفي لصحيفة النهار اللبنانية عام 1952 قدر عدد الروم الارثوذكس بنحو 108 آلاف واليوم بحسب الخبير الديموغرافي اللبناني شوقي عطية لا يتجاوز عددهم بعد 74 عاماً 175 ألفاً!!
يعود ظهور الروم الأرثوذكس كطائفة كبيرة في الجبل وسواحل لبنان إلى القرنين التاسع والعاشر الميلادي واستقروا بالأساس في طرابلس والمناطق الساحلية وتمركزوا كذلك في منطقة الكورة (شمال لبنان) وفي المدن الكبرى. وكان أغلب الروم الأرثوذكس من الطبقات الوسطى (حرفيون بالاساس) بالإضافة للعمل في الفلاحة.
ولم يظهر في مرحلة إمارة الجبل (الشهابية) وبعدها نظام القائمقامين مقاطعجية في منتصف القرن التاسع عشر عائلات كبرى من الروم الأرثوذكس كمقاطعجية سوى مشايخ آل عازار في الكورة.
كان الروم الأرثوذكس يمثلون أحد أكبر طوائف جبل لبنان، ففي إحصاء القنصلية الفرنسية الذي أجري سنة 1863 لسكان الجبل حل الأرثوذكس في المرتبة الثانية بين الطوائف بعد الموارنة بنسبة 12.43% من السكان بنحو 29 ألف نسمة مقابل 28 ألفاً للدروز ليحتلو مقعدين في مجلس ادارة متصرفية جبل لبنان. وعقب حرب 1860، وخلال مفاوضات انشاء المتصرفية اقترح الروس إنشاء قائمقام للروم الأرثوذكس في الكورة بالشمال.
في تلك الفترة كانت روسيا القيصرية تعتبر تفسها حامية الأرثوذكس المسيحية في الشرق وسعت لاستغلال علاقتها مع الخلافة العثمانية لتسهيل أمور هذه الطائفة وسط أجواء معادية نسبياً من الموارنة الكاثوليك والدروز في الجبل.
الروم الأرثوذكس والقومية العربية
كان الروم الأرثوذكس منذ منتصف القرن التاسع عشر وما بعده يميلون بحكم التعليم والحضور الديموغرافي بطرابلس ووجود كتلة رئيسية في بيروت يميلون لخطاب الاستقلال من خلال العروبة والوحدة مع سوريا بل كان طلاب الجامعات من الروم الأرثوذكس في بيروت ومن سافر منهم إلى مصر يدافعون عن "الهوية العربية" الجامعة في مواجهة "الهوية الإسلامية" للخلافة العثمانية.
وظهر هذا الموقف العروبي (هذا توصيف وليس مدحاً ايديولوجياً) جلياً عقب نهاية الحرب العالمية الأولي، فقد كان بطريرك الروم الأرثوذكس غريغوريوس حداد مؤيداً شرساً للثورة العربية بقيادة فيصل الحسيني في دمشق ورافضاً لتقسيم سوريا وإنشاء لبنان وهو الموقف الذي تصادم مع موقف البطريرك الماروني إلياس الحويك الذي كان العقل المدبر لمشروع لبنان الكبير. وكانت الطائفة الأثوذكسية في أغلبها تتفق في مواقفها مع أغلب الشيعة والدروز والسنة الرافضين لإنشاء دولة لبنان الكبير. بل كانوا يؤيدون الموقف الدرزي في طلب الوصاية البريطانية على عكس مطالب الموارنة بالوصاية الفرنسية.
من هنا لا يكون مستغرباً أن يكون أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي في الثلاثينيات من الروم الأرثوذكس وكان رفيقا لجد صديق في مدرسة الفرير بالقاهرة!..
وانطون سعادة الذي ساهم في تأسيس الخطاب القومي في لبنان دخل في عداء واضح مع الأباء المؤسسين للبنان بشارة الخوري ورياض الصلح وانتهى به الأمر إلى تسليمه عبر السلطة في سوريا إلى لبنان في 1949 ليعدم في بيروت!.
وفي الخمسينيات، رفض النواب الروم الأرثوذكس في مجلس النواب اللبناني سياسة الأحلاف التي كان يروج لها كميل شمعون، بل اتهمتهم صحف مارونية في ذلك الوقت بأنهم "مسيحيون ناصريون"!.
فقد مثل الروم الأرثوذكس وقتها بيئة خصبة لانتشار الفكر اليساري والناصري والقومي. وكان عادة ما يجرى اتهامهم في مقاهي بيروت بأنهم "مسلمين متخفيين".. (مزاح طائفي ثقيل ولكن عادي في لبنان وقتها)
استمر هذا الخطاب القومي العروبي متأصلاً لدى أغلب مثقفي الروم الأرثوذكس لدرجة أن هناك قول مأثور لبناني مفاده "المسلم والروم ولاد عموم".
الروم الأرثوذكس .. الخروج الكبير بسبب الحرب الأهلية
بعد إعلان لبنان الكبير وضم مدن الساحل والبقاع إلى جبل لبنان تحول الأرثوذكس إلى الطائفة الاربعة من طوائف لبنان بنحو 81 ألف نسمة بنسبة 13% تقريباً من سكان لبنان، بحسب إحصاء 1921 الذي قامت به سلطة الانتداب الفرنسية.
كان الملفت أنه عند تاسيس لبنان الكبير كان الروم الأرثوذكس يمثلون نحو 15% من سكان بيروت بنحو 12 ألف نسمة. فالطبقة الوسطى التي تشكل عماد رئيسي لهذه الطبقة وجدت لنفسها مكاناً في بيروت من زمن طويل إلى جانب السعي وراء التعليم في الجامعات.
فقد اشتهرت في لبنان مدرسة الثلاثة أقمار الارثوذكسية وفي عام 1921 كان هناك 154 مدرسة للروم الأرثوذكس ولكنهم ظلوا الأفقر نسبياً بين المسيحيين حيث اشارت معدلات التعليم في 1935 إلى ارتفاع معدل الأمية بين الأرثوذكس إلى 53% مقابل 38% بين الكاثوليك.
ديموغرافيا استقرت نسبة الروم الأرثوكس عند 10% من سكان لبنان لفترة طويلة.. في 1932 تم إحصاء 77 ألف من الروم الأرثوكس بنسبة تقريباً 10% من السكان. وفي بيان 1943 ارتفع عدد الروم الأرثوذكس إلى 108 آلاف نسمة. وفي تقرير لصحيفة النهار في 1952 قدرت عدهم بنحو 130 ألفاً ومر الزمن واصبح عدهم 170 الفاً فقط بنسبة 4.7% من اللبنانيين في لبنان في 2025 وفقا لتقدير دكتور شوقي عطية الخبير الديموغرافي الابرز في لبنان.
هكذا انخفضت نسبة الروم الأرثوذكس من إجمالي اللبنانيين في لبنان من 10% إلى 4.7% بسبب الهجرة الجماعية خلال الحرب الأهلية..
كانت هجرة الروم الأرثوذكس خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية هي الأعلى، فهي طائفة اصبحت بين شقي الرحى في حرب ضروس بين الموارنة والمسلمين - اعتذر عن التوصيف الطائفي ولكن للاسف هذا هو الواقع ولن اجمله بتطبيق معايير الصوابية السياسية- فوفقا للبيانات التي نشرها أنيس أبي فرح فإن الروم الارثوذكس هاجر منهم أكثر من 200 ألف خلال فترة الحرب الأهلية (1975-1990) من إجمالي 900 ألف لبناني تركوا بلادهم خلال تلك الفترة!!.
لقد كانت الحرب الأهلية اللبنانية هي "لحظة الوداع" القاسية جدا للروم الأرثوذكس لبلادهم، تركوها لانهم ببساطة غير مرغوب فيهم من الموارنة أو المسلمين وتركوا فيروز تغني للبنان لتحافظ على الخيط الرفيع الباقي.
مرت عاصفة الحرب الأهلية السوداء على لبنان وحافظ الباقي من الروم الأرثوذكس على حيادهم ولو لوقت.. صحيح أنه وفقاً للقانون يحق لهم اليوم 11% من وظائف الفئة الأولى ولكنهم لازالوا يدفعوا ثمن "البين بين"، فهم ليسوا حلفاء للموارنة أو للمسلمين وبالتالي من الطبيعي أن تقرأ عن شكاوى من الطائفة من عدم شغلها المناصب المقرر لها ومن رفضها للخلل في توظيفها وأن تتابع حواراً حول أنها الطائفة الكبيرة الوحيدة التي دمها يتفرق حيث لا يوجد لها حزب أو كيان سياسي بل يتوزع نوابها بين الأحزاب المختلفة..
إن المعامل الديموغرافي الايجابي في القضية أن مستويات الهجرة بين الروم الأرثوذكس تراجعت بشكل واضح في مقابل ارتفاعها لدى الطوائف الأخرى مما قد يساعد في بقاء ثقلها الديموغرافي في لبنان وربما يهددها فقط أن نسبة اللبنانيين في لبنان ستتراجع دون 50% من السكان خلال سنوات قليلة (بحسب بيانات دكتور شوقي عطية).
لست لبنانياً ولا اريد أن ادخل في الشأن الداخلي لكتلة بشرية مهمة في منطقتنا ولكن يبدو لي أن الطائفية في لبنان تسعى دوماً لجذب الروم الأرثوذكس إلى معركة باسم الطائفة، فيما اكتب عن الطائفية وانا اتذكر فيروز والرحبانية وغسان تويني وكيف أني مثل كثيرين لولا الاهتمام بتفاصيل لبنان ما عرفت ابداً أنهم روم أرثوذكس.. فهنا اعتقد أن بقاء هذه الطائفة فوق الطائفية هو حفاظ على لبنان كما يريده اصدقائي اللبنانيون وطناً للبنانيين وليس وطناً للطوائف.





