القمص يوحنا نصيف
كتب سيرة هذا الشاب المبارك نيافة المتنيّح الأنبا يوأنّس أسقف الغربية لأنّه كان يعرفه جيّدًا، إذ جمعتهما كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا بالقاهرة.. ودوّن قصّته في الكتاب الذي أصدره عام 1985م بعنوان "باقات عطرة من سِيَر الأبرار والقدّيسين".
كان هذا الشاب يُدعَى "حبيب فرج"، ويسكن في حيّ شبرا بالقرب من كنيسة الأنبا أنطونيوس. وكان في بداية شبابه يسدّ أذنيه عن سماع أيَّة دعوة تُوَجَّه إليه لحضور الكنيسة، أو حتّى أيّ اجتماع روحي، سواء كانت هذه الدعوة من والديه أو من شباب الكنيسة. وتحت الإلحاح وافق على حضور اجتماع الشباب كمتفرِّج فقط. ولكن ما أن حضر هذا الاجتماع حتى أثّرت في نفسه الكلمات التي سمعها.. ثم اضطرم قلبه بالأكثر لحضور الكنيسة والمواظبة على قدّاساتها!
في إحدى الليالي أبصر رؤيةً عجيبة، أخذته فيها السيّدة العذراء وأرَتْهُ أماكن عذاب الأشرار والمستهزئين. ثم أَرَتْهُ قصرًا نورانيًا عظيمًا، وقالت له أنّ هذا هو مكان راحة وفرح الأبرار المجاهدين. وفي وسط هذا النور البهي رآى كرسيًّا شاغرًا، فتعجَّب كيف يكون هذا الكرسي شاغرًا في وسط هذا المكان المضيء. فقالت له السيدة العذراء: إنّ هذا هو كرسيك، وهو محفوظ لك إن تبعتَ الربّ يسوع.
ومنذ ذلك الوقت كان منظر هذا المكان العظيم لا يفارق مخيّلته.. فأصبح حريصًا على تقديس يوم الربّ -يوم الأحد- وكان يحضر مبكّرًا، وبعد انتهاء القدّاس والتناوُل يخرج من الكنيسة في ملء السلام والفرح. أمّا حياته الداخليّة فقد اتّسمت بطابع النسك، وهو يحيا في وسط العالم؛ فكان أمينًا فى إتمام الصلوات اليوميّة السبعة، أمّا الكتاب المقدس فلم يكن يفارقه. وكان يكرِّس أصوام الكنيسة كلّها انقطاعيًّا إلى ساعة متأخّرة.
كانت محبّته للكنيسة الأُرثوذكسيّة أمرًا يفوق التصوّر، فاهتمّ بتراثها وحفظ ألحانها.. وكان في تعليمه يحثّ الجميع على التمسّك بتعاليم الكنيسة الأرثوذكسيّة، مع محبّة صادقة للجميع.
رغم أنّه نشأ في أسرة فقيرة وعاش فقيرًا، إلاّ أنّه كان عجيبًا جدًا في عطائه، وتَصَدُّقه بكلّ ما كان له في بعض الأحيان.
عاش عفيفًا حقًّا، وفكره مشغول بالسمائيّات، لذلك كشف له الربّ عن ساعة رحيله من هذا العالم.
قضى فترته الأخيرة في ترنيم وتسبيح وصلوات مستمرة، مستعينًا بالسيدة العذراء، لكي يكون من نصيبه العرش الذي رآه. وذَكَرَ نيافة الأنبا يوأنّس أنّه عند نياحة هذا الشّاب المبارك، وعندما قام إخوته خُدّام الكنيسة بغسل جسده وجدوه مرسومًا بصلبان طبيعيّة واضحة، مِمّا أثار دهشة الجميع، وكان ذلك عام 1941م، وهو لم يتجاوز من العمر27 عامًا.
+ لقد أثبتَ لنا هذا الشاب أنّه بحياة التوبة والقداسة الأمينة، والمحبّة التي بلا رياء، مع حياة التدقيق، يمكننا بسهولة أن نُعاين الربّ في حياتنا على الأرض، وأيضًا بصورة أكثر بهاءً بعد انطلاقنا من هذا الجسد!
+ إنّ الله يستخدم طُرُقًا متنوّعة للتعامل مع كلّ واحد وواحدة مِنّا، لأجل خلاص نفوسنا وتمجيدنا معه في الأبديّة؛ فطوبي للإنسان الذي يتجاوب مع دعوته، ويُكَرِّس قلبه بالكامل له، ويتبعه في أمانة وجدّيّة إلى النفَس الأخير.
+ لا ننسى أيضًا دور القدّيسين في مساعدتنا وتشجيعنا، إذ هم أعضاء معنا ضمن أهل بيت الله، تربطنا بهم عضويّة جسد المسيح، ومحبته المسكوبة في قلوبنا جميعًا، وشركة عمل الروح القدس فينا؛ لذلك فهُم قدوةٌ وسنَدٌ روحيّ قويّ للساعين في طريق الملكوت!
القمص يوحنا نصيف





