الإيمان والمعرفة: مَن "الغنوصيّ الحقيقيّ"؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رأينا في الحلقة السابقة أن كليمندس السكندريّ لم يرَ الفلسفة اليونانيّة خصمًا يجب إبعاده عن المسيحيّة، ولكنّه رآها تربيةً للعقل يمكن أن تهيّئه للبحث عن الحقيقة. ويقوده هذا الانفتاح نحو الجانب الأكثر تميّزًا في مشروعه: كليمندس يتحدّث عن مرحلة يسمّيها "المعرفة" (gnōsis)، ويطلق على المسيحيّ الذي بلغها اسم "الغنوصيّ" (gnōstikos).
قد تثير الكلمة الالتباس اليوم، فنحن نستعمل "الغنوصيّة" عادةً للدلالة على تيّارات دينيّة في القرنين الثاني والثالث، ربط بعضها الخلاص بمعرفةٍ سرّيّة، وميّز بين الإله الأسمى وخالق العالم، ونظر إلى العالم المادّي نظرةً سلبيّة. لكن استعمال المصطلح في العالم القديم كان أوسع، كما أن الباحثين أنفسهم يتحفّظون اليوم على جمع هذه التيّارات المختلفة تحت نظام واحد متماسك. وكليمندس، الذي جادل بعض أصحاب "المعرفة المزعومة"، لم يتخلَّ عن كلمة gnōsis لهم. اختار أن يستردّها ويقول، في معنى واضح: توجد معرفةٌ زائفة، لكن توجد أيضًا "معرفةٌ مسيحيّة حقيقيّة"، وصاحبها هو "الغنوصيّ الحقيقيّ"(١). لم يكن هذا الغنوصيّ عضوًا في جماعة سرّيّة تمتلك إلهًا آخر أو إنجيلًا آخر. إنه المسيحي الذي نضج ما يؤمن به حتى صار معرفةً تشكّل عقله وحياته. لهذا يضع كليمندس الإيمان والمعرفة في علاقة نموّ، وليس في علاقة تنافس. يقول في الكتاب الثاني من "الستروماتا" إنّ "الإيمان أساس كلّ معرفة"، ثم يعود في الكتاب الخامس فيرفض الفصل بينهما: لا معرفة من دون إيمان، ولا إيمان حقيقيّ ينفصل تمامًا عن المعرفة(٢).
الإيمان إذًا ليس درجةً دنيا يتخلّص منها الإنسان حين يصبح مثقّفًا، كما لو أن البسطاء يؤمنون والفلاسفة يعرفون. إنه البداية التي يقوم عليها البناء كله. وفي الكتاب السابع يصف كليمندس المسار هكذا: يبدأ الإنسان بالإيمان، وينمو منه إلى المعرفة، وتبلغ المعرفة غايتها في المحبّة. بل يصوغ التدرّج في عبارة شديدة الكثافة: «إلى الإيمان المعرفة، وإلى المعرفة المحبّة، وإلى المحبّة الميراث»(٣). تكشف هذه العبارة أن "المعرفة" عند كليمندس ليست جمع معلومات دينيّة. فالإنسان يستطيع أن يعرف نصوصًا كثيرة، وأن يحسن الجدل في العقائد، ويبقى بعيدًا عمّا يسمّيه كليمندس gnōsis. فالمعرفة التي يقصدها "تكمّل الإنسان بوصفه إنسانًا"، لأنها تظهر في معرفته للأمور الإلهيّة وفي شخصيّته وحياته وكلامه معًا(٤). الحقيقة التي لم تغيّر صاحبها لم تزل، بهذا المعنى، معرفةً ناقصة.
وهذا امتداد لفهم الفلسفة في العالم القديم بوصفها طريقةً في الحياة. سقراط لم يكن مهمًّا لأنه امتلك مجموعة معلومات، والرواقي لم يكن حكيمًا لأنه حفظ كتب زينون. كان صدق الفلسفة يُقاس أيضًا بنوع الحياة التي تصنعها. أخذ كليمندس هذا المثال الفلسفي وأعاد تشكيله مسيحيًّا: "الغنوصي الحقيقي" ليس من يعرف أكثر عن الله فقط، بل من صار ما يعرفه ظاهرًا في طريقة وجوده. ولهذا يصفه في الكتاب السابع من "الستروماتا" بصفات تبدو للوهلة الأولى أخلاقيّة أكثر منها معرفيّة. هو صادق حتى إنه لا يحتاج إلى القسم لكي يضمن صدقه؛ لا ينتقم ممّن أساء إليه؛ يساعد المحتاج؛ يصلّي من أجل أعدائه؛ يضبط رغباته؛ ولا يجعل اللذّة أو المنفعة معيارًا لاختياراته. وقد تبدو هذه الصفات بعيدة عن "المعرفة"، لكنها تكشف معنى الكلمة عند كليمندس: أن أعرف الله حقًّا هو أن تتغيّر علاقتي بالعالم وبنفسي وبالآخرين على ضوء هذه المعرفة(٥).
وتظهر الفكرة بأوضح صورة في حديثه عن الدافع الأخلاقي. فقد يفعل الإنسان الخير خوفًا من العقوبة، وقد يفعله طمعًا في المكافأة. لا يحتقر كليمندس هذه المراحل؛ فهي تستطيع أن تربّي الإنسان. لكن النضج لا يكتمل عندها. في الكتاب الرابع يقول إن الغنوصي الحقيقي لا يفعل الخير لمجرّد الخوف من العقاب، ولا من أجل الجزاء الموعود، بل يصل إلى أن «يختار الخير من أجل الخير نفسه»(٦). هذه نقلة فلسفيّة مهمّة. الطفل الأخلاقي يسأل: ماذا سيحدث لي إذا فعلت هذا؟ أمّا الإنسان الناضج فيسأل: ما الخير الذي يستحقّ أن أفعله؟ ينتقل الإنسان من الطاعة التي تحرّكها الخشية أو المكافأة إلى محبّة الخير نفسه. ولهذا تصبح المحبّة عند كليمندس أسمى من المعرفة، أو بالأحرى كمالها. فالمعرفة التي لا تبلغ المحبّة توقّفت قبل غايتها.
ومن هنا نفهم أيضًا استخدامه لمفهومٍ رواقيّ شهير هو "التحرّر من الأهواء" (apatheia). كان الرواقيّون يبحثون عن حكيم لا تجرّه الانفعالات غير المنضبطة من جهة إلى أخرى، ويحكم حياته العقل. أخذ كليمندس هذا المثال ووضعه داخل طريق التشبّه بالله. الغنوصي لا يعيش عبدًا للخوف والغضب والشهوة والحسد، بل يبلغ قدرًا من الوحدة الداخليّة يسمح له بأن يختار الخير بحرّيّة(٧). ولا ينبغي أن نترجم apatheia هنا ببساطة إلى "انعدام المشاعر". نصوص كليمندس نفسها تجعل هذا الفهم صعبًا؛ فالغنوصي الذي يصفه ممتلئ بالمحبّة، والإحسان، والرحمة، والصلاة من أجل الآخرين. المقصود أساسًا ألّا تحكم الأهواء المضطربة الإنسان وتجعله رهينةً للذة أو الخوف أو الغضب. ومع ذلك يستخدم كليمندس أحيانًا لغةً شديدة في وصف "اللامبالاة بالأهواء"، وقد رأى باحثون أن تأثّره بالمثال الرواقي قاده في بعض المواضع إلى تصوّر للكمال أكثر صرامةً من مجرّد تهذيب الانفعالات. ولهذا ينبغي ألّا نجعل موقفه أكثر بساطة مما تسمح به نصوصه(٨). أمّا الغاية التي تتحرّك نحوها المعرفة والفضيلة معًا فهي "التشبّه بالله". وهذه أيضًا فكرة ذات جذور أفلاطونيّة. كان التقليد الأفلاطوني يتحدّث عن التشبّه بالله "بقدر ما يستطيع الإنسان". وكليمندس يحتفظ بهذا القيد: الإنسان لا يصير الله بالطبيعة ولا يساويه، لكنه يستطيع أن يتشكّل بحسب الخير الإلهي. لذلك يربط التشبّه بالله بالوداعة، ومحبة البشر، والتقوى، والإحسان. مَن يعرف الله الخيّر يزداد شبهًا به حين يصنع الخير(٩).
ويستطيع كليمندس، في بعض عباراته الجريئة، أن يتحدّث عن الإنسان الكامل بوصفه قد صار "إلهًا يمشي في الجسد". لا يريد بذلك محو الفارق بين الخالق والمخلوق. إنه يستخدم لغة التألّه التي ستتطوّر بقوّة في التقليد المسيحي الشرقي: الإنسان يشارك، بالنعمة، في الحياة التي تأتي من الله ويتشكّل على صورة "اللوغوس". وقد رأى Eric Osborn أن صورة "الغنوصي الحقيقي" هي نقطة وصول فكر كليمندس كلها؛ فهي تصف ما يحدث حين لا يبقى الخلاص وعدًا للمستقبل فقط، بل يبدأ في تكوين "إنسان جديد" منذ الآن(١٠).
لكن يبقى في مشروع كليمندس توتّر حقيقي لا ينبغي إخفاؤه. فهو يؤكد أن الإيمان خلاص حقيقي وأن المعرفة تنمو منه، لكنه يتحدّث في الوقت نفسه عن درجات، وعن تعليم أعمق لا يتلقّاه الجميع بالطريقة نفسها، وعن أناس مؤهّلين لمعرفة لا يبلغها المؤمن البسيط. ويقول أحيانًا إن بعض التعليم يحتاج إلى إعداد سابق، وإن الحقائق الأعمق لا تُلقى بلا تمييز لكلّ سامع. لذلك يمكن أن يبدو تصوّره وكأنه يقيم داخل الكنيسة طبقتين: المؤمن العادي، ثم النخبة العارفة. لكن الفارق عنده لا يقوم على امتلاك كلّ طبقة وحيًا مختلفًا. لا يوجد إله للبسطاء وإله للعارفين، ولا خلاص بالإيمان للعامة وخلاص سرّي لنخبة مختارة. المسيح نفسه هو البداية والنهاية، والإيمان هو الأساس المشترك. الفرق هو "درجة التحوّل والفهم": يوجد مَن يؤمن بالحقيقة، ويوجد مَن تعلّم أن يفهم ما يؤمن به، ويربط عناصره، ويقرأ الكتاب بعمق، ويبرهن عنه، ثم يجعله هيئةً ثابتة في حياته. ولهذا لا تكتمل صورة الغنوصي بالمكتبة، بل بالمحبّة. يستطيع المثقّف أن يصبح متكبّرًا بمعرفته، أمّا معرفة الله التي يتكلّم عنها كليمندس فتقود في الاتجاه المعاكس: من العبوديّة إلى الصداقة، ومن الخوف إلى المحبّة، ومن الانقسام الداخلي إلى الحرّيّة، ومن معرفة الله بالكلام إلى التشبّه بخيره.
وهنا تلتقي الحلقتان عن كليمندس. الفلسفة التي تحدّثنا عنها في الحلقة السابقة لم تكن غاية مستقلة؛ كانت جزءًا من تربية الإنسان. والمنطق والعلوم والقراءة والجدل أدوات مفيدة ما دامت تقود العقل إلى تمييز الحقيقة. أمّا اكتمال الطريق فلا يحدث عندما يصبح المسيحي أقدر على المناقشة، بل عندما تتّحد فيه المعرفة والحياة. ربما لهذا استحق كليمندس مكانه في تاريخ الفلسفة المسيحيّة. لقد رفض الاختيار بين "إيمان بلا عقل" و"معرفة تحتقر الإيمان". الإيمان عنده بداية المعرفة، والمعرفة نضج الإيمان، لكنّ الاثنين يفقدان غايتهما إن لم يبلغا المحبّة. إنّ الغنوصي الحقيقي عند كليمندس ليس الإنسان الذي عرف سرًّا لا يعرفه الآخرون، ولكنّه الإنسان الذي صار أكثر حرّيّة لأنه عرف، وأكثر محبّة لأنه فهم، وأكثر شبهًا بالله لأنّ الحقيقة لم تبقَ فكرةً في عقله، بل صارت طريقةً في الحياة.
في الحلقة القادمة نعود خطوة أخرى داخل الفترة التي سبقتْ أغسطينوس، إلى "ماريوس ڤيكتورينوس": الفيلسوف الأفلاطونيّ الذي اعتنق المسيحيّة في روما، وحاول أن يستخدم أكثر أدوات الميتافيزيقا الأفلاطونيّة دقّةً للتفكير في الله والثالوث، وترك أثرًا مهمًّا في أغسطينوس نفسه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





