بقلم: نادية هنري
عضو برلماني سابق... وغير سابق!

يبدو أن المصريين قرروا أخيرًا حل أزمة الزحام.
لا، مش بفتح طرق جديدة، ولا بكباري إضافية، ولا بتوسعة المحاور.
قرروا ببساطة أن ينزلوا تحت الميّه!

هناك، في أعماق البحر، ظهرت مدينة اسمها «قاع الهامور»، يسكنها مواطنون، ولديهم حكومة، ومشاكل في الأسعار، والمواصلات، والخدمات، والوظائف... يعني باختصار: مدينة مصرية جدًا، مع فارق بسيط للغاية...

إنها مدينة كرتونية!
والحكاية بدأت من جروب ساخر اسمه «شكاوى أهالي قاع الهامور»، حيث يتعامل الناس مع مدينة سبونج بوب وأصدقائه وكأنها مدينة حقيقية لها محافظ ووزارات ومصالح حكومية، وكل مواطن فيها لديه شكوى.

واحد بيشتكي من الأسعار.
واحد بيدور على شغل.
واحد مش عارف يروح شغله بسبب المواصلات.

وواحد طبعًا بيسأل:
«هو فين المسؤول عن قاع الهامور؟!»
وهنا، بصراحة، بدأت أقلق.
مش من سبونج بوب...
من التشابه!

لأنك لو شلت البحر وحطيت بدل السمك مواطنين مصريين، قد تجد نفسك أمام مدينة عادية جدًا... لدرجة أنك قد لا تلاحظ الفرق.
لكن المفاجأة الأكبر ليست أن المصريين صنعوا مجتمعًا افتراضيًا داخل مدينة كرتونية.
المفاجأة أنهم وجدوا في هذه المدينة مساحة يقولون فيها ما يريدون.
وهنا تدخل السياسة... من تحت الميّه.
فالسياسة ليست دائمًا انتخابات وبرلمان وأحزاب وبيانات رسمية.

أحيانًا السياسة تبدأ من سؤال بسيط جدًا:
«ليه؟»
ليه الأسعار غليت؟
ليه الخدمة وحشة؟
ليه الوظيفة صعبة؟
ليه المواطن مش عارف يعيش؟

ولما الأسئلة تكتر، ومفيش إجابات كفاية، المواطن المصري عنده حل سحري قديم:
يهزر.
والمصري أصلًا اخترع مدرسة عالمية في تحويل المصيبة إلى إفيه.
فإذا كان الواقع ثقيلًا، نضحك عليه.
وإذا كانت الشكوى حساسة، نحطها في كوميك.

وإذا كان الكلام المباشر ممكن يجيب لنا وجع دماغ، نقول:
«يا جماعة أنا بتكلم عن قاع الهامور!»
وهنا يصبح سبونج بوب، من غير أن يقصد، أول مواطن كرتوني يدخل عالم السياسة المصرية.
وأتخيل أن الأمور لو استمرت بهذا الشكل، فلن يمر وقت طويل قبل أن نرى أول اجتماع لمجلس وزراء قاع الهامور.

وزير التموين يقول:
«الحمد لله، الأسعار مستقرة.»

فيرد عليه وزير المواطن:
«مستقرة فين؟ عندك ولا عندنا؟»

وزير النقل:
«عملنا خطة لتطوير المواصلات.»

المواطن:
«حلو جدًا... هنركب إمتى؟»

وزير الإسكان:
«لدينا مشروعات جديدة.»

المواطن:
«ممتاز... بس فين البيوت اللي نقدر نسكن فيها؟»

ثم يأتي وزير الإعلام ليعلن:
«الوضع في قاع الهامور ممتاز، والدليل أن المواطنين يضحكون!»
وهنا يصفق الجميع...
ثم يكتشفون أن التصفيق كان عبارة عن فقاقيع.
لكن بعيدًا عن الهزار، هناك شيء يستحق أن نتوقف أمامه.
لماذا انتشر هذا النوع من السخرية بهذه السرعة؟
ربما لأن الناس لا تضحك فقط على سبونج بوب.
الناس تضحك على نفسها.
على الأسعار التي تطاردها.
على المرتب الذي يهرب منها.
على الخدمات التي تحتاج إلى واسطة كي تصل إليها.
على الوعود التي تسمعها ثم تنساها، لأنها تعرف أن الذاكرة أحيانًا أرحم من الواقع.

وعندما تتحول مدينة كرتونية إلى مكان يشكو فيه الناس من مشكلات حقيقية، فربما المشكلة ليست في المدينة الكرتونية.
ربما المشكلة أن الواقع نفسه أصبح يحتاج إلى كرتون كي نستطيع احتماله.
وهنا يصبح «قاع الهامور» أكثر من مجرد تريند.
إنه مرآة.
مرآة لا تقول إن مصر أصبحت مدينة كرتونية.

لكنها تكشف أن هناك مواطنين حقيقيين يحملون همومًا حقيقية، وجدوا أن الضحك أسهل من الشكوى، وأن الكوميكس أحيانًا أكثر قدرة على الوصول من البيانات الرسمية.
ولا يعني هذا بالضرورة أن وراء «قاع الهامور» مشروعًا سياسيًا أو جهة سياسية.
لا يوجد ما يثبت ذلك.
لكن ربما لا تحتاج الظاهرة أصلًا إلى جهة سياسية كي تكون سياسية.
فحين يتحدث مئات الآلاف عن الغلاء والخدمات والعمل والمواصلات، حتى لو كانوا يتحدثون عن سبونج بوب وبسيط وسريع، فهم في النهاية يتحدثون عن حياتهم.
السياسة دخلت قاع الهامور، إذن.

لكن السؤال الحقيقي:
هل قاع الهامور هو الذي نزل إلى السياسة...
أم أن السياسة هي التي اضطرت أخيرًا إلى النزول تحت الميّه؟
وأنا عندي اقتراح للحكومة:
لا تغلقوا قاع الهامور.
ولا تقلقوا من سبونج بوب.
اتركوا الناس تضحك.

فربما أفضل طريقة لمعرفة ما يؤلم المواطن ليست أن نسأله في استبيان رسمي...
بل أن نقرأ النكتة التي كتبها عن حياته.
لأن المواطن عندما يضحك على وجعه، لا يعني بالضرورة أن الوجع اختفى.
أحيانًا...

يكون قد وصل إلى مرحلة لم يعد يستطيع فيها أن يبكي.
أما نحن، فسوف نترك مصر فوق سطح البحر...
ونذهب قليلًا إلى قاع الهامور.
هناك، على الأقل، يبدو أن المواطن وجد أخيرًا مكانًا يشتكي فيه.
من غير ما يحتاج يثبت إنه من سكان المدينة.
— نادية هنري
عضو برلماني سابق... وغير سابق!