ماريوس ڤيكتورينوس (١ /٢)
هل الجدران تصنع المسيحيّين؟ حين لا تكفي معرفة الحقيقة


الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
كان ماريوس ڤيكتورينوس واحدًا من كبار مثقّفي روما في القرن الرابع. وُلد في أفريقيا الرومانيّة نحو أواخر القرن الثالث، ثمّ استقرّ في العاصمة الإمبراطوريّة، حيث صنع لنفسه اسمًا كبيرًا في تدريس البلاغة والفلسفة. عرف المنطق الأرسطيّ، وشرح شيشرون، وترجم إلى اللاتينيّة نصوصًا من الفلسفة اليونانيّة، ولا سيّما من التقليد الأفلاطوني المحدث. وبلغتْ مكانته حدّ أن أقامت له روما نحو عام ٣٥٤ تمثالًا في منتدى تراجان، وهو تكريم لم يكن يُمنح لمعلّمٍ عادي، بل لرجل أصبح جزءًا من الذاكرة الثقافيّة للمدينة. كان شيخًا مشهورًا، تحيط به شبكةٌ من التلاميذ والأصدقاء المنتمين إلى النخبة الرومانيّة، حين بدأ يقرأ الكتاب المقدّس والكتابات المسيحيّة، ثمّ انتهى به الأمر إلى اعتناق المسيحيّة(١).

نعرف قصّة تحوّله أساسًا من القدّيس أغسطينوس في الكتاب الثامن من "الاعترافات". تلقّاها أغسطينوس من الكاهن سيمبليسيانوس، الذي كان يعرف ڤيكتورينوس شخصيًّا، ثمّ أدخلها بعد عقود في رواية تحوّله هو. وهذه المسافة مهمّة عند قراءة النص: أغسطينوس ينقل ذكرى تاريخيّة، لكنه ينتقيها ويصوغها لأنها تفسّر مأزقًا كان يعيشه هو نفسه. ففي تلك المرحلة كان قد قرأ "كتب الأفلاطونيّين"، ويقول إنّها وصلتْ إليه مترجمة إلى اللاتينيّة، وكان ڤيكتورينوس نفسه من أبرز الذين نقلوا هذا العالم الفلسفيّ إلى اللاتينيّة. ساعدته تلك القراءة على التحرّر من تصوّره المادّي القديم لله، وعلى التفكير في وجود غير جسدي وفي حقيقةٍ تتجاوز المحسوس. وحين ذهب إلى سيمبليسيانوس، لم يقدّم له الشيخ درسًا آخر في الأفلاطونيّة، إلّا أنّه روى له قصّة الرجل الذي ترجمها. ويقول أغسطينوس إن غرض سيمبليسيانوس كان أن يحثّه على "تواضع المسيح"(٢). كان عقل أغسطينوس قد قطع مسافة طويلة، أمّا حياته فبقيتْ متأخرة عمّا وصل إليه عقله.

مرّ ڤيكتورينوس قبل أغسطينوس بهذه المسافة نفسها بين الاقتناع والحياة. أخذ يقرأ النصوص المسيحيّة بعناية، ويفحصها، حتى صار يقول لسيمبليسيانوس عندما يلتقيه على انفراد: «اعلَم أنّني صرتُ مسيحيًّا». وكان جواب سيمبليسيانوس غريبًا في أذنه: لن أعدّك من المسيحيّين حتّى أراك "في كنيسة المسيح". فضحك ڤيكتورينوس وردّ بالعبارة التي حفظها القدّيس أغسطينوس: «أفالجدران إذًا تصنع المسيحيّين؟»  ergo parietes faciunt christianos(٣). وسخرية العبارة دقيقة. فقد كان ڤيكتورينوس يقول في جوهرها: لقد قرأتُ وفكّرتُ واقتنعتُ، فما الذي سيتغيّر في حقيقة اقتناعي إذا دخلتُ مبنىً واجتمعتُ بأشخاصٍ داخله؟ وإذا كانت المسيحيّة حقًّا، فصدقها لا يتوقّف على عبوري باب كنيسة. لكنّ لفظ "الجدران" من صنع ڤيكتورينوس نفسه. سيمبليسيانوس قال "كنيسة المسيح"، أي ecclesia، وهي الجماعة أيضًا، فاختزل ڤيكتورينوس الكنيسة ساخرًا إلى parietes، "جدران". ومن هنا تظهر العقدة التي يريد أغسطينوس إبرازها. كان ڤيكتورينوس قد قبل المسيحيّة بالطريقة التي يقبل بها الفيلسوف أطروحةً اقتنع بصحتها: فحصها بعقله، ثم كوّن حكمه الشخصي عليها. غير أن الانضمام إلى الكنيسة كان يعني شيئًا أوسع من إضافة رأي ديني جديد إلى مجموعة آرائه. كان عليه أن يطلب المعموديّة، وأن يعلن إيمانه، وأن يدخل جماعةً مرئيّة يعرف الجميع أنه صار واحدًا منها. تحوّل الاقتناع عند هذه النقطة من شأن يستطيع الاحتفاظ به في حياته الخاصة إلى موقف ستكون له نتائج في علاقاته ومكانته وصورته أمام الآخرين.

ويخبرنا أغسطينوس بما كان يعطّل هذه الخطوة. كان ڤيكتورينوس يخشى إغضاب أصدقائه المنتمين إلى الأوساط الرومانيّة الوثنيّة التي عاش داخلها زمنًا طويلًا. وتحتاج هذه العبارة إلى وضعها في سياقها التاريخي. فرومة منتصف القرن الرابع لم تكن قد قطعت ببساطة مع أديانها وثقافتها التقليديّة. ظلّت قطاعات نافذة من الأرستقراطيّة مرتبطة بالطقوس القديمة وبالتراث الديني الذي كان جزءًا من هويّتها الرومانيّة، وكان التعليم الكلاسيكي نفسه مشبعًا بذلك العالم. وڤيكتورينوس رجل كرّمته المدينة بتمثال، ودرّس أبناء نخبتها، وصنع شهرته داخل ثقافتها. كان يستطيع أن يقول في لقاء خاص: "أنا مسيحي"، مع الإبقاء على حياته العامة في صورتها القديمة. أمّا إعلان إيمانه أمام الجماعة فكان يجعل اختياره مرئيًّا، ويحرم صاحبه من المساحة المريحة التي تفصل بين ما يعتقده وما يسمح للآخرين بأن يعرفوه عنه(٤).

استمر هذا التردّد إلى أن عاد ڤيكتورينوس يومًا إلى سيمبليسيانوس وقال له: «فلنذهب إلى الكنيسة؛ أريد أن أصير مسيحيًّا»(٥). وهنا توجد واحدة من أجمل التفاصيل في الرواية. كان يقول من قبل: "لقد صرتُ مسيحيًّا"، ثم صار يقول: "أريد أن أصير مسيحيًّا". لم تكن قراءاته السابقة وهمًا، ولم يبدأ إيمانه فجأة في تلك اللحظة، لكن معنى العبارة تغيّر. عرف أن الاقتناع الذي يريد أن يبقى بلا أثر في صورة حياته يظل ناقصًا من جهة ما. لم يحتج إلى برهان جديد على المسيحيّة بقدر حاجته إلى قبول نتائج ما صار مقتنعًا به. وهنا تقترب قصّة فيكتورينوس من التصوّر القديم للفلسفة نفسها؛ فقد كان الفيلسوف في العالم القديم يُختبر أيضًا بحسب الحياة التي تنتجها أفكاره. يستطيع الإنسان أن يشرح الفضيلة بدقّة، ثم يخضع في حياته للخوف والطمع والجاه، وعندئذ يظهر انفصال بين المعرفة وصاحبها. دخول فيكتورينوس إلى الكنيسة وضع معرفته أمام هذا الامتحان.

دخل فيكتورينوس مسار الاستعداد للمعموديّة، وتقدّم إلى الاعتراف بقانون الإيمان. ويصف أغسطينوس عادةً رومانيّة كان فيها طالب المعموديّة يعلن صيغة الإيمان أمام الجماعة من موضع مرتفع. ولشهرة ڤيكتورينوس عرض عليه المسؤولون أن يؤدّي الاعتراف بصورة خاصة، كما كانوا يفعلون أحيانًا مع من قد يجدون صعوبة في الظهور أمام الجمهور. وكان هذا الحلّ سيمنحه فرصةً مثاليّة للخروج من أزمته: ينضم إلى الكنيسة ويحتفظ في الوقت نفسه بأقصى قدر من الخصوصيّة. لكنه رفض واختار أن يعلن إيمانه أمام الجميع. وحين ظهر أمام الجماعة، انتشر اسمه بين الحاضرين همسًا وفرحًا: «ڤيكتورينوس! ڤيكتورينوس!»، ثمّ صمتوا ليستمعوا إليه وهو يتلو الاعتراف(٦). أصبح الرجل الذي سخر من "الجدران" راغبًا في الوقوف داخلها أمام الناس. لم تتغيّر طبيعة الحجر، وإنما تغيّر فهمه للكنيسة، فقد اكتشف أن ما كان يسميه "جدرانًا" يحتوي جماعةً يستطيع أمامها أن يعطي لاقتناعه الداخلي شكلًا علنيًّا، وأن يربط مصيره بما اعترف بأنه حق.

لهذا أثّرت القصّة في أغسطينوس بقوة. فهو يكتب بعد سماعها أنّه «اشتعل رغبةً في الاقتداء به»(٧). رأى في ڤيكتورينوس صورةً متقدّمة من أزمته هو: رجل يمتلك قدرًا عاليًا من الثقافة الأفلاطونيّة، وصل إلى قناعة عقليّة، ثم اكتشف أن معرفة الحق والخضوع له شيئان يمكن أن يفترقا داخل الإنسان. وسيتكرّر هذا البناء في الكتاب الثامن من "الاعترافات": يسمع أغسطينوس عن ڤيكتورينوس، ثم عن الأنبا أنطونيوس الكبير، ثمّ عن موظّفَيْن في البلاط غيّرا حياتهما بعدما قرآ سيرة الأنبا أنطونيوس. تتراكم أمامه نماذج لأناس انتقلت عندهم المعرفة من الفكر إلى الفعل، حتّى يصبح تأجيله هو أكثر صعوبة. لقد عرف كثيرًا، وأصبحت المشكلة في ما سيفعله بما عرف.

ومن هنا تكتسب قصّة ڤيكتورينوس معناها الفلسفي. المعرفة لا تحمل في ذاتها ضمانًا بأن الإنسان سيعيش وفقها. يمكن لإنسان أن يعرف أن فعلًا ما ظالمًا ويستمر فيه، وأن يعرف أن عادةً تدمّره ويبقى أسيرها، وأن يمتلك نظرية دقيقة في الخير من دون أن يصبح إنسانًا صالحًا. كان التراث الفلسفي القديم واعيًا لهذه الفجوة، ولذلك لم يفصل بسهولة بين الحكمة وتكوين الإنسان. وتحول ڤيكتورينوس يضع المسيحيّة في استمرار نقدي مع هذا المثال: الحقيقة التي لا تتجاوز مستوى الرأي قد تترك صاحبها كما كان. أمّا حين تدخل في ترتيب رغباته ومخاوفه وعلاقاته، فهي تبدأ في المطالبة بحياة تناسبها. ويصبح الأمر أكثر إثارة حين نلاحظ أن ڤيكتورينوس لم يترك فلسفته عند باب الكنيسة. فقد حمل معه إلى المسيحيّة كلّ ذلك التكوين المنطقي والأفلاطونيّ، ثم استخدمه في بعض أكثر النصوص اللاتينيّة تعقيدًا في القرن الرابع. كتب في الدفاع عن إيمان نيقية، وناقش الآريوسيّين، وحاول أن يصوغ علاقة الآب والابن والروح القدس مستخدمًا مفاهيم "الوجود" و"الحياة" و"العقل" و"الجوهر". كما ترك شروحًا لرسائل بولس تُعدّ من أقدم الشروح اللاتينيّة الباقية عليها. وقد أظهر پيير هادو بصورةٍ خاصة إلى أي حدّ كان عالم أفلوطين وفرفوريوس حاضرًا خلف لغته المسيحيّة، بينما بيّن ستيفان كوپير أن ڤيكتورينوس لا يُفهم جيدًا إذا قُرئ كأنه مجرّد لاهوتي استعان أحيانًا بمفردات فلسفيّة؛ لقد ظلّ مفكرًا أفلاطونيّ التكوين وهو يحاول إعادة توجيه أدواته إلى مسائل مسيحيّة لم تطرحها الأفلاطونيّة على نفسها(٨).

ومن الطريف أن يصل ڤيكتورينوس إلى أغسطينوس بطريقين متداخلين. قرأ أغسطينوس الفلسفة الأفلاطونيّة في ترجمات مرتبطة بفيكتورينوس، ثم سمع قصّة تحوّله من سيمبليسيانوس. وصل إليه الرجل أولًا من خلال الكتب، ثم من خلال حياته. ڤيكتورينوس المترجم ساعده على اكتشاف عالم روحي لا يُختزل في المادة، وفيكتورينوس المسيحي وضع أمامه السؤال الذي لا تستطيع أي ترجمة أن تجيب عنه نيابةً عن قارئها: ماذا تفعل الحقيقة بالإنسان بعدما يعرفها؟

وبهذا نفهم عبارة «أفالجدران تصنع المسيحيّين؟» في سياقها. لا يدافع أغسطينوس عن فكرة أن دخول مبنى كنسي يجعل الإنسان مسيحيًّا، ولا يحتقر قيمة الاقتناع الشخصي. ما تكشفه الرواية هو مقاومة أكثر دقة: محاولة الاحتفاظ بالحقيقة في الداخل حين يصبح إعلانها مكلفًا في الخارج. وقد استطاع ڤيكتورينوس زمنًا أن يقنع نفسه بأن المسألة تتعلّق بالجدران، بينما كان العائق الحقيقي هو الخوف من أن تتجاوز قناعته حدود عقله وتدخل في نسيج حياته.

الجدران لم تجعل فيكتورينوس مسيحيًّا، لكنها كشفت له المسافة التي بقيت بين الحقيقة التي قال إنه يعرفها، والحياة التي كان مستعدًّا لأن يسمح لهذه الحقيقة بتغييرها.

وسيظهر في الحلقة القادمة أن دخوله الكنيسة لم يُسكت الفيلسوف الذي داخله. على العكس، بدأتْ بعد التحوّل المرحلة التي جعلته شخصيةً مهمّة في تاريخ الفلسفة المسيحيّة: كيف يمكن استخدام الميتافيزيقا الأفلاطونيّة المحدثة لفهم عبارة نيقية "مساوٍ للآب في الجوهر"؟ وكيف حافظ ڤيكتورينوس على الفرق بين الثالوث المسيحي وبنية الواحد والعقل والنفس عند الأفلاطونيّين؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ