هل يناقض الثالوثُ التوحيد؟ يحيى بن عدي وسؤال "الواحد"
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين يقول المسيحيّ والمسلم إنّ "الله واحد"، تبدو العبارة للوهلة الأولى واضحةً ولا تحتاج إلى شرح. لكن يحيى بن عدي فعل ما يفعله الفيلسوف عادةً: توقّف أمام الكلمة التي يظنّ الجميع أنهم يفهمونها، وسأل: ماذا نعني أصلًا حين نقول عن شيء إنّه "واحد"؟
في رجب عام ٣٢٨هـ، الموافق تقريبًا أبريل أو مايو ٩٤٠، أنهى يحيى «مقالة في التوحيد»، وهي من أهم النصوص الفلسفيّة المسيحيّة التي وصلتنا بالعربيّة. حققها الأب سمير خليل اليسوعيّ تحقيقًا علميًّا عام ١٩٨٠، ثم أصدر طبعةً ثانية منقحة ومزيدة عام ٢٠١٥. وفي عام ٢٠٢٣ أصدر جوڤانّي ماندولينو دراسة جديدة للنص مع طبعة عربيّة منقحة وترجمة إنجليزيّة وتعليق فلسفي مفصل، مستفيدًا أيضًا من مخطوط طهران الذي لم يكن متاحًا في الطبعات القديمة. وهذه الدراسات الحديثة تؤكد أن أمامنا نصًّا يقع فعلًا على الحدود بين «الفلسفة واللاهوت المسيحي وعالم التوحيد الإسلاميّ».[١]
لا يبدأ يحيى من عبارة «الآب والابن والروح القدس». يبدأ قبل ذلك بكثير، من تحليل مفهوم "الواحد". فنحن نقول عن شخص إنه واحد، وعن نوع البشر إنه واحد، وقد نقول عن شيئين إنهما واحدان من جهة الجنس أو التعريف أو الموضوع. «واحد» ليست دائمًا مرادفًا لـ«شيء لا يوجد فيه أي نوع من التعدد بأي معنى ممكن». ولهذا يضع يحيى تعريفًا دقيقًا: «الواحد موجودٌ ما لا يوجد فيه غيريّة، من حيث هو ذلك الواحد»[٢]. العبارة الأخيرة هي مفتاح الجملة كلها: "من حيث هو ذلك الواحد". أي إن السؤال ليس فقط: هل توجد كثرة؟ بل: "من أي جهة نتكلم عن الوحدة، ومن أي جهة نتكلم عن التمييز؟"
يمكن تبسيط الفكرة بمثال لا يستعمله يحيى بهذه الصورة: البشر كثيرون بالأشخاص، لكنّهم واحد من جهة الطبيعة الإنسانيّة. والإنسان الواحد نفسه يمكن أن نصفه بصفات كثيرة من غير أن يتحول بذلك إلى عدة أشخاص. طبعًا لا يريد يحيى أن يقول إن الله مثل الإنسان أو إن الثالوث مجرد ثلاثة أوصاف؛ فمشروعه أدقّ من هذه التشبيهات. ما يحاول إثباته أولًا هو أن العقل لا يحق له أن ينتقل آليًّا من عبارة «يوجد تمييز» إلى نتيجة «إذًا يوجد ثلاثة آلهة». ينبغي أولًا أن نعرف "نوع التمييز ونوع الوحدة".
ويمضي يحيى في فحص الاحتمالات المنطقيّة المتاحة: هل الخالق واحد من كل وجه بحيث يستحيل أن نميّز فيه أي معنى عن معنى؟ هل هو كثير من كل وجه؟ أم يمكن أن يكون الواحد واحدًا من جهة، مع وجود تمييز من جهة أخرى؟ وبعد سلسلة طويلة من التقسيمات والاعتراضات يصل إلى العبارة الشهيرة: «أن تكون الذات واحدةً من وجه، وأكثر من واحدة من وجه آخر»[٣]. وهذه الجملة قد تبدو صادمة إذا نُزعت من سياقها، لكنها لا تعني عنده أن الله «واحد وثلاثة» بالمعنى العددي نفسه. بالعكس، كل جهده قائم على منع هذا الخلط: الوحدة تتعلق بالذات الإلهيّة الواحدة، بينما التمييز الذي يريد إثبات إمكانه لا يحوّل هذه الذات إلى ثلاثة جواهر منفصلة.
وهنا تظهر أهمية البيئة الإسلاميّة التي يكتب فيها. "فالتوحيد" عند يحيى هو الكلمة المركزيّة في اللاهوت الإسلاميّ أيضًا. وقد بينت أولجا ليتسيني أن اختيار هذا العنوان وطريقة بناء البحث يكشفان تفاعلًا عميقًا بين الفلسفة واللاهوت في بغداد. يحيى لا يريد أن يقول للمسلم: «نحن لا نهتم بما تقصده بالتوحيد». بل يدخل إلى السؤال نفسه، ويقبل أن وحدانيّة الله هي نقطة البداية، ثم يناقش فلسفيًّا ما الذي تسمح به كلمة «واحد» وما الذي لا تسمح به[٤].
ولم يكن هذا تمرينًا نظريًّا بلا خصم حقيقي، فقبل يحيى بنحو قرن كان الفيلسوف المسلم "الكِنديّ" قد كتب نقدًا للثالوث. لم يصل كتاب الكندي إلينا مستقلًّا، لكن أجزاءً منه بقيت لأنّ يحيى اقتبسها فقرةً فقرة وهو يردّ عليها في رسالة ألّفها عام ٣٥٠هـ/٩٦١. كان اعتراض الكندي فلسفيًّا: إذا قال المسيحيون إن الله جوهر واحد وفيه ثلاثة أقانيم متميزة بخصائص، ألا يعني هذا أن في الله تركيبًا وكثرةً تناقض البساطة والوحدة؟ ويحيى لا يرد عليه بقائمة من آيات الإنجيل؛ إنه يناقشه "بأرسطو والمنطق والميتافيزيقا"، ويحاول أن يثبت أن بعض نتائج الكندي لا تلزم من مقدماته[٥].
ومن هنا تأتي واحدةٌ من أكثر محاولات يحيى إثارة للاهتمام. فهو يتحدث عن الله بوصفه "جوّادًا، حكيمًا، قادرًا"، ويربط الجود والحكمة والقدرة بطريقة لاهوتيّة بالآب والابن والروح القدس. وفي ردّه على الكندي يصف الإله الواحد بأنه «الجوهر الواحد بأنه جوادٌ حكيمٌ قادر»[٦]. ليس المقصود أن «الجود» كلمة أخرى للآب أو أن «الحكمة» تعريف كامل للابن، بل أن يحيى يحاول أن يجد في اللغة الفلسفيّة عن كمالات الله طريقًا لشرح كيف يمكن أن تكون هناك معانٍ متميزة حقيقيًّا من دون تقسيم الجوهر الإلهي إلى ثلاثة آلهة.
ولهذا لا ينبغي أن نحوّل «مقالة في التوحيد» إلى برهانٍ سهل من نوع: «الفلسفة أثبتت الثالوث». يحيى لا يستطيع بالعقل وحده أن يستخرج أسماء الآب والابن والروح القدس كما تُستخرج نتيجة مسألة حسابيّة. ما يفعله أدقّ وأهم: يحاول أن يبيّن أنّ "التوحيد المسيحي ليس تناقضًا منطقيًّا لمجرد اعترافه بتمييز الأقانيم". ولهذا يصف جوڤاني ماندولينو الكتاب بأنه مكان يلتقي فيه ثلاثة عوالم: الفلسفة، واللاهوت المسيحي، والإسلام. فالسؤال الإسلامي عن التوحيد يدفع اللاهوتي المسيحي إلى فحص أدواته الفلسفيّة، والفلسفة بدورها تعيد صياغة الطريقة التي يشرح بها عقيدته[٧].
والأب إميليو بلاتي الدومنيكانيّ كشف جانبًا آخر من هذا المشروع. ففي كتابه الكبير عن "لاهوت التجسّد عند يحيى بن عدي"، وفي تحقيقه لجدله ضد النسطوريّة وردوده على أبي عيسى الورّاق، يظهر أن يحيى استعمل الآلة المنطقيّة نفسها في سؤال آخر: كيف يمكن للكلمة الإلهي أن يتحد بالإنسان من غير أن تختلط الطبيعتان أو تتحولا إلى طبيعة ثالثة؟ والأهم أن خصومه هنا ليسوا مسلمين فقط. جزء كبير من جدله موجّه إلى مسيحيين من كنائس أخرى. لقد صارت العربيّة في القرن العاشر لغةً يستطيع بها المسيحي أن يناقش المسلم في التوحيد، ثم يستدير ليناقش مسيحيًّا آخر في التجسد والطبيعة والأقنوم[٨].
لهذا يمثّل يحيى بن عدي مرحلة أبعد كثيرًا من الدفاع البسيط عن العقيدة. السؤال عنده لم يعد: «ما العبارة التي أردّ بها على المسلم؟»، ولكن "ما الذي أعنيه أنا نفسي حين أقول إن الله واحد؟" وما معنى الجوهر والصفة والأقنوم؟ وهل لغتي عن الله متماسكة منطقيًّا؟ بهذا المعنى لم يكن الحوار مع الإسلام مجرد ضغط خارجي على اللاهوت المسيحي بقدر ما أصبح أحد العوامل التي دفعت المسيحيين العرب إلى تحليل لغتهم العقيديّة من الداخل.
لكن المفاجأة أن الرجل الذي قضى كل هذا الجهد في «الواحد» و«الثلاثة» كتب أيضًا كتابًا لا يدور حول المسيحيّة والإسلام، ولا حول الكندي أو الورّاق، ولا يكاد ينشغل بالجدل العقيديّ أصلًا. سأل فيه سؤالًا أقرب إلى حياتنا اليومية: ماذا نفعل بالغضب والشهوة والكبرياء والحسد؟ وهل يكفي أن نعرف الخير لكي نصبح صالحين؟
ذلك هو كتاب يحي بن عدي «تهذيب الأخلاق».
في الحلقة القادمة: يحيى والتجسد، كيف نفكر في اتّحاد الإلهيّ والإنسانيّ؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





