يحيى بن عَدي والتجسّد: كيف يتّحد الإلهيّ والإنسانيّ؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
بعد أن سأل يحيى بن عَدي في «مقالة في التوحيد» ماذا نعني أصلًا حين نقول إن الله «واحد»، انتقل في عدد كبير من كتاباته إلى السؤال المسيحيّ الشائك: إذا كان الله أزليًّا غير متغيّر، والإنسان مخلوقًا محدودًا، فكيف يستطيع المسيحيّ أن يقول إن كلمة الله صار إنسانًا؟ هل يعني التجسّد أن اللاهوت تحوّل إلى ناسوت؟ أم أن الطبيعتين اختلطتا فنتج منهما شيء ثالث؟ وإذا ظلّ الإلهيّ والإنسانيّ منفصلين تمامًا، فبأيّ معنى يكون المسيح واحدًا أصلًا؟
لم يكن هذا السؤال نظريًّا عند يحيى، فقد عاش في بغداد في القرن العاشر وسط جدل يأتيه من جهتين مختلفتين. كان مفكرون من خارج المسيحيّة يعترضون على إمكان التجسّد نفسه، وكان المسيحيّون يختلفون فيما بينهم حول تفسير اتحاد الإلهي والإنساني في المسيح. ويحيى، المنتمي إلى الكنيسة السريانيّة الأرثوذكسيّة، كتب رسائل كثيرة في «التأنّس» و«الاتحاد»، كما خاض مجادلة كبيرة مع من يسمّيهم نصه «النسطوريّة». وأستعمل هنا هذا الاسم بوصفه "تسمية الجدل في نصوص العصر"، لا بوصفه وصفًا محايدًا يكفي وحده لتلخيص لاهوت كنيسة المشرق. وقد نشر الأب إميليو بلاتي الدومنيكاني هذه المجادلة في أربعة مجلدات، ثم جعل لاهوت التجسد عند يحيى موضوع كتاب مستقل كامل[١].
وأجمل ما في طريقة يحيى أنه لا يبدأ دائمًا بالقول إنّ الإنجيل يقول إن الكلمة صار جسدًا، إذًا انتهى النقاش. فهو يريد أولًا أن يسأل: "هل في فكرة اتحاد الله بالإنسان استحالة عقلية؟" وفي إحدى مقالاته، التي عُرفت بعنوان «الكلام في إثبات إمكان التأنّس وإحالة امتناعه»، يبدأ من مفهوم فلسفي شديد البساطة: ما معنى أن يكون شيئان «ضدّين»؟ ويعرّف الضدين بقوله إنهما «المتقابلان اللّذان لا يمكن أن يوجدا معًا في موضوع واحد؛ إذ من شأن كلّ واحد منهما إفساد قرينه»[٢].
ثم يبني حجته خطوةً خطوة. إذا كانت النار تُفسِد شيئًا، أو كان وجود شيء يستلزم زوال الآخر، نستطيع أن نتحدث عن تضاد يمنع اجتماعهما على وجه بعينه. لكن هل علاقة الله بالإنسان من هذا النوع؟ هنا يضع يحيى مقدمة صغيرة لها نتيجة كبيرة: لا يمكن «أن يكون شيء من شأنه إفساد شيء آخر علّةً لوجوده». والله، في التصور المسيحي، هو علّة وجود الإنسان وخالقه؛ ومن ثم لا يمكن أن يكون الله والإنسان ضدين بالمعنى الذي يجعل اجتماعهما مستحيلًا في ذاته. فالخالق ليس قوة تناقض وجود المخلوق، لأن وجود المخلوق نفسه يأتي منه[٣].
هذه حجة غريبة قليلًا على أذن القارئ الحديث، لكنها تكشف لنا عقل يحيى الفلسفي. فهو لم يقل إنه أثبت بهذه المقدمات أن التجسد "وقع تاريخيًا"، ولم يستخرج قصة يسوع من قياسٍ أرسطي. ما يفعله أضيق وأدقّ في الوقت نفسه: يريد إسقاط الاعتراض القائل إن التجسد مستحيل من حيث المبدأ. فإذا لم يكن الإلهي والإنساني ضدين، فلا يستطيع المعترض أن يقول إن اتحادهما ممتنع فقط لاختلافهما. إنّ إثبات الإمكان يأتي أولًا، ثم يأتي الإيمان المسيحي ليقول إن هذا الإمكان تحقق في المسيح. وهذا بالضبط ما يجعل فلسفته لاهوتًا حقيقيًا وليست زخرفةً عقلية حول نصوص العقيدة.
لكن إثبات الإمكان لا يحل المشكلة كلها. فبأي معنى حدث "الاتحاد"؟
هنا يدخل يحيى في قلب الخلاف المسيحي الداخلي. بعض خصومه كانوا يتهمون مذهبه بأنه يجعل الاتحاد اختلاطًا أو امتزاجًا يفسد الطبيعتين، بينما كان هو يعترض على فهمٍ يرى الوحدة بين الإلهي والإنساني وحدةً ضعيفة أو عرضية، بحيث نبقى في النهاية أمام اثنين جُمِعا تحت اسم واحد. ولهذا ألّف نصًا يحمل عنوانًا دالًا جدًا: «مقالة في غلط من يقول إن المسيح واحد بالعرض»، كما كتب نصوصًا أخرى لإثبات أن «المسيح جوهر واحد» وللرد على مَن يقول إنه «جوهران»[٤].
و«الواحد بالعرض» تعبير فلسفي. يمكن أن يجتمع في شخص واحد وصفان لا يصنع اتحادهما حقيقة جديدة: الإنسان نفسه قد يكون طبيبًا وكاتبًا، لكن الطب والكتابة لا يتحدان ليكوّنا طبيعة ثالثة. ويحيى يرى أن وحدة المسيح لا يمكن أن تكون مجرد جمع خارجي من هذا النوع. ففي النص الذي نشره أوغستان بيرييه يضغط الحجة إلى نتيجتها: إذا كانت الحقيقة الواحدة التي نسمّيها «المسيح» مجرد عَرَض، لزم أن يكون المسيح نفسه عَرَضًا؛ وهذا عنده محال، لأن المسيح الذي تتحدث عنه العقيدة "موجود شخصي حقيقي"، لا وصف عابر قائم في شيئين مختلفين[٥].
لهذا كان يحيى شديد الحساسية تجاه الكلمات: «اتحاد»، «اختلاط»، «حلول»، «امتزاج»، «جوهر»، «طبيعة»، «أقنوم». فهي ليست مترادفات يستطيع الكاتب أن يستبدل بعضها ببعض. كل كلمة تقترح طريقة مختلفة لفهم ما حدث في المسيح. وإذا قلت إن اللاهوت تحوّل إلى ناسوت، فقد ألغيت ثبات الطبيعة الإلهية. وإذا قلت إن الاثنين امتزجا كما يمتزج سائلان، فقد صنعت شيئًا ثالثًا وضاعت حقيقة كل منهما. وإذا جعلتهما منفصلين لا يجمعهما إلا توافق الإرادة أو الاسم، أصبح من الصعب تفسير لماذا تقول الكنيسة إن "المسيح نفسه واحد". ولهذا كانت مسألة الاتحاد عنده مسألةً منطقية وميتافيزيقية بقدر ما كانت مسألة عقيدية. ويظهر هذا بوضوح في المجادلة الكبرى التي حققها الأب بلاتي الدومنيكانيّ، والتي تدور أقسام طويلة منها حول سؤال: هل المسيح جوهر واحد أم جوهران؟ وما نوع الوحدة التي تسمح لنا أن ننسب الأفعال والآلام إلى المسيح الواحد؟[٦]. وهذه النقطة الأخيرة تفتح مشكلة أشد حساسية: إذا كان المسيح واحدًا، فمَن الذي جاع وتألم ومات؟ هل يصح أن نقول إن «الله مات»؟ وإذا قلنا ذلك، فهل نكون قد جعلنا الطبيعة الإلهية قابلة للموت؟
قائمة مؤلفات يحيى نفسها تكشف مقدار انشغاله بهذه المشكلة. فقد كتب «ردًّا على ثلاثة سؤالات في تصديق القول بموت الإله»، و«جوابًا عن ترك الآباء لفظة مات في الأمانة الجامعة»، و«جوابًا عن سؤال قائل: أي شيء ولدت مريم؟»، وكتب في قول قانون الإيمان «وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء»[٧]. ومعنى ذلك أن التجسد عنده لم يكن نظرية مجردة عن «اتحاد طبيعتين»، بل كان مرتبطًا باللغة التي تستخدمها الكنيسة حين تتحدث عن الميلاد والألم والموت: كيف ننسب فعلًا إنسانيًا إلى المسيح الواحد من غير أن نقول إن الطبيعة الإلهية، من حيث هي إلهية، تحولت إلى طبيعة قابلة للجوع والموت؟
ويوجد في رسالة صغيرة له عن عبارة «وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء» مثال واضح على طريقته. يبدأ من العبارة الليتورجية التي يرددها المؤمن في قانون الإيمان، ثم يعود إلى نصوص الأناجيل لكي يحدد ماذا تعني الكنيسة حين تقول إن المسيح وُلد من مريم وإن الحبل به كان من الروح القدس.[٨] المهم هنا أن الفيلسوف الذي يستطيع أن يقضي صفحات في تحليل «الجوهر» و«العرض» يعود في النهاية إلى العبارة التي يقولها المسيحي العادي في الصلاة. فلسفته تحاول أن تجعل اللغة الإيمانية قابلة للفهم من غير أن تفرغها من مضمونها. والأكثر إثارة أن خصوم يحيى لم يكونوا مسلمين فقط. بلاتي اكتشف أن أحد أكبر مشروعات يحيى اللاهوتية كان "جدلًا مسيحيًا–مسيحيًا بالعربية". كتب رسالة إلى القاسم بن حبيب ليرد على الحجج التي ينسبها إلى النسطوريين، ثم دخلت الرسالة في سلسلة من الردود والمناقضات مع قرياقس بن زكريا الحراني وأحمد المصري. وعندما نشر بلاتي هذا الملف ظهر أمام الباحثين عالمٌ كامل من المسيحيين يتجادلون بالعربية حول المسيح، ويستخدمون المنطق الأرسطيّ ومفاهيم الجوهر والعَرَض والوحدة والكثرة لحسم خلافات ترجع جذورها إلى قرون أقدم من الإسلام[٩].
وهذه نقطة مهمّة جدًا في فهم التراث العربي المسيحي. فالعربية لم تصبح فقط لغة يقول بها المسيحي للمسلم: «دعني أشرح لك عقيدتي». لقد أصبحت أيضًا اللغة التي يفكر بها المسيحي في عقيدته "أمام مسيحيٍّ آخر". والنزاع الذي كان يُكتب في القرون السابقة باليونانية والسريانية انتقل الآن إلى العربية، ومع انتقاله تغير قاموسه وطريقة حججه. يستطيع يحيى أن يستدعي تقليده الكنسي، لكنه يستطيع أيضًا أن يقول لخصمه: حجتك لا تلزم منطقيًا، أو تعريفك للاتحاد غير صحيح، أو إن النتيجة التي استخرجتها لا تتبع من مقدماتك. ولا يعني ذلك أن يحيى «حوّل سر التجسد إلى معادلة فلسفية». لقد كان يدرك أن العقل لا يصنع الإيمان من الصفر. لكنّ الفلسفة تستطيع عنده القيام بعمل مهم: "تنقية السؤال". فهي يمكنها أن تميز بين «غير مفهوم بالكامل» و«متناقض»، وبين «اتحاد» و«اختلاط»، وبين «واحد بالحقيقة» و«واحد بالعرض». ومن هنا نفهم لماذا سمّى إميليو بلاتي كتابه عنه Yahyâ Ibn ʿAdî, théologien chrétien et philosophe arabe. فالفيلسوف واللاهوتي ليسا شخصين يتناوبان الكتابة ولكنّهما وجهان للعقل نفسه[١٠].
بعد هذه الحلقات الثلاث يبدو يحيى كأنه قضى حياته بين «الواحد والثلاثة»، و«الجوهر والطبيعة»، و«الإلهي والإنساني». لكنّ وجهًا آخر ينتظرنا، وربما هو الأقرب إلى القارئ اليوم. ففي كتاب «تهذيب الأخلاق» يترك تقريبًا كل هذه المجادلات جانبًا ويسأل: كيف نربي الشهوة والغضب؟ كيف تتحول الفضيلة من فكرة نعرفها إلى عادة نعيشها؟ ولماذا ينبغي لمحب الكمال أن يتعلم «محبة الناس أجمع»؟
في الحلقة القادمة: كيف يصبح الإنسان صالحًا؟ يحيى بن عدي و«تهذيب الأخلاق».
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





