القمص يوحنا نصيف
في حديث معلّمنا بولس الرسول عن الخدمة، أشار إلى أنّه كان كبنّاءٍ حكيم يبني بناء الله (1كو3).. فالخادم الحقيقي يعمل لحساب بنيان ملكوت الله، والحكمة مَطْلب أساسيّ في عمليّة البناء..
 
كما أشار ربنا يسوع أيضًا عن الخادم الناجح "مَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى عبيدهِ لِيُعْطِيَهُمُ طعامهم فِي حِينِه؟ طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا.." (لو12: 42-43).. هكذا كان أبونا الحبيب القمص إسحق خادمًا أمينًا حكيمًا، يسهر على بنيان وخدمة كلّ نفس وضعها الله في طريقه.
 
منطقة شيكاجو في أواخر الثمانينات، كانت تمرّ بظروف صعبة، وتحتاج إلى راعٍ حكيم يبني من جديد بهدوء وثبات..  وكان الراعي الذي أرسلته عناية الله هو أبونا إسحق ومعه زوجته المباركة تاسوني نادية، ووقتها كان قد جاوز الخامسة والستين من عمره، ولكنّ روحه كانت شابّة، وحماسه في الخدمة بلا حدود.. فبدأ يجمع شتات المتفرّقين ويفتقد البعيدين، وبنى كنيسة السيّدة العذراء عضوًا عضوًا، قبل أن يبني بعد ذلك مبنى الكنيسة الرائع الذي يشهد الجميع بجماله من الداخل والخارج.
 
 لم يهتمّ أبونا إسحق بالنظر في المشاكل السابقة وملابساتها، بل بدأ يبني من جديد، في مكان جديد وبروح جديدة.. وكان صاحب عقليّة جبّارة وذكاء حادّ جدًّا، يَفهم مَن أمامه بسرعة، ويستطيع أن يتعامل مع كلّ واحد بلغته.. واستخدم هذا في اجتذاب نفوس كثيرة للكنيسة وللخدمة، سواء من جيل الكبار أو من الجيل الجديد الذي يتحدّث فقط بالإنجليزيّة.
 
كان يُحب أن يُتقِن كلّ شيء، ولديه لمسة فنّيّة في كلّ ما يعمل، لذلك كان ناجحًا في كلّ المجالات التي خاض فيها سواء في حياته كخادم ومهندس قبل السيامة الكهنوتيّة أو في خدمته ككاهن.. كما كان يتميّز بتقديم اللمسة الشخصيّة لكلّ إنسان؛ يَحفظ كلَّ واحد باسمه، وأحيانًا كثيرة يحفظ رقم تليفونه، ويبدو أنّ هذا جاء من كثرة الاتصال بالناس والسؤال عنهم!
 
كان يتابع بعينيه كلّ الحاضرين في الكنيسة أثناء القدّاس، ويسجّلهم في ذاكرته، ثمّ يؤكِّد هذا التسجيل أثناء توزيع لقمة البركة.. وعند عودته في المنزل يضع علامةً على أسماء الذين حضروا في كشف كبير أعدّه لكلّ شعب الكنيسة، ثم يبدأ في الاتصال بجميع الذين غابوا، وأحيانًا كثيرة يذهب لافتقادهم في نفس الأسبوع.. وبهذه الطريقة أسَر قلوب الكثيرين، وساعدهم على تقديس يوم الربّ والانتظام في حضور القدّاس والتناول من الأسرار المقدّسة.
 
كان أبونا إسحق يفهم المعنى الحقيقي للخدمة والرعاية.. كان يُدرك أنّها إنكار للذات وحمل للصليب، مع بذل وعطاء مستمرّ.. لذلك كان لا يشكو من أحد على الرغم من المتاعب التي واجهها، بل احتمل الكثير بصبر وشُكر وإيمان وقلب متّسع.. وكان حريصًا على خلاص كلّ نفس، ولديه استعداد للتضحية من أجل الجميع، والصبر على كلّ أحد.. كما كان أيضًا يجيد فنون الإدارة، فيعرف إمكانيّات كلّ شخص، ثم يضع الشخص المناسب في الموقع المناسب بطريقة ذكيّة ومُقنِعة.. وفوق كلّ هذا كان يتميّز بروح أبوّة حقيقيّة للكلّ، فكان أبًا قويًّا وحنونًا في ذات الوقت!
 
كان مدقِّقًا جدًّا في حياته.. يتكلّم قليلاً، وينتقي كلماته بعناية.. يَحسِب ردود الأفعال، ولا يترك فرصة لتقديم المحبّة إلاّ ويستثمرها.. يُشَجّع ويداعِب ويُنَبِّه بلُطفٍ ولباقة..
 
 كان حتّى وقت قريب من نياحته -وقبل مرضه الأخير- يكتب مذكّراتٍ يوميّة لكلّ الزيارات والأحداث التي يمرّ بها.. كما اهتمّ طوال مدّة خدمته بإصدار نشرة دوريّة يسجل فيها بعض تأمّلات بسيطة مع أخبار الكنيسة بكلّ تدقيق، وتُعتَبَر أعداد هذه النشرة سِجِلاًّ أمينا وشاملاً لتاريخ كنيسة العذراء بشيكاجو منذ نشأتها وحضوره عام 1988م، وحتّى نياحته في 2012م.
 
كان له علاقة خاصّة قديمة بأمّنا العذراء، إذ كانت قد عملت معه معجزة عجيبة في شبابه، فكان يحبّها ويحبّ كنيستها في شيكاجو حُبًّا هائلاً، خاصّةً وهي الكنيسة التي تعب في إنشائها وتجميلها ورعايتها لسنوات طويلة. وعندما سمَح الله لي أن أخدم معه في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته، كان في منتهى الفرح أنّني أتيتُ لأساعده، وكان يردّد شاكرًا "إحنا ربّنا أكرمنا"، فكان يشجّعني ويقدِّمني عليه في أمور كثيرة، ويقدّم لي العديد من النصائح والتوجيهات الجميلة، ويوصيني كثيرًا على الكنيسة.
 
نستطيع أن نقول عن أبينا الحبيب القمص إسحق كما قيل عن داود النبي، أنّه خدم جيله بمشورة الله، ثمّ رقد وانظمّ إلى آبائه (أع13: 36).. الربّ ينيّح روحه الطاهرة في فردوس النعيم، ويكافئه نظير أتعابه في بناء الملكوت، ويقبل صلواته عنا. آمين.