يحيى بن عدي و«تهذيب الأخلاق»: كيف يصبح الإنسان أفضل؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
بعد ثلاث حلقات رأينا فيها يحيى بن عَدي يناقش المنطق والتوحيد والثالوث والتجسّد، قد نتصوّر أن حياته الفكرية دارت كلها حول المسائل اللاهوتية الكبرى. لكنّ واحدًا من أشهر كتبه لا يبدأ بالله ولا بالثالوث ولا بالمسيح، ولا يردّ فيه على مسلم أو على مسيحي من كنيسة أخرى.
 
يبدأ من الإنسان نفسه، بهذه العبارة اليسيرة: «اعلم أنّ الإنسان، من بين سائر الحيوان، ذو فكرٍ وتمييز»[١].
 
ومن هذه الجملة يبني يحيى كتابه «تهذيب الأخلاق»: إذا كان ما يميّز الإنسان هو قدرته على التفكير والتمييز، فالمشكلة الأخلاقيّة تبدأ عندما يعيش بطريقةٍ تجعل الشهوة أو الغضب يقودانه بدل العقل. 
 
لا يريد يحيى أن يلغي الشهوة أو الغضب. فالإنسان يحتاج إلى الطعام والشراب واللذة، ويحتاج كذلك إلى القوّة التي يدافع بها عن نفسه ويواجه الخطر. لكنّ هذه القوى يمكن أن تنقلب على صاحبها.
 
فيتحدّث عن «النفس الشهوانية» التي، إذا تُركت بلا تهذيب، يصبح الإنسان تابعًا لما يريده الجسد، وعن «النفس الغضوب» التي تحمل معها الغضب ومحبة الغلبة والانتقام. ثم تأتي «النفس الناطقة» أو العاقلة، وهي ما يختص به الإنسان ويستطيع به أن يزن رغباته وأن يقرر ماذا يفعل. المشكلة إذًا ليست أن للإنسان رغبات، بل أن يصبح عبدًا لها. ولذلك يقول عن النفس الشهوانية إنه ينبغي للإنسان أن «يؤدّبها ويهذّبها» حتى يكون هو مالكًا لها لا هي مالكةً له.[٢].
 
ومن هنا نفهم معنى عنوان الكتاب. «تهذيب الأخلاق» لا يعني أن يقرأ الإنسان قائمة بالفضائل فيعرف أن الكرم حسن والبخل قبيح، ثم يكون قد صار فاضلًا. يحيى يعرف أن الإنسان قد يعرف الصواب ثم يفعل عكسه. ولذلك الأخلاق عنده نوع من "رياضة النفس": ما نكرره يتحول شيئًا فشيئًا إلى عادة، والعادة تصبح جزءًا من الشخصية.
 
قد يكون الإنسان في أول الأمر مضطرًا إلى مقاومة غضبه كل مرة، لكنه إذا تعوّد الحلم صار ضبط النفس أسهل. وقد يجد البخيل العطاء شاقًا، لكن ممارسة السخاء تربي فيه خلقًا جديدًا. ولهذا يفتتح مشروعه بالقول إن من كمال الإنسان «أن يكون مرتاضًا بمكارم الأخلاق ومحاسنها»[٣].
 
وهنا يصبح الكتاب عمليًا جدًا. فيصف بن عدي الإنسان الذي يفقد عقله حين يغضب حتى يصبح قريبًا من الحيوان الذي يتحرك بلا روية. ويطلب من «محب الكمال» أن يتذكر، حين يهينه شخص غاضب، أن مقابلة الغضب بالغضب ليست دائمًا انتصارًا؛ فقد يكون ضبط النفس هو الانتصار الحقيقي. ويضرب مثالًا طريفًا: الإنسان العاقل لا يرد على كلب لأنه نبح عليه، ولا ينتقم من بهيمة لأنها آذته كما لو كانت قد خططت للإساءة إليه. الفكرة ليست إهانة الغاضب، بل تدريب النفس على ألا تجعل انفعال الآخر يحدد سلوكها هي أيضًا[٤]. 
 
ولكن هل يستطيع الإنسان فعلًا أن يتغير؟ هنا يبتعد يحيى عن النظرة التي تجعل الأخلاق قدرًا ثابتًا:
هذا وُلد كريمًا، وذاك بخيلًا ولن يتغير. بعض الطباع قد تكون أقوى في شخص من غيره، لكن التربية والاعتياد والممارسة تستطيع أن تغيّر السلوك.
 
ولهذا ينصح طالب الفضيلة بأن يراقب نفسه باستمرار، ويقرأ كتب الأخلاق والسير، ويخالط أهل العلم والفضل، ويتجنب الصحبة التي تقوّي فيه أسوأ عاداته. ليس الإنسان جزيرة أخلاقية منفردة؛ نحن نلتقط شيئًا من أخلاق الذين نصاحبهم. وقد فهم سيدني جريفيث «تهذيب الأخلاق» في هذا الإطار، بوصفه تعبيرًا عن «الحياة الفلسفية» في بغداد القرن العاشر: الفلسفة هنا ليست معرفة نظريات، بل محاولة لأن يعيش الإنسان وفق ما عرفه من الخير[٥].
 
ثم يرسم يحيى صورة ما يسمّيه «الإنسان التامّ». لا يعني بذلك شخصًا لا يخطئ أبدًا، بل الغاية القصوى التي ينبغي للإنسان أن يسير نحوها. ويعرّفه بعبارة شديدة الاختصار: «الذي لم تفُته فضيلة، ولم تَشِنْه رذيلة»[٦].
 
ويعترف مباشرة بأن هذا المستوى نادر جدًا، حتى إن من يبلغه «كان بالملائكة أشبه منه بالناس». لكن استحالة بلوغ الكمال بسهولة لا تعني ترك السعي إليه.
 
فالإنسان التام عنده يظل يفحص نفسه، ولا يكتفي بما اكتسب من علم أو فضيلة، ويطلب العدل والإنصاف، ويضبط شهواته، ولا يجعل المال غاية، ويعين المحتاج، ويتواضع، ويواصل طلب العلم. واللافت أن العلم نفسه يدخل عند يحيى في الأخلاق.
 
فالعالم الذي يعرف أشياء كثيرة لكنه متكبر أو حسود أو ظالم لم يصل إلى غاية الحكمة. والإنسان الكامل لا يقرأ العلوم ليقال عنه إنه عالم، بل لأن معرفة حقائق الأشياء وأسبابها تعوّد العقل أن يطلب الحقيقة وأن يتحرر من أسر الهوى. ولهذا كان مشروع يحيى الأخلاقي امتدادًا طبيعيًا لفلسفته: المنطق يعلّمك ألا تخدع نفسك في التفكير، والأخلاق ينبغي أن تعلّمك ألا تخدع نفسك في الحياة.
 
وهذه هي خلفية ما يسميه جريفيث «الحياة الفلسفية» عند يحيى: الحكمة ليست ما يوجد في الرأس فقط، بل الطريقة التي يعيش بها صاحبها.[٧] 
 
لكن أجمل ما في الكتاب يأتي قرب نهايته. فبعد حديث طويل عن الشهوة والغضب والفضائل والرذائل، يصل يحيى إلى علاقة الإنسان بالآخرين. هنا يكتب واحدة من أجمل عباراته: «ينبغي لمحب الكمال أيضًا أن يعوّد نفسه محبة الناس أجمع»[٨]. هنا يبني يحيى فكرته على فلسفته في الإنسان: الناس كثيرون بالأشخاص، لكن الذي يجعلهم بشرًا واحد هو أنهم يشتركون في الإنسانية وفي النفس العاقلة. ولذلك يقول إن الناس «قبيل واحد» تجمعهم الإنسانية، ثم يستنتج أن الفاضل ينبغي أن يحبهم ويرأف بهم.  ويذهب أبعد من ذلك. إذا كان الإنسان الآخر فاضلًا، فهو يستحق المحبة لفضيلته؛ وإذا كان ناقصًا، فنقصه ليس مبررًا للكراهية، بل سببًا للرأفة به.
 
بل يقول إن الإنسان، إذا ضبط غضبه وانقاد لعقله، صار الناس عنده «أحبابًا وإخوانًا». وهذا مهم إذا تذكرنا مَن يكتب: مسيحي سرياني عاش وسط مجتمع مسلم، وجادل المسلمين في الثالوث والتجسد، وخاض في الوقت نفسه صراعات لاهوتية قاسية مع مسيحيين آخرين. ومع ذلك لا ينتهي كتابه الأخلاقي إلى «أحب أهل مذهبي»، بل إلى "محبة الناس جميعًا لأن الإنسانية تجمعهم".
 
وهنا يظهر جانب آخر من التراث العربي المسيحي. «تهذيب الأخلاق» ليس كتابًا دفاعيًا عن المسيحية، ولا يبني حجته على سلسلة من الاستشهادات الكتابية. ولذلك استطاع أن يعيش داخل الثقافة العربية الأوسع، وأن يقرأه مسلمون ومسيحيون بوصفه كتابًا في تكوين الإنسان. وقد نُسب الكتاب في بعض مراحل انتقاله إلى أسماء أخرى، من بينها الجاحظ ومحيي الدين بن عربي، قبل أن يدرس الأب سمير خليل سمير اليسوعي مخطوطاته ونِسَبه ويؤكد من جديد نسبته إلى يحيى بن عدي.
 
ونشر الأب سمير نصه العربي في طبعة عام ١٩٩٤، بينما نشر سيدني جريفيث عام ٢٠٠٢ النص العربي مع ترجمة إنجليزية كاملة[٩]. ولعل في هذا التاريخ نفسه شيئًا دالًا. وصل كتاب في الأخلاق ألّفه مسيحي عربي في بغداد إلى قراء بعد قرون، أحيانًا من دون أن يعرفوا أصلًا أن صاحبه مسيحي، لأن السؤال الذي طرحه كان أوسع من حدود جماعته: كيف يصير الإنسان أفضل؟ 
 
وهنا تبلغ رحلة يحيى بن عدي في هذه السلسلة نهايتها الطبيعية. بدأنا به فيلسوفًا يشرح المنطق بالعربية، ثم رأيناه يسأل كيف يكون الله واحدًا وثالوثًا، وكيف يمكن أن يتحد الإلهي والإنساني في المسيح، وننتهي به أمام الإنسان نفسه: كيف يضبط شهوته وغضبه، وكيف يتعلم الفضيلة، وكيف يرى في الآخر إنسانًا قبل أن يراه خصمًا. لهذا ربما يكون «تهذيب الأخلاق» خير خاتمة لرباعية يحيى بن عدي. فقد كان مسيحيًا في عقيدته، أرسطيًا في كثير من أدواته، عربيًا في لغته، بغداديًا في عالمه الفكري، لكنه حين سأل عن الأخلاق كتب كلامًا أراده للإنسان بما هو إنسان.
 
وفي الحلقة القادمة نترك يحيى بن عدي لنفتح بابًا آخر من هذه المكتبة: أيُّ كتاب مقدّس عربي؟ ولماذا لم توجد يومًا «ترجمة عربيّة واحدة» للكتاب المقدّس؟