الذاكرة والخوف والخلاص الكاذب 

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
قد يكون من السهل قراءة «خمّارة القط الأسود» لنجيب محفوظ بوصفها قصة سياسية عن القمع والخوف في مصر الستينيات، ولا سيما أنها ظهرت عام ١٩٦٩ في مناخ مثقل بالهزيمة وأسئلة السلطة والعجز والحرية. وهذه الخلفية مهمة، لكنها لا تستنفد النص. فإذا جعلنا الرجل الغريب صورة مباشرة للسلطة، والخمّارة صورة للمجتمع، وروادها صورة للشعب، حوّلنا القصة إلى شفرة سياسية وفقدنا جانبًا من كثافتها الإنسانية. فمحفوظ يبني عالمًا تتشابك فيه الحرية بالخوف، والذاكرة بالنسيان، والحكاية بالهوية، حتى يصبح السؤال الأعمق: ماذا يحدث للإنسان حين يجد طريقة تجعله سعيدًا داخل الحصار؟

وتساعدنا جماليّات عالم اللاهوت السويسريّ هانس أورس فون بلتزار، فهو يدعونا إلى استقبال العمل في «صورته» الكلّيّة، Gestalt، حيث يتكون المعنى من المكان والشخصيات والإيقاع وحركة الأحداث بقدر ما يتكون من الأفكار المعلنة. ولهذا تبدأ القراءة من الخمّارة نفسها: «حُجرة مربعة تقوم في أسفل عمارة عتيقة بالية»، جوها «مدفون»، ولها «نافذة وحيدة من خلال قضبان حديدية».  قبل ظهور الرجل المخيف، تكون القضبان موجودة بالفعل. المكان الذي يراه رواده فضاءً للحميمية والراحة يحمل منذ البداية هيئة السجن. والزبائن أنفسهم يصفون ما يبحثون عنه بلغة النسيان: ينسون «كثرة العيال وقلة المال»، ثم «الحر والذباب»، وأخيرًا «أنه يوجد عالم خارج القضبان».  ومع الشراب «تصفو نفوسهم»، و«يتحررون من التعصب والخوف»، و«يتطهرون من أشباح المرض والكبر والموت».  تبدو الخمّارة وكأنها تمنحهم خلاصًا مؤقتًا: أخوّة وفرحًا وتحررًا من الخوف. غير أن شيئًا في الواقع لا يتغير؛ الفقر باقٍ، والقضبان باقية. الذي يتغير هو وعيهم بها.

من هنا يظهر السؤال اللاهوتيّ الأول: ما الفرق بين التحرّر وبين نسيان الأسر؟ ففي «الثيودراما» عند بلتزار لا تُفهم الحرية باعتبارها شعورًا داخليًا فقط، وإنما بوصفها فعلًا داخل عالم تلتقي فيه الحريات وتتعارض. وهذا ما سيكشفه دخول الرجل الغريب. فهو يظهر في «الباب»، أي في المنفذ الوحيد بين الداخل والخارج. لا يصنع السجن من العدم؛ البنية قائمة قبله، وهو يحولها إلى سلطة فعلية حين يقول للزبائن: «لن يغادر المكان أحد».  ومحفوظ لا يرسم طاغية أحادي البعد، فالرجل قوي وعنيف، ومع ذلك يكتب الراوي: «الرجل مخيف حقًّا، ولعله خائف أيضًا».  السلطة هنا قد تكون هي نفسها ابنة الخوف. وهو لا يحتجز الرجال بسبب فعل ارتكبوه، وإنما لأنه يعتقد أنهم عرفوا «الحكاية». يصر على أنهم سمعوها، ويتهمهم بأنهم سيستغلونها، ثم يقول: «مَن منكم بلا حكاية يا جبناء!» 

بهذه العبارة تتحول «الحكاية» إلى مركز خفي للنص. لا نعرف مضمونها، لكن الرجل يخشاها، والآخرون يعاقبون لمجرد احتمال معرفتهم بها. وهنا يصبح يوهان بابتيست متس مفيدًا؛ فقد جعل الذاكرة والسرد والتضامن عناصر أساسية في لاهوته السياسي، لأن معاناة الضحايا لا تبقى قوة نقدية في التاريخ إلا إذا أنقذتها الذاكرة من المحو ومنحتها الحكاية صوتًا. السلطة لا تخشى الفعل وحده؛ تخشى أيضًا أن تُروى عنها حكاية. غير أن رواد الخمّارة لا يتحولون إلى شهود. حين يعجزون عن مقاومة الرجل يقترح أحدهم: «لننسَ إلى حين الباب، ولنر ما يكون».  وهنا يعود النسيان الذي ظهر في بداية القصة، لكنه يصبح أشد خطورة. في البداية كانوا ينسون العالم خارج القضبان؛ الآن ينسون الباب نفسه. يستأنفون الشراب حتى «تجاهلوا الباب، نسوا وجوده نسيانًا تامًا». تلك هي صورة الخلاص الكاذب في القصة: أن يختفي الإحساس بالقيد من غير أن يختفي القيد. لم تعد السلطة محتاجة إلى منعهم من الخروج؛ يكفي أن يفقدوا الرغبة الواعية في التفكير في الباب.

ثم يقول محفوظ بسخرية: «وحدثت معجزة». والمعجزة أن الذاكرة نفسها تنهار: «تقهقر الحاضر حتى ذاب في مد النسيان، وتحللت الذاكرة فنفضت من خلاياها كل مكنوزها».  يسأل أحدهم: «ولكن أين نحن؟»، فيجيبه آخر: «خبرني مَن نكون، أخبرك أين نحن».  وهنا نقترب من بول ريكور: معرفة الإنسان بذاته مرتبطة بقدرته على وصل الماضي بالحاضر داخل حكاية يستطيع أن يتعرف إلى نفسه فيها. فإذا انهارت الذاكرة لم يضع الماضي وحده؛ اضطربت الهوية نفسها. ومع ذلك لا تختفي الرغبة في الحقيقة. يمسك السكارى بالقط الأسود بوصفه «الخيط الذي سيوصلنا إلى الحقيقة»، ثم يقررون أنه «كان إلهًا على عهد أجدادنا» وأنه «كان في الأصل إلهًا ثم انسخط قطًا».  لا يلزم أن نجعل ذلك حكمًا من محفوظ على الدين. الأهم هو الآلية: حين تضيع الذاكرة لا يختفي طلب المعنى، بل قد ينشئ الإنسان حكاية بديلة تملأ الفراغ. وهكذا يزداد يقينهم بأنهم يقتربون من الحقيقة في اللحظة التي يبتعدون فيها عنها.

ثم يقلب محفوظ الأدوار. يسمعون الجرسون يهدد شخصًا: «اصح يا كسلان وإلا هشمت رأسك»، فيظهر «رجل ضخم محني الهامة من الانكسار»، يجمع الأقداح والقمامة وقد «اغرورقت عيناه بالدموع».  إنه الرجل نفسه الذي كان يهددهم قبل قليل بتهشيم رؤوسهم. تبدلت المواقع وبقي منطق العنف. وحيئذ تضيء «الثيودراما» عند بلتزار النهاية مرة أخرى، فالإنسان يظهر من خلال دوره، لكن الدور لا يستنفد الشخص. الرجل الذي بدا في البداية تجسدًا للقوة يظهر الآن خاضعًا ومكسورًا. والسيد في مشهد يصير تابعًا في مشهد آخر. بذلك لا يقسم محفوظ العالم إلى جلادين وضحايا ثابتين؛ إنه يكشف بنية عنف تستطيع أن تعيد توزيع الأدوار من غير أن تزول.

الأشد قسوة أن الزبائن لا يتعرفون إليه. ملابسه نفسها حاضرة، لكن الكهل لا يستطيع إلا أن يسأل: «متى وأين رأيت هذا الرجل؟!»  إنهم يرونه «برثاء وإشفاق» ويسألون: «ما الحكاية؟»، لكنهم فقدوا القدرة على تذكر الحكاية التي تفسر دموعه.  وهنا يظهر معنى متس بوضوح: الشفقة التي تنفصل عن الذاكرة قد تبقى عاطفة عاجزة. نرى الضحية، لكننا لا نعرف ما الذي صنعها ضحية، فينقطع الألم عن تاريخه وعن المسؤولية. من هذا المنطلق لا يكون السؤال اللاهوتي: مَن يمثل الله في القصة؟ فمثل هذا المسار يسطحها سريعًا. الأخصب أن نسأل ماذا تكشف القصة للاهوت عن الحرية والخلاص والذاكرة. إنها تكشف أولًا أن الخلاص لا يمكن أن يكون نسيانًا. فالرجاء المسيحي لا يقوم على محو الجرح من الوعي؛ حتى القيامة لا تمحو جراح المصلوب. ولهذا جعل متس memoria passionis، ذكرى الآلام، في قلب لاهوته: مستقبل الخلاص لا يمكن أن يُبنى على نسيان الذين تألموا. وتكشف ثانيًا أن الشعور بالحرية لا يساوي الحرية نفسها. يستطيع هؤلاء الرجال أن ينسوا القضبان، ثم ينسوا الباب، ويغنوا داخل الأسر؛ لكن قدرتهم على الخروج لم تتغير. كما تكشف أن سقوط صاحب السلطة لا يعني سقوط منطقها: الرجل الذي هدد صار مهددًا، فتغير الممثل وبقي الدور.

لكن الذاكرة هي الخيط الذي يجمع كل شيء. تبدأ القصة بحكاية يخشى الرجل أن يعرفها الآخرون، وتنتهي برجال يريدون معرفة الحكاية بعدما فقدوها. وبين الطرفين يتحول النسيان من وسيلة للراحة إلى قوة تفكك الهوية نفسها. لهذا تبدو العبارة «مَن منكم بلا حكاية؟» مفتاحًا للعمل كله. كل واحد له حكاية: الرجل، والسكارى، والضحايا، والسلطة. والمأساة ليست أن يكون الإنسان بلا حكاية، وإنما أن تكون له حكاية ثم يفقد القدرة على تذكرها. عندئذ قد يشفق ولا يعرف لماذا، ويبحث عن الحقيقة فيصنع مكانها أسطورة، ويعيش خلف القضبان ثم ينسى أن ثمة بابًا. وهنا تستطيع «خمّارة القط الأسود» أن تخاطب اللاهوت من غير أن تتحول إلى نص لاهوتي. فهي تسأله: ماذا يعني الخلاص إذا لم يكن هروبًا من الذاكرة؟ وما الحرية إذا لم تكن مجرد راحة نفسية داخل الأسر؟ وما قيمة الشفقة إذا انفصلت عن تذكر الضحايا؟ فالقراءة اللاهوتية الخصبة لا تأتي إلى محفوظ لكي تجد فيه إجابات تعرفها سلفًا، وإنما تسمح للرواية بأن تجعل السؤال اللاهوتي نفسه أكثر عمقًا.

لعلي أختم بالقول إنّ سؤال القصة الأخير هو سؤالها الأول نفسه: «ما الحكاية؟»
فإن بداية التحرر قد تكون أن نستطيع أن نتذكر الحكاية.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ