القمص يوحنا نصيف
تمرّ الأيّام بسرعة شديدة، وها نحن نعيّد بالتذكار السادس لانتقال أبينا الحبيب القمص لوقا سيداروس إلى الأخدار السمائيّة. والحقيقة أنّ أبانا لوقا كان صاحب فضل كبير على جيلنا، بقدوته وتعاليمه الأصيلة التي تربّينا عليها.
يُسعِدني في هذا المقال أن أستدعي من ذاكرتي أحد التعاليم الروحيّة الخالدة التي غرسها فينا أبونا الحبيب، وأتحدّث عن فكرة جميلة كان أبونا لوقا يكرّرها كثيرًا ويؤكِّد عليها في تعليمه، وهي فكرة "تقديس الطِّباع".
ملخّص الفكرة أنّ القداسة ليست محصورة في فئة معيّنة ذات صفات وطباع خاصّة، بل القداسة متاحة لجميع أطياف الناس بمختلف طبائعهم ومواهبهم وضعفاتهم أيضًا!
ربّما التقط أبونا لوقا هذا الفكر من حياة أبينا القدّيس القمّص بيشوي كامل؛ الذي كان لا يعظ بهذا فقط بل يطبّقه أيضًا في خدمته وتعاملاته مع كافّة أنواع الخُدّام الذين حوله، فكان يفتح الباب للجميع ويشجّع كلّ النوعيّات على المشاركة في الخدمة، ويحترم كافّة المواهب.. وهذا ما رأيناه في الخُدّام والخادمات الذين كانوا يخدمون معه في تلك الحقبة من الزمن؛ فقد كانوا مختلفين جدًّا في نوعيّات شخصيّاتهم ومواهبهم، ولكنّهم جميعًا ارتبطوا بمحبّة قويّة جدًّا للمسيح والكنيسة، واستغنوا بعمل الروح القدس، فصاروا مثمرين بنعمة الله، كلّ واحد في مجاله.
لعلّنا نلاحظ أنّ شخصيّة أبينا بيشوي تختلف كثيرًا عن شخصيّة أبينا تادرس، ويختلف عنهما أيضًا أبونا لوقا، ثمّ أبونا متّى، ثمّ أبونا ميخائيل، ثمّ أبونا جرجس.. ولكنّنا في نفس الوقت نرى أنّهم جميعًا كانوا متقدّسين للمسيح، يخدمونه في روحٍ واحد بالمحبّة، من خلال مواهبهم المتعدّدة.
لقد كانت في شخصيّاتهم بالتأكيد بعض الضعفات، بعضها ظاهر للناس وبعضها غير ظاهر، إلاّ أنّهم كانوا جميعًا يجاهدون بنفس واحدة لتأدية رسالتهم، بمعونة الروح القدس المؤازر لهم.
إنّنا -في الواقع- نتقابل مع نوعيّات كثيرة من البشر؛ البعض هادئ الطباع ورقيق، والبعض حادّ الطباع وخشن.. البعض عنيف ومندفع، والبعض لطيف وصبور.. البعض يتكلّم كثيرًا ويعلّق على كلّ الأمور بتعليقات بعضها لاذع، والبعض قليل الكلام ويحفظ انطباعاته مُصَلِّيًا في داخله.. البعض متعصّب ومنغلق على ما لديه من معرفة، والبعض متفتّح ومستعد للتعلُّم والسعي المستمرّ نحو المعرفة.. البعض له أسلوب محدّد في تعاملاته لا يغيّره، والبعض يكيّف نفسه مع الآخَرين ويستخدم أساليب متعدّدة للتواصُل.. البعض بسيط وصريح ومُباشِر، والبعض عميق ودبلوماسي ويستخدم طُرُقًا غير مباشرة في توصيل رسائله.. ولكن العجيب في كلّ هذا، أنّ الله مستعد أن يقدّس جميع هذه الطباع ويهذّبها ويعمل فيها وبها، ويصنع من أصحابها قدّيسين!
لقد كان أبونا لوقا يؤكّد لنا دائمًا أنّه لا يوجد إنسان وُلِدَ قدّيسًا هكذا من بطن أمّه، ولكن عندما يجتهد الإنسان بأمانة ويطلب معونة الروح القدس في الصلاة، ويتوسَّل له من أجل قيادة حياته، فإنّ الروح يعمل فيه بقوّة ويغنيه بالنعمة ويُصَيّره قديسًا. أمّا الذي يتكاسل ويترك أهواءه تتحكّم فيه، ولا يعطي الفرصة للروح القدس أن يعمل في حياته، فعلى الرغم من وجود إمكانيّات التقديس لديه، فستصير حياته مثل صحراء جرداء، مُقفِرة من ثمار الروح القدس!
كما كان أبونا لوقا يؤكِّد لنا دائمًا أنّ الروح الذي عمل قديمًا في مار جرجس وأنبا أنطونيوس هو نفس الروح الذي يعمل فينا الآن، وهو القادر أن يقدّس طباعنا، ويصيّرنا قدّيسين مثلهم.. ولذلك لم تكن تخلو أيّ عظة من عظاته من إشارة ولو بسيطة عن أهميّة مخدع الصلاة، القادر أن يصنع مِنّا قدّيسين!
إنّ هذا الكلام يشجّعنا جدًّا، ويعطينا رجاءً عظيمًا أن نكون جميعًا قدّيسين، وليس أقلّ من ذلك، مهما كانت نوعيّة شخصيّاتنا. علينا فقط أن نضع نفوسنا باستمرار بين يديّ الروح القدس، مواظبين على الصلاة ومتلذّذين بها، ومُنصتين لصوت وإرشادات الروح من خلال الشبع المستمرّ بالكلمة الإلهيّة.. فهذا هو الطريق لتقديس طباعنا، وتحويل نقاط الضعف فينا إلى نقاط قوّة وبركة، وهكذا يتمجّد اسم الله العظيم القدّوس.
بركة صلوات أبينا الحبيب المتنيّح القمّص لوقا سيداروس تكون معنا جميعًا. آمين.
القمص يوحنا نصيف
26 أغسطس 2026م





