القدّيس غريغوريوس النيسّيّ (١ /٣)
هل للكمال نهاية؟ الله غير المحدود والإنسان الذي لا يتوقّف عن التقدّم


الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
بعد كليمندس السكندريّ وماريوس ڤيكتورينوس نصل إلى واحدٍ من أكثر المفكّرين المسيحيّين أصالةً في القرن الرابع الميلاديّ: القدّيس غريغوريوس النيسّيّ، أسقف نيسّا في كبادوكية، الذي عاش نحو عام ٣٣٥ إلى ما بعد عام ٣٩٤. كان شقيق القديس باسيليوس الكبير ومكرينا، وتكوّن في البيئة نفسها التي صنعت اللاهوت الكبادوكي، لكنه امتلك مزاجًا فلسفيًّا خاصًّا به. ففي كتاباته يتحوّل سؤال معرفة الله إلى سؤال عن طبيعة الإنسان نفسه: ماذا يحدث لكائنٍ محدود حين تكون الغاية التي يتّجه إليها غير محدودة؟ وهل يعني الكمال أن يصل الإنسان في النهاية إلى نقطة يستطيع عندها أن يقول: انتهيتُ، ولم يعد أمامي شيء آخر؟
يجيب غريغوريوس في مطلع كتابه "حياة موسى" بعبارةٍ تبدو متناقضة للوهلة الأولى: «حدّ الكمال هو ألّا يكون له حدّ»(١). فالفضيلة تختلف عن الأشياء التي يمكن قياسها. نستطيع أن نقول عن مسافة إنّنا بلغنا نهايتها، وعن بناء إنّنا أتممناه، وعن علم محدّد إننا استوعبنا قدرًا كبيرًا من مسائله. أمّا الخير فلا نجد بعده شيئًا يحدّه سوى نقيضه، أي الشرّ. وحين تكون غاية حياة الفضيلة هي المشاركة في الله، والخير الإلهي لا تحدّه نهاية، تصبح فكرة الوصول إلى "آخر الخير" بلا معنى. ومن هنا يصل غريغوريوس إلى صيغة أكثر جرأة في خاتمة مقدّمته: «لعلّ كمال الطبيعة البشريّة يكمن في نموّها نفسه في الخير»(٢).

نضج جانبٌ مهم من هذه الفكرة خلال صراع غريغوريوس مع أونوميوس حول معرفة الله. كان أونوميوس يرى أن لفظ "غير مولود" (agennētos) يكشف جوهر الله نفسه، وأن العقل يستطيع، من خلال الاسم الصحيح، أن يبلغ معرفةً بماهيّة الله. وترتّب على ذلك موقفٌ لاهوتيّ واضح: إذا كان "عدم الولادة" هو جوهر الآب، فالابن، لأنّه مولود، لا يمكن أن يملك الجوهر نفسه. دخل باسيليوس ثمّ غريغوريوس في مناقشةٍ فلسفيّة واسعة حول اللغة والمعرفة: هل الأسماء التي نطلقها على الله تمنحنا ماهيّته كما هي، أم تعبّر عن الطريقة المحدودة التي يعرف بها العقل البشريّ الله؟(٣)

اختار غريغوريوس الطريق الثاني. الأسماء ضروريّة؛ فنحن نقول إنّ الله صالح، وحكيم، وخالق، وأزليّ، وغير مولود، وهذه الألفاظ تقول شيئًا حقيقيًّا. لكنها لا تحيط بالجوهر الإلهيّ. فاللغة تنشأ داخل خبرةٍ بشريّة محدودة، والعقل يصوغ أسماءً بحسب ما يدركه من الله ومن أفعاله وما ينفيه عنه. ويلاحظ غريغوريوس أنّ اختلاف اللغات نفسه يكشف أن الأصوات والألفاظ ليست أجزاءً أودعها الله في الأشياء منذ الأزل. نحن نسمّي الواقع لكي نستطيع التفكير فيه والتواصل بشأنه؛ ولا تتحوّل قدرتنا على التسمية إلى قدرة على احتواء ما نسمّيه. ولهذا يشبّه محاولة إحاطة الطبيعة الإلهيّة بالكلمات بإنسان يريد أن «يحتوي البحر كلّه في كفّه»: نسبة قدرتنا اللغويّة إلى الله تشبه نسبة قبضة اليد إلى أعماق البحر(٤).

وتقوم هذه الحدود المعرفيّة على فكرة أعمق: "الله غير محدود". يكتب غريغوريوس في "ضدّ أونوميوس" أن الطبيعة الإلهيّة لا يحيط بها مقدار ولا زمان ولا مكان، وأن «ما هو غير محدود بطبيعته لا يمكن أن يحتويه مفهوم تعبّر عنه الكلمات»(٥). لا يعني هذا أن الله مجهول لأنّ المعرفة مستحيلة، وإنّما أن كلّ معرفة مخلوقة تبقى معرفةً لكائن غير مخلوق. يستطيع العقل أن يعرف حقائق عن الله، وأن يزداد فيها عمقًا، لكن لا تأتي لحظة يصبح فيها الله موضوعًا استنفده العقل كما يستنفد تعريفًا أو مسألةً منطقيّة. ومن هنا يتحوّل عدم الإحاطة من حدّ سلبي إلى إمكان لا ينتهي. لو كان الله خيرًا محدودًا، لأمكن للإنسان أن يبلغ نهاية معرفته والاشتراك فيه. أمّا إذا كان الخير الإلهي بلا حد، فإن كلّ لقاء حقيقي به يفتح قدرةً جديدة على المزيد. المعرفة لا تقف أمام جدار؛ إنها تدخل في عمق لا ينفد. وكلّ ما يعرفه الإنسان من الله معرفة حقيقيّة، لكن هذه المعرفة نفسها توسّع قدرته على معرفة أكثر.

ويصوغ غريغوريوس هذه الحركة من خلال شخص موسى. ففي "حياة موسى" يقرأ سيرته بوصفها صورة لمسار الإنسان في معرفة الله. يبدأ موسى بالنور عند العليقة المشتعلة، ثم يصعد الجبل ويدخل السحاب، وبعد ذلك يقول سفر الخروج إنه دخل "الظلام حيث كان الله". يرى غريغوريوس في هذا التدرّج معنى فلسفيًّا وروحيًّا. في البداية تبدو المعرفة نورًا يطرد الجهل؛ وكلّما تقدّم العقل اكتشف أن الله يتجاوز الصور والمفاهيم التي بدأ بها. لذلك يدخل موسى "الظلام"، ويكتب غريغوريوس عبارته الشهيرة: «هذه هي المعرفة الحقيقيّة لما نبحث عنه: أن تكون الرؤية في عدم الرؤية»(٦). فالظلام هنا لا يعني غياب الله، وإنما سقوط الوهم بأن إدراكنا له أصبح مساويًا لحقيقته. 

ولا يصبح موسى بعد وصوله إلى القمّة إنسانًا انتهى من البحث. لقد رأى العليقة، وعبر البحر، وصعد سيناء، ودخل السحاب والظلام، وتلقّى الشريعة، وأضاء وجهه؛ ومع ذلك يعود في سفر الخروج فيقول لله: "أرني مجدك". يقرأ غريغوريوس هذا الطلب بوصفه علامة نضج، ويقول عن موسى إنه، بعد كلّ ما ناله، «ظلّ غير مكتفٍ في رغبته في المزيد»(٧). فالمعرفة السابقة لم تُطفئ الرغبة، وإنما جعلتها أعمق؛ وكلّ ما أخذه من الله وسّع قدرته على أن يطلب أكثر. ثم يصل غريغوريوس إلى العبارة التي تلخّص هذه الرؤية: «هذه هي رؤية الله حقًّا: ألّا يشبع الإنسان أبدًا من الرغبة في رؤيته»(٨). وقد يبدو ذلك كأنه وصف لإحباط دائم: الإنسان يريد ولا يصل. لكنّ غريغوريوس يقصد حركة أخرى تمامًا. الإنسان ينال فعلًا، وما يناله حقيقي، غير أن كلّ امتلاء يزيد قدرته على الامتلاء. فالرغبة نفسها تنمو مع ما تتلقّاه. إنسان يتذوّق خيرًا يجعل أفقه أوسع، فيكتشف إمكانًا جديدًا للمشاركة فيه. وهكذا يستطيع غريغوريوس أن يجمع بين الامتلاء والرغبة، وبين الوصول والاستمرار في السير.

سمّى البحث الحديث هذه الحركة عادةً epektasis، أي "الامتداد إلى الأمام"، استنادًا إلى قول بولس: "أنسى ما هو وراء وأمتدّ إلى ما هو قدّام" (فل ٣: ١٣). ومن المهم ألّا نتعامل مع الكلمة كأنها مصطلح تقني يكرّره غريغوريوس باستمرار. فقد نبّه أندرو لوث إلى أن لفظ epektasis نفسه نادر عنده، وأن الدراسات الحديثة، وخصوصًا منذ أعمال جان دانييلو، استخدمته عنوانًا مناسبًا لمجموعة من الصور والأفكار المتكرّرة في نصوصه(٩). الفكرة حاضرة بقوّة، لكن غريغوريوس يعبّر عنها بصور كثيرة: الصعود، والجري، والامتداد، والرغبة، والبدايات المتتابعة، والتحوّل "من مجد إلى مجد". وتظهر إحدى أجمل صيغ هذه الفكرة في "العظات على نشيد الأناشيد". فالحب نفسه يجعل النفس تتحرّك من جمال أدركته إلى جمال أكبر، وكلّ بداية تقود إلى بداية أخرى، حتى يقول غريغوريوس عن الإنسان الصاعد إنه يمضي «من بداية إلى بداية، من خلال بدايات لا تنتهي»(١٠). الغاية حاضرة في كلّ مرحلة لأنها الله نفسه، لكن الله لا يتحوّل إلى شيء امتلكناه بالكامل. القرب منه يخلق قدرة أعمق على القرب، والمعرفة به تفتح مجالًا أوسع للمعرفة.

ويعيد غريغوريوس بهذا تقييم صفة كان كثير من الفلاسفة القدماء ينظرون إليها بحذر: "التغيّر". ففي تيّاراتٍ مهمّة من الفلسفة اليونانيّة ارتبط الكمال بالثبات، لأن التغيّر قد يعني أن الشيء لم يبلغ تمامه أو أنه يستطيع أن يفسد. وغريغوريوس نفسه يقرّ بأن تغيّر المخلوق يمكن أن يقوده إلى الأسوأ، لكنه يرى في القابليّة للتغيّر إمكانًا عظيمًا أيضًا؛ فالإنسان يستطيع أن يصير أفضل مما هو عليه. ويكتب في "عن الكمال" أن ما يبدو مخيفًا في طبيعتنا المتغيّرة يستطيع أن يصبح «جناحًا للطيران نحو ما هو أفضل»، ويربط ذلك بقول بولس عن التحوّل "من مجد إلى مجد"(١١). كمال الإنسان لا يعني أن يصير غير متغيّر بالطريقة التي يكون بها الله غير متغيّر، وإنما أن يستقر اتجاهه نحو الخير، بينما تستمر قدرته على المشاركة فيه في الاتساع. وترتبط لانهائيّة الله هنا بالحرّيّة. الإنسان لا يظهر عند غريغوريوس كقالب أُنجز مرة واحدة، وإنما كائن يستطيع من خلال اختياراته أن يصوغ نفسه في اتجاه الخير أو الشر. وسنعود إلى هذه الفكرة في الحلقة القادمة عند الحديث عن "صورة الله". لكن المهم هنا أن الطبيعة البشريّة لا تُفهم فقط من خلال ما هي عليه في لحظة ثابتة؛ يوجد فيها توجّه وإمكان وقدرة على تجاوز ما بلغته. وإذا كان الإنسان صورة لإله غير محدود، فلا يعبّر عن هذه الصورة بأن يصبح نسخة ساكنة مكتملة، وإنما بأن يظل مفتوحًا على خير يفوق كلّ درجة سبق أن بلغها.

ولا يحوّل غريغوريوس الله إلى "مجهول" لا يمكن قول شيء عنه. كان جداله الطويل مع أونوميوس سيصبح بلا معنى لو كان هذا موقفه. نحن نعرف أن الله موجود، ونعرف أنه خير وحياة وقدرة وحكمة، ونعرفه من الخلق والكتاب ومن ظهوره الخلاصي في المسيح. لكن هذه المعرفة تحتفظ بفارق بين "معرفة حقيقيّة" و"إحاطة كاملة". يرفض غريغوريوس أن نجعل التواضع المعرفي جهلًا، كما يرفض أن نجعل المعرفة امتلاكًا. وكلّما اقترب الإنسان من الحقيقة ازداد وعيه بعمق ما يقترب منه. ولهذا يجتمع عنده أمران يبدوان متناقضين: "معرفة الله تزداد، ومعرفة أن الله يتجاوز معرفتنا تزداد معها". موسى في بداية الطريق يعرف أقلّ، لكنه يستطيع أن يظن أن النور الذي رآه قد أعطاه الصورة كلها؛ أمّا موسى الذي بلغ القمّة فيعرف أكثر، ولذلك يدخل الظلام ويطلب المزيد. الجهل الحقيقي عند غريغوريوس هو أن يظن الإنسان أن مفهومًا واحدًا، أو اسمًا واحدًا، أو تعريفًا واحدًا، استطاع أن يحصر الله.

تظهر هنا أصالة غريغوريوس النيسّيّ الفلسفيّة. فاللانهائي لا يقف أمام العقل كأنه فراغ، والكمال لا يعني التوقّف، والرغبة لا تختفي حين تبلغ الخير، والمعرفة لا تنتهي حين تصبح حقيقيّة. كلّ هذه المفاهيم تدخل في علاقة جديدة عندما تكون غايتها الله: نصل، لكن كلّ وصول يصير بداية؛ نعرف، لكن المعرفة توسّع مساحة ما نطلب معرفته؛ نشترك في الخير، لكن الاشتراك نفسه يجعلنا أكثر قدرة على خير أكبر. ولهذا ربما تكون العبارة القصيرة في "حياة موسى" أفضل مدخل إلى مشروعه كله: كمال الإنسان هو نموّه في الخير. عظمة الإنسان لا تظهر في لحظة يستطيع عندها أن يقول "لقد اكتملت"، وإنما في أن الخير الذي دخل حياته جعله قادرًا على تجاوز ما كانه، وأن ما اكتشفه من الله فتح له أفقًا لم يكن يستطيع رؤيته من قبل. عند غريغوريوس النيسّيّ، لا تقف لانهائيّة الله حاجزًا أمام الإنسان، وإنما تصبح السبب في أن رحلته لا تُستهلك. كلّما اقترب من الخير اتّسعت قدرته عليه، وكلّما رأى ازداد طلبه للرؤية. الكمال لا يأتي حين ينتهي الطريق؛ الكمال نفسه هو أن يستمرّ السير في الخير الذي لا نهاية له.

في الحلقة القادمة: غريغوريوس النيسّيّ والإنسان: ماذا يعني أن يكون الإنسان "صورة الله"؟ وكيف ربط هذه الصورة بالعقل والحرّيّة والجسد، حتّى وصل إلى واحد من أشدّ نصوص العالم القديم نقدًا لامتلاك الإنسان للإنسان؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ