الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
«إذا كانت المسيحيّة تؤمن بكرامة الإنسان، فلماذا لم يقل بولس لفليمون ببساطةٍ: أعتق أونسيمس؟ ولماذا لم يطالب المسيحيّون الأوائل بإلغاء العبودية؟». هذا سؤالٌ يتكرر اليوم بين بعض الشباب، وغالبًا ما يأتي في صورة اعتراضٍ من أشخاص يقدّمون أنفسهم بوصفهم ملحدين: إذا كانت رسالة المسيحيّة هي المحبّة والمساواة بين البشر، فكيف نقبل أنّ القديس بولس الرسول (نحو ٥–نحو ٦٤/٦٧) لم يقف موقفًا صريحًا يطالب بإنهاء مؤسّسة نراها اليوم واحدةً من أبشع صور انتهاك الكرامة الإنسانيّة؟

السؤال مشروع، ومن الخطأ الهرب منه بتجميل التاريخ أو بمحاولة إثبات أنّ أونسيمس لم يكن عبدًا أصلًا. لكن من الخطأ أيضًا طرح السؤال بطريقة تقع فيما يسميه المؤرخون «الأناكرونيزم» (anachronism)، أي الإسقاط أو المفارقة التاريخيّة: أن ننسب إلى عصر مفهومًا أو مؤسّسة أو نموذجًا فكريًّا لم يكن موجودًا فيه بالصورة التي تشكّل بها في عصرٍ لاحق. 

فإذا سألنا لماذا لم يكن بولس «مناضلًا من أجل إلغاء العبودية»، فعلينا أولًا أن نسأل: هل كانت فكرة "إلغاء" abolitionism، أيّ حركة سياسيّة واجتماعيّة منظّمة تهدف إلى الإلغاء القانونيّ الشامل للرقّ، موجودة أصلًا في القرن الأوّل؟ وهل كانت توجد الدولة الحديثة، والتشريعات العامّة، وحركات الضغط، ومفاهيم الحقوق الفرديّة، والوسائل السياسيّة التي عرفتْها حركات إلغاء الرقّ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟ التنبيه إلى هذا الفرق لا يعفي بولس من السؤال الأخلاقيّ، لكنه يمنعنا من محاكمته كما لو كان وليم وِلبرفورس (١٧٥٩–١٨٣٣) يعيش قبل عصره بثمانية عشر قرنًا. وفي الاتّجاه المقابل، لا يجوز أن يتحوّل "السياق التاريخيّ" إلى ذريعةٍ تبرّر كلّ شيء. لذلك ينبغي أن نبدأ من النصّ نفسه: هل كان أونسيمس عبدًا فعلًا؟ وما الذي يقوله بولس عنه؟
يقول النصّ اليوناني في فليمون ١٦:

οὐκέτι ὡς δοῦλον ἀλλ’ ὑπὲρ δοῦλον, ἀδελφὸν ἀγαπητόν

أي بصورةٍ حرفية: «لا يعود كعبدٍ، وإنّما أكثر من عبدٍ، أخًا محبوبًا». الكلمة الحاسمة هي δοῦλος (doulos)، وهي في اليونانيّة القديمة اللفظة المعتادة للدلالة على العبد، أي الإنسان الواقع تحت سيادة سيّد، وتقابل في هذا المجال δεσπότης (despotēs)، أي السيّد أو المالك. ويعطي معجم LSJ معناها الأساسي bondman, slave، كما أن δουλεία (douleia) تعني حالة العبودية أو الرق.[١] ولا يعني ذلك أن δοῦλος لا يمكن أن تُستعمل مجازيًا؛ فالقديس بولس نفسه يستطيع أن يصف ذاته بأنه «عبد يسوع المسيح» من غير أن يقصد وضعًا قانونيًا في نظام الرق. السياق هو الذي يحدد المعنى، وسياق فليمون واضح: أونسيمس مرتبط بفليمون، وقد انفصل عنه، ويعيده بولس إليه، ويتحدث عن احتمال أن يكون قد ألحق به ضررًا أو أصبح مدينًا له، ثم يطلب من فليمون أن يستقبله «لا كعبد... بل أخًا محبوبًا».

ويأتي الدليل الأقوى من داخل الرسالة نفسها. ففي الآية ١٣، عندما يتحدث بولس عن الخدمة التي كان أونسيمس يستطيع أن يؤديها له أثناء أسره، يستعمل فعلًا مختلفًا:

ἵνα ... μοι διακονῇ ἐν τοῖς δεσμοῖς τοῦ εὐαγγελίου

أي: «لكي يخدمني في قيود الإنجيل». الفعل هنا هو διακονέω (diakoneō)، أي يخدم أو يعين. ثم بعد ثلاث آيات، عندما يتحدث عن وضع أونسيمس عند فليمون، لا يستعمل هذا الفعل، وإنما يقول δοῦλος. فبولس نفسه يميز داخل بضعة أسطر بين «الخدمة» بوصفها فعلًا وبين «العبودية» بوصفها وضعًا اجتماعيًا.[٢] ولهذا تحافظ الترجمة العربية الأدق على التمييز نفسه: في ع ١٣ «لكي يخدمني»، وفي ع ١٦ «لا كعبد بعدُ، وإنما أكثر من عبد، أخًا محبوبًا».

وينبغي هنا تصحيح فكرة شائعة قد تؤدي إلى مبالغة أخرى. لا يصح القول بصورة عامة إن «الترجمات المسيحية ترجمت δοῦλος بخادم». بعض الترجمات الإنجليزية التقليدية فعلت ذلك بالفعل؛ فالـKing James Version تترجم فليمون ١٦: Not now as a servant, but above a servant، وكذلك تستعمل American Standard Version كلمة servant. لكن عددًا كبيرًا من الترجمات الحديثة يستعمل slave، مثل NIV وNRSVUE وNKJV وNASB وNABRE، بينما تختار ESV لفظ bondservant.[٣] لذلك فالمشكلة ليست أن معنى العبودية أُخفي عمومًا في الترجمات، وإنما أن لفظ servant في بعض الترجمات الإنجليزية القديمة يمكن أن يوحي للقارئ الحديث بعلاقة خدمة عادية أو مأجورة، بينما δοῦλος في هذا السياق يدل على وضع اجتماعي أشد تحديدًا.

وتؤكد اللاتينية ذلك. فقد نقل التقليد اللاتيني فليمون ١٦:
iam non ut servum sed plus servo, carissimum fratrem
أي: «لا يعود كـservus، وإنما أكثر من servus، أخًا عزيزًا». أما عندما يتحدث بولس في ع ١٣ عن الخدمة، فتستعمل اللاتينية فعل ministrare: ut ... mihi ministraret. وهكذا حافظ النص اللاتيني على التمييز نفسه الموجود في اليونانية: ministrare للخدمة، وservus لوضع أونسيمس.[٤] وقد ينشأ الالتباس عند القارئ الحديث لأن servus تقع في أصل كلمات أوروبية ترتبط بـservice، لكن servus في اللاتينية الرومانية كانت أيضًا المصطلح القانوني المعتاد للعبد. وتظهر المسألة بوضوح في «مؤسسات» الإمبراطور يوستينيانوس الأول (٤٨٢–٥٦٥)، التي تبدأ تقسيم أوضاع البشر قانونيًا بالقول: omnes homines aut liberi sunt aut servi، «جميع البشر إما أحرار وإما عبيد»، ثم تعرف servitus بأنها الحالة التي يخضع فيها الإنسان لسيادة إنسان آخر.[٥]

وقد يُقال: إذا كان servus يعني عبدًا، فلماذا لم يستخدم الكتّاب اللاتين sclavus، التي جاءت منها الفرنسية esclave والإنجليزية slave؟ وهنا يظهر مثال آخر على الأنكرونيزم نفسه؛ لأن sclavus لم تكن الكلمة اللاتينية الكلاسيكية للعبد. ظهرت بهذا المعنى في اللاتينية الوسيطة، في حدود القرنين التاسع والعاشر، وارتبط انتشارها باسترقاق أعداد كبيرة من الشعوب السلافية، ومنها انتقلت إلى عدد من اللغات الأوروبية الحديثة.[٦] لم يكن أمام بولس أصلًا الاختيار بين servus وsclavus لأنه كتب باليونانية، كما لم يكن هذا الاختيار موجودًا أمام القديس جيروم أو أمبروسياستر في القرن الرابع. ولذلك فإن غياب sclavus لا يقدم أي دليل على أن أونسيمس كان مجرد «خادم».

والأهم أن المفسرين المسيحيين القدماء لم يفهموا أونسيمس بهذه الصورة المخففة. فالقديس جيروم (نحو ٣٤٧–٤٢٠) يسميه صراحةً servus fugitivus، «عبدًا هاربًا»، ويتحدث عن عودته إلى سيده. لكنه عندما يصل إلى فليمون ١٥–١٦ يلاحظ أن شيئًا أساسيًا قد تغير في هوية هذا العبد. ينقل: Jam non sicut servum, sed plus servo, fratrem charissimum، ثم يفسر: jam non servus, sed frater coepit esse de servo، «بدأ، من عبد، يصير أخًا».[٧] ويرى القديس جيروم أن سيادة فليمون على أونسيمس تنتهي مع الزمن والموت، بينما الأخوة التي نشأت بينهما في المسيح أبدية. ومع ذلك، لا يستخلص من هذه الأخوة ضرورة إلغاء وضع الرق قانونيًا؛ فالعبد المؤمن يظل مرتبطًا بسيده «في الجسد»، وإن أصبح أخًا له «في الرب».

والتوتر نفسه أوضح عند القديس يوحنا الذهبيّ الفم (نحو ٣٤٧–٤٠٧). ففي عظته الثانية على فليمون يقول إن فليمون فقد عبدًا مدة قصيرة وسيجد أخًا إلى الأبد. ويرى أن بولس، حين يسمي أونسيمس ابنه وأخاه وأحشاءه، يرفعه إلى مساواة جديدة في الكرامة. لكن النص اليوناني للذهبيّ الفم يتصور أونسيمس بعد عودته «باقيًا عبدًا» — δοῦλον γὰρ μένοντα.[٨] لذلك لا يمكن أن نصنع من الذهبيّ الفم داعية إلى إلغاء الرق بالمعنى الحديث. ما يطالب به هو تحول جذري في نظرة السيد إلى الإنسان الذي يملكه: هذا العبد صار أخًا وابنًا روحيًا لبولس وشخصًا مساويًا في الكرامة المسيحية. ويستشهد القديس أثناسيوس الرسولي (نحو ٢٩٦–٣٧٣) هو الآخر بأونسيمس مثالًا على عبد حقيقي صار أخًا، وهو ما يؤكد أن استعمال «الأخ» عند الآباء لم يكن إنكارًا لحقيقة الرق الاجتماعية.[٩]

ومع ذلك، لا يصح أن نستنتج أن رفض امتلاك الإنسان للإنسان كان فكرة يستحيل التفكير فيها في العالم القديم. فالقديس غريغوريوس النيسي (نحو ٣٣٥–نحو ٣٩٥) يقدم استثناءً شديد الأهمية. ففي عظته الرابعة على سفر الجامعة، عند قوله «اقتنيت عبيدًا وجواري» (جا ٢: ٧)، يتجاوز المطالبة بحسن معاملة العبيد إلى الهجوم على فعل امتلاك الإنسان نفسه. يسأل: بأي ثمن يمكن أن يُشترى إنسان خُلق على صورة الله؟ وبأي حق يجعل إنسان نفسه سيدًا على إنسان آخر يشترك معه في الطبيعة البشرية نفسها؟[١٠] أهمية هذا النص أنه يمنعنا من تحويل «السياق التاريخي» إلى حجة مطلقة. كان النقد الجذري للعبودية ممكنًا في العالم القديم، وقد ظهر بالفعل، لكنه ظل استثناءً ولم يصبح الاتجاه الغالب في التفسير المسيحي.

ويصل بنا ذلك إلى العصور الوسطى. فالقديس توما الأكوينيّ (١٢٢٥–١٢٧٤)، في شرحه لرسالة فليمون، يستعمل servus وdominus من دون تردد، ويكتب عبارته اللافتة: servus fidelis transit in amicum، «العبد الأمين ينتقل إلى صديق». ويرى أن أونسيمس ينبغي أن يعامل كأخ بسبب اشتراك السيد والعبد في الطبيعة الإنسانية الواحدة وفي النعمة الواحدة في المسيح، مستشهدًا بغلاطية ٣: ٢٨: «لا عبد ولا حر». لكنه يصف موضوع الرسالة أيضًا بأنه تعليم «السادة الزمنيين كيف يتعاملون مع عبيدهم الزمنيين» — temporales domini ad temporales servos — ويواصل عند تفسير ع ١٦ وصف أونسيمس بأنه servus eius، «عبده».[١١] ومن القرن الأول إلى القرن الثالث عشر نرى إذًا خطًا لافتًا: δοῦλος عند بولس والآباء اليونان، وservus في الكتاب المقدس اللاتيني وعند القديس جيروم والمفسرين اللاتين والقديس توما الأكوينيّ. الأخوة المسيحية تغير فهم قيمة العبد وعلاقته بالسيد، لكنها لا تتحول، في الاتجاه التفسيري الغالب، إلى المطالبة بإلغاء المؤسسة نفسها.

بعد هذا التحقيق يمكن أن نعود إلى الاعتراض الأول بدرجة أكبر من الصراحة. نعم، أونسيمس كان عبدًا. ونعم، القديس بولس لا يقول لفليمون بعبارة صريحة: «أعتق أونسيمس»، ولا يقدم برنامجًا سياسيًا لإلغاء الرق. ومن ثمّ، فالقول إن بولس لم يكن مناضلًا لإلغاء العبودية بالمعنى الحديث صحيح إذا استُعمل وصفًا تاريخيًا. لكنه يتحول إلى مفارقة تاريخية عندما نفترض أن بولس كان يقف أمام البدائل السياسية نفسها التي عرفتها حركات إلغاء الرق الحديثة، ثم نسأله لماذا لم يختر واحدًا منها. وفي الوقت نفسه يمنعنا القديس غريغوريوس النيسي من القول إن بولس لم يكن من الممكن أن يذهب أبعد مما ذهب إليه. وهكذا يبقى السؤال الأخلاقي قائمًا، لكن في صورته التاريخية الصحيحة: ماذا فعل بولس داخل العالم الذي عاش فيه، وإلى أي مدى حملت كلماته إمكانات أخلاقية لم يستخلصها هو أو مفسروه الأوائل كاملة؟

وهنا تكمن المفارقة الأعمق في رسالة فليمون. فالقديس بولس لا يخفي أن أونسيمس δοῦλος، لكنه يضع إلى جوار هذه الهوية سلسلة جديدة من التسميات: «ابني» (ع ١٠)، «أحشائي» (ع ١٢)، «أخًا محبوبًا» (ع ١٦)، ثم يبلغ الذروة حين يقول لفليمون: «إن كنت تحسبني شريكًا، فاقبله نظيري» (ع ١٧). إنه لا يعلن إلغاء مؤسسة الرق، لكنه يضع السيد المسيحي أمام تناقض سيظل يعمل داخل التقليد قرونًا طويلة: الإنسان الذي يعرفه القانون بوصفه عبدًا أصبح أخًا، وابنًا روحيًا للرسول، وشخصًا ينبغي أن يُستقبل كما يُستقبل بولس نفسه.

وهذا ما عاشه التقليد المسيحي القديم والوسيط طويلًا: مساواة روحية وأنثروبولوجية متزايدة مع استمرار بنية اجتماعية تقوم على عدم الحرية. ومن هنا يبدأ الجزء الثاني من القصة: كيف انتقل التقليد، بعد قرون، من السؤال «كيف ينبغي للسيد أن يعامل عبده؟» إلى السؤال الأشد جذرية: «بأي حق يستطيع إنسان أصلًا أن يمتلك إنسانًا آخر؟».

لا يمكن الإجابة برواية انتصارية بسيطة تقول إن الكنيسة حاربت الرقّ بصورة متصلة منذ القرن الأول. الوثائق نفسها تمنعنا من ذلك. واللافت أن البابا لاون الرابع عشر (مواليد ١٩٥٥) قدّم عام ٢٠٢٦ صياغة صريحة نادرة لهذا التاريخ في الرسالة البابويّة العامّة «الإنسانيّة الرائعة». فهو يقرر من جهة أن «أحداث الماضي لا يمكن الحكم عليها بشكل غير تاريخي»، وهو عين التحذير من الأنكرونيزم الذي يلزم عند الحكم على بولس والعالم القديم؛ لكنه يضيف فورًا أنه «لا يمكننا إنكار أو التقليل من شأن التأخير» الذي حدث في إدانة العبودية. ويذكر أن أفرادًا ومؤسسات كنسيّة امتلكوا عبيدًا، وأن الكرسي الرسولي نفسه تدخل في العصر الحديث المبكر، تحت ضغط مصالح الملوك، لتنظيم صور من إخضاع «غير المؤمنين» وإضفاء الشرعية عليها. بل يلاحظ أن صياغة إدانة «رسمية ومطلقة وعالمية» للعبودية لم تتبلور بوضوح إلا في القرن التاسع عشر، ولا سيّما عند البابا لاون الثالث عشر. ويسمي هذا التأخر «جرحًا في الذاكرة المسيحية» ويطلب المغفرة باسم الكنيسة.[١٢]

وهذا الاعتراف مهم لفهم ما جرى منذ القرن الخامس عشر. ففي عام ١٤٣٥ أصدر البابا أوجينيوس الرابع (١٣٨٣–١٤٤٧) Sicut Dudum في سياق استعباد سكان جزر الكناري، وأمر بإعادة المستعبدين إلى حريتهم، بحيث يكونون «أحرارًا تمامًا وإلى الأبد»، وقرن الأمر بعقوبات كنسية شديدة.[١٣] لكن بعد أقل من عشرين عامًا أصدر البابا نيقولاوس الخامس (١٣٩٧–١٤٥٥) Dum Diversas عام ١٤٥٢ ثم Romanus Pontifex عام ١٤٥٥ في سياق التوسع البرتغالي، وأجاز فيهما صورًا من إخضاع المسلمين والوثنيين و«أعداء المسيح»، ومنها الاسترقاق الدائم. ولم تعد الكنيسة اليوم تحاول تسوية هذا التناقض لفظيًا: فالهوامش التاريخية في «الإنسانيّة الرائعة» تضع وثائق البابا أوجينيوس الرابع ووثائق البابا نيقولاوس الخامس جنبًا إلى جنب، ثم تقول إن المصالح السياسية، وأحيانًا الاقتصادية، غلبت متطلبات الإنجيل. كما أكّد الكرسي الرسولي عام ٢٠٢٣ أن الوثائق التي استُخدمت لاحقًا لتبرير «عقيدة الاكتشاف» لا تعبّر عن تعليم الإيمان الكاثوليكي بشأن الكرامة المتساوية للشعوب الأصلية.[١٣]

لكن شيئًا جديدًا بدأ يظهر بقوة حين انتقل السؤال من «هل يجوز استعباد هؤلاء؟» إلى سؤال أشد جذرية: «مَن هم هؤلاء أصلًا؟». ففي الأحد الرابع من زمن المجيء عام ١٥١١ وقف الأب أنطونيو دي مونتسينوس الدومنيكانيّ (نحو ١٤٧٥–١٥٤٠) في هيسبانيولا، متحدثًا باسم الجماعة الدومنيكانية كلها، وواجه المستعمرين الإسبان الذين كانوا يسخّرون السكان الأصليين في نظام الـencomienda. والسؤال الذي وصل إلينا بفضل الأسقف بارتولومي دي لاس كاساس الدومنيكانيّ (١٤٨٤–١٥٦٦) لا يبدأ بنظرية قانونية معقدة: «أهؤلاء ليسوا بشرًا؟ أليست لهم نفوس عاقلة؟ ألستم ملزمين بأن تحبوهم كأنفسكم؟». وقبل ذلك سألهم: «بأي حق وبأي عدل تُبقون هؤلاء الهنود في مثل هذه العبودية القاسية والمروعة؟»[١٤] لم تكن الحجة هنا أن هؤلاء صاروا مسيحيين، وإنما أن الطرف الذي يُعامل كشيء هو إنسان عاقل يجب أن يُحب كالنفس. بهذا انتقلت صورة الله والأخوّة من المجال الداخلي للجماعة المسيحية إلى نقد بنية استعمارية كاملة.

ويكتسب الأسقف بارتولومي دي لاس كاساس الدومنيكانيّ أهمية خاصة لأن حياته نفسها تكشف أن تطور الضمير الأخلاقي لا يحدث دائمًا في خط مستقيم. فقد عرف نظام الـencomienda من الداخل، ثم صار أحد أشد نقاده. بل وقع هو نفسه في تناقض خطير حين اقترح في مرحلة مبكرة جلب أفارقة مستعبدين لتخفيف العبء عن السكان الأصليين، قبل أن يدرك لاحقًا أن استعباد الأفارقة لا يقل ظلمًا عن استعباد الهنود الحمر، ويعبّر عن ندمه على اقتراحه السابق. ولذلك يقدم تاريخ الأسقف دي لاس كاساس حالة مصغرة لما سيحدث في التقليد الأوسع: تبدأ الأخلاق بحماية فئة معينة، ثم يفرض منطق المبدأ نفسه أن يتسع الحكم ليشمل من تُركوا خارجه.[١٥] وقد صاغ هو نفسه الأساس الأنثروبولوجي لهذا الاتساع في Apologética historia sumaria بقوله إن «جميع أمم العالم بشر»، وإن الجميع عقلاء، لهم فهم وإرادة واختيار حر، وقد خُلقوا «على صورة الله ومثاله».[١٥]

ومن هذه الخلفية نفهم أهمية ما أعلنه البابا بولس الثالث (١٤٦٨–١٥٤٩) عام ١٥٣٧ في Sublimis Deus. فالخطوة اللافتة في النص أن الحرية لم تعد مشروطة بالدخول في المسيحية. يعلن البابا أن الهنود «وسائر الشعوب التي قد يكتشفها المسيحيون فيما بعد» لا يجوز حرمانهم من حريتهم أو ممتلكاتهم «حتى وإن كانوا خارج الإيمان المسيحي»، ولا يجوز استعبادهم؛ وإذا حدث ذلك فهو باطل.[١٦] هذه العبارة مهمة جدًا في تاريخ الفكر الكاثوليكي، لأنها تفصل بوضوح بين الكرامة الإنسانية وبين الانتماء الديني: الإنسان لا يكتسب حقه في الحرية بالمعمودية.

وفي البيئة نفسها ظهر الأب فرنسيسكو دي ڤيتوريا الدومنيكانيّ (نحو ١٤٨٣–١٥٤٦)، أستاذ اللاهوت في سلمنقة، الذي يمكن أن نعدّه واحدًا من الآباء المؤسسين لما سيصير لاحقًا القانون الدولي، مع ضرورة تجنب جعله مفكرًا في القانون الدولي بالمعنى المعاصر. ففي محاضرته الشهيرة De Indis عام ١٥٣٩ لم يبدأ بالسؤال عما إذا كان الإسبان يحسنون معاملة الهنود بعد إخضاعهم، وإنما طرح سؤالًا سابقًا: بأي حق خضع هؤلاء أصلًا لسلطان الإسبان؟ وهل كانوا قبل وصول الإسبان أصحاب حق حقيقي في أنفسهم وأراضيهم وسلطتهم السياسية؟[١٧]

كانت الإجابة حاسمة. يفحص الأب دي ڤيتوريا الدومنيكانيّ الحجة الأرسطيّة التي يمكن أن تصف بعض البشر بأنهم «عبيد بالطبيعة»، وينظر إلى واقع المجتمعات الهندية: لديهم أنظمة سياسية، وحكام، وقوانين، وزواج، وحرف، وتبادل اقتصادي، ودين؛ وهذه كلها في نظره علامات استعمال العقل. ثم يصل إلى النتيجة: «كان للسكان الأصليين بلا شك سلطان حقيقي في الأمور العامة والخاصة، مثل المسيحيين». ولذلك لا يجوز نزع ممتلكاتهم منهم بحجة أنهم غير مؤمنين أو أنهم ليسوا «مالكين حقيقيين». بل يرفض أن تعني «العبودية بالطبيعة» عند أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ ق.م.) حق الأقوى في الاستيلاء على أموال الأضعف «واستعباده وعرضه للبيع».[١٧]

وهنا حدث انقلاب في بنية السؤال الموروث من فليمون. في العالم القديم كان السؤال: كيف ينبغي للسيد أن يعامل عبده؟ أما عند الأب  دي ڤيتوريا فأصبح السؤال: ما الذي يمنح إنسانًا أو دولة الحق أصلًا في أن يصبحا سيدين على إنسان أو شعب آخر؟ وهو يرفض تباعًا أن يكون إمبراطور إسبانيا سيد العالم، أو أن يمتلك البابا سلطة زمنية عامة تخوله منح أراضي الشعوب لملك آخر، أو أن يكون «الاكتشاف» وحده سندًا للاستيلاء، أو أن يبرر رفض المسيحية الحرب وسلب الممتلكات. ومن هذا التحليل يتطور عنده ius gentium، «قانون الشعوب»، داخل تصور لعالم تشترك فيه الجماعات السياسية المختلفة في قواعد لا تستمد قوتها من سيطرة إمبراطورية واحدة. ولهذا وصف البابا فرنسيس (١٩٣٦–٢٠٢٥) الأب ڤيتوريا بأنه اقترح «إطارًا للقانون الدولي مؤسسًا على حقوق إنسانية عالمية»، كما كان البابا القديس يوحنا بولس الثاني (١٩٢٠–٢٠٠٥) قد عدّه ممّن وضعوا أساس القانون الدوليّ المتعلق بحقوق الشعوب.[١٨]

غير أن الأب دي ڤيتوريا يظلّ ابن القرن السادس عشر. فهو بعد أن يهدم عددًا من «العناوين غير المشروعة» للسيطرة الإسبانية، يقبل في المقابل بعض «العناوين المشروعة» التي يمكن أن تفتح مجالًا للتدخل، مثل حقوق التواصل والسفر والتجارة، والدفاع عن الأبرياء في ظروف معينة. لذلك لا يصح أن نصنع منه مناضلًا ما بعد استعماري قبل خمسة قرون. قوته التاريخية في مكان آخر: لقد أدخل القوة الإمبراطورية نفسها إلى قاعة المحاكمة الأخلاقية. لم يعد انتصار الإسبان أو اختلاف دين الهنود كافيًا لإثبات الحق. كانت السيادة تحتاج إلى «عنوان» يمكن تبريره أمام العقل والقانون الطبيعي. وهذا بالفعل أحد المنابع الكبرى التي سيخرج منها الفكر الحديث في حقوق الشعوب والقانون الدولي.

ويمتد هذا الصراع إلى تجربة الإرساليات اليسوعية في أمريكا الجنوبية. ففي القرن السابع عشر عاش الأب أنطونيو رويث دي مونتويا اليسوعيّ (١٥٨٥–١٦٥٢) بين الغوارانيين، ودوّن في كتابه Conquista espiritual، المنشور في مدريد عام ١٦٣٩، خبرة الإرساليات وما تعرضت له من هجمات الـbandeirantes القادمين من ساو باولو لصيد السكان الأصليين وبيعهم عبيدًا. ولم يكتف الأب رويث دي مونتويا اليسوعيّ بوصف الكارثة؛ ذهب إلى مدريد وقدم التماسات إلى التاج الإسباني مطالبًا بتدخل يحمي المجتمعات الأصلية، وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن تحركه السياسي كان أوسع أثرًا مما كان يُظن، وأن مقترحاته ساهمت في إجراءات رسمية ضد صيادي العبيد.[١٩]

وهنا يفيد استحضار فيلم The Mission عام ١٩٨٦، لا بوصفه وثيقة تاريخية، وإنما بوصفه تجسيدًا فنيًا قويًا لهذه المعضلة. أخرج الفيلم رولان جوفيه وكتب السيناريو روبرت بولت، وقام الممثل روبرت دي نيرو بدور رودريجو مندوثا، تاجر العبيد والمرتزق الذي كان يخطف السكان الأصليين ثم يمر بتحول راديكاليّ بعد جريمة قتل أخيه، فيحمل أسلحته ودروعه وراءه في رحلة تكفير، قبل أن يصير عضوًا في الإرسالية اليسوعية. ويقابله الأب جابرييل اليسوعيّ، الذي أدّى دوره الممثل جيريمي آيرونز. يضع الفيلم الرجلين في النهاية أمام السؤال نفسه بوسيلتين مختلفتين: كيف يدافع المسيحي عن الغوارانيين حين تتحالف المصالح الإمبراطورية والقانون السياسي مع خطر استعبادهم؟ يختار الأب جابرييل المقاومة غير المسلحة، بينما يختار مندوثا حمل السلاح دفاعًا عن الجماعة.[٢٠]

وتدور خلفية The Mission حول النتائج التي ترتبت على معاهدة مدريد عام ١٧٥٠، حين انتقلت سبع إرساليات غوارانية إلى الجانب البرتغالي، وطُلب نقل عشرات الآلاف من سكانها؛ وهو ما قاد إلى مقاومة الغوارانيين وحرب الإرساليات. وقد كانت الإرساليات اليسوعية قبل ذلك بالفعل من المواقع التي احتمت فيها جماعات أصلية من غارات تجار الرقيق القادمين من البرازيل، وهو السياق الذي عرفه الأب أنطونيو رويث دي مونتويا اليسوعيّ قبل أحداث الفيلم بأكثر من قرن.[٢٠] لكنّ المؤرخ جيمس شوڤيلد سايجر حذّر من التعامل مع الفيلم بوصفه إعادة بناء دقيقة للماضي؛ فهو يرى أن الفيلم يمنح الصوت الأوروبي مركزية كبيرة ويمثل الغوارانيين أحيانًا من منظور أبوي. ولهذا تصلح رؤية فيلم The Mission أكثر بوصفها مدخلًا فنيًا إلى المعضلة الأخلاقية والتاريخية، لا مصدرًا بديلًا عن الوثائق.[٢٠]

وفي القرن التاسع عشر أصبحت لغة الإدانة الكنسية أكثر مباشرة. ففي In Supremo Apostolatus عام ١٨٣٩ يعلن البابا غريغوريوس السادس عشر (١٧٦٥–١٨٤٦) أن من واجبه أن يبعد المؤمنين عن «التجارة المخزية بالسود وبأي إنسان آخر»، ثم يحذر المسيحيين من استخدام العنف أو سلب الممتلكات أو «إخضاع أي إنسان للعبودية»، ويصف الاتجار بمن يعاملون «كما لو لم يكونوا بشرًا، بل حيوانات» بأنه منافٍ للعدل والإنسانية، ويمنع الإكليروس والعلمانيين من الدفاع عن هذه التجارة بوصفها مشروعة.[٢١]

ومع ذلك، حتى هذه المرحلة لم تكن نهاية التطور. فالوثيقة الصادرة عن البابا لاون الرابع عشر عام ٢٠٢٦ تنبه إلى أن مجمع التفتيش الروماني عام ١٨٦٦ ظل يميز بين صور يراها غير أخلاقية وصور أخرى من العبودية لا يدينها بصورة مطلقة. وهذه ملاحظة شديدة الأهمية: لا يمكن اختيار النصوص المناهضة للرق وحدها ثم بناء تاريخ مستقيم منها، كما لا يجوز تجاهلها. لقد كانت داخل الكنيسة قوى متعارضة، ونصوص نبوية تتقدم على الممارسة، ومصالح سياسية واقتصادية تعرقل النتائج التي تحملها الأنثروبولوجيا المسيحية ذاتها.[٢٢]

وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح القديس دانيال كومبوني (١٨٣١–١٨٨١)، النائب الرسولي لأفريقيا الوسطى آنذاك والأسقف لاحقًا، شخصية استثنائية؛ لأنه يعيدنا مباشرة إلى أونسيمس. لم يكن يتكلم عن العبودية من مكتبة أوروبية. ففي رسائله من السودان عام ١٨٧٣ يصف قوافل رآها بنفسه في الطريق إلى الأُبيّض: رجالًا ونساء مربوطين من الأعناق بالحبال والأخشاب، وآخرين مقيدين بالسلاسل، وأمهات صغيرات في السن يسقن مع أطفالهن، وجثث مستعبدين ماتوا من الإنهاك على الطريق. ويكتب أن الإعلان عن إلغاء تجارة الرقيق في أفريقيا الوسطى كان «حبرًا على ورق»، لأن الاقتصاد المحلي نفسه ظل مستفيدًا منها.[٢٣]

ثم في رسالته الدورية إلى إكليروس النيابة الرسولية، الصادرة من الأُبيّض في ١٠ أغسطس عام ١٨٧٣، يواجه القديس دانيال كومبوني المسيحيين المشاركين مباشرة أو بصورة غير مباشرة في تجارة البشر. يرفض الاعتقاد بأن السود «نوع» بين الإنسان والحيوان، ويعلن أن البيض والسود «جميعًا إخوة»، ثم يستشهد - وهذه النقطة الحاسمة لمقالنا - برسالة فليمون نفسها. يذكر قول القديس بولس الرسول عن أونسيمس: «لا كعبد... بل أخًا محبوبًا»، ويصل منه إلى نتيجة لم يصل إليها القديس جيروم أو القديس يوحنا الذهبيّ الفم أو القديس توما الأكوينيّ الدومنيكانيّ بهذه الصراحة:

«ومن هنا، في المسيحية، العبودية جريمة».

ثم يسأل: فإذا كانت العبودية نفسها جريمة، فكم بالأحرى «تجارة العبيد البغيضة والاتجار الرهيب بالسود»؟[٢٤]

هذه العبارة تستحق الوقوف عندها طويلًا. فنصّ بولس لم يتغير بين القرن الأول والقرن التاسع عشر. إنه فليمون ١٦–١٧ نفسه. لكن تاريخ التلقي تغير. كان القديس جيروم يستطيع أن يقرأ «أخًا محبوبًا» ويحتفظ في الوقت نفسه بالـservus في النظام الزمني؛ وكان القديس توما الأكوينيّ يستطيع أن يجعل العبد صديقًا ويبقي علاقة السيد والعبد. أمّا القديس دانيال كومبوني فيقرأ «الأخ المحبوب» ويستخرج النتيجة: إذا كان هذا الإنسان أخًا، فاستعباده جريمة. هنا نشاهد أمامنا مثالًا حيًا على تطور الحكم الأخلاقي من داخل النص والتقليد، لا بمجرد استبدالهما.

والأكثر أهمية أن هذا لم يبق شعارًا عند القديس دانيال كومبوني. فقد أمر بأن يُعلَّم المؤمنون أن الاشتراك في بيع البشر أو تمويل حملات خطفهم أو تزويدها بالسلاح خطيئة جسيمة، وهدد المتورطين بعقوبات كنسية. وكان إذا وجد مستعبدين مربوطين يأخذهم إلى الديوان للحصول لهم على وثيقة حرية، واشترى أرضًا خارج الأُبيّض لإسكان المحررين والعمل عليها. وفي رسالة أخرى يقول إنه أصدر الحرمان الكنسي ضد الكاثوليك المشاركين في الاتجار بالبشر، وإن رسالته قُرئت بالعربية من المنبر في الخرطوم. هنا لم تعد فليمون نصًا عن «حسن معاملة العبد»؛ صارت أساسًا للتدخل الكنسي والقانوني من أجل تحريره.[٢٤]

ثم تأتي لحظة البابا لاون الثالث عشر (١٨١٠–١٩٠٣). ففي الرسالة العامة In Plurimis عام ١٨٨٨، الموجّهة إلى أساقفة البرازيل في المرحلة الأخيرة من إلغاء الرق هناك، لم يعد وصف العبودية باعتبارها انحرافًا في طريقة ممارسة السلطة كافيًا. يقول البابا إن نظام العبودية «مخالف تمامًا» للنظام الأصلي الذي أراده الله والطبيعة: لقد منح الله الإنسان سلطانًا على الحيوانات، «ولم يمنح البشر قط سلطانًا مماثلًا على إخوتهم البشر». ثم يحدد جوهر الجريمة في تحوّل الشخص إلى شيء: كان العبيد يعاملون «لا كأشخاص، بل كأشياء».[٢٥]

وهذه العبارة تمهد بصورة لافتة لبداية تعليم الكنيسة الاجتماعي الحديث. فبعد ثلاثة أعوام فقط، في الرسالة البابويّة العامّة «في الشؤون الجديدة – Rerum Novarum» عام ١٨٩١، ينقل البابا لاون الثالث عشر المبدأ من سوق العبيد إلى عالم العمل الصناعي. لا يساوي بالطبع بين العامل المأجور والعبد؛ لكن المبدأ الأنثروبولوجي واحد: لا يجوز تحويل الشخص إلى أداة ربح. ولهذا يقول لأصحاب العمل ألا ينظروا إلى العمال كأنهم مملوكون لهم، وأن «استعمال البشر كما لو كانوا أشياء من أجل الربح» أمر «مخزٍ وغير إنساني».[٢٦] المسار هنا شديد الاتساق: ما جعل الرق شرًا هو تحويل الشخص إلى شيء؛ ولذلك يصبح المبدأ نفسه معيارًا لنقد أي نظام اقتصادي يحوّل العمل البشري إلى سلعة ويتجاهل الشخص الذي يقوم به.

وسيأخذ المجمع الفاتيكاني الثاني هذا المبدأ إلى صياغة عامة في الدستور الرعائي «في الكنيسة في عالم اليوم – فرح ورجاء»، فقرة ٢٧، حين يضع العبودية والاتجار بالنساء والأطفال وظروف العمل التي تعامل البشر «كمجرد أدوات للربح» ضمن الممارسات التي تهين كرامة الإنسان والخالق. ثم يطالب في الفقرة ٢٩ بإزالة أشكال التمييز المناقضة للحقوق الأساسية، وفي الفقرة التالية بمقاومة أشكال العبودية الاجتماعية والسياسية.[٢٧]

لكن أجمل نقطة ختام لمسارنا تبقى في «التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية»، الفقرة ٢٤١٤. فهو يقول بوضوح إن الوصية السابعة تحرّم كل عمل أو نظام يؤدي إلى استعباد البشر أو «شرائهم وبيعهم ومبادلتهم كالبضائع»، وإن رد الإنسان بالعنف إلى «قيمة استعمال» أو «مصدر للربح» خطيئة ضد كرامته وحقوقه الأساسية. ثم ماذا يضع التعليم المسيحي في نهاية هذه الإدانة؟ رسالة فليمون: القديس بولس الرسول أمر السيد المسيحي أن يعامل عبده «لا كعبد، بل... كأخ محبوب».[٢٨]

وهنا تكتمل الرحلة التأويلية على نحو بالغ الدلالة. النص نفسه الذي استُخدم قرونًا لتعليم السيد الرحمة تجاه العبد صار في التعليم الكاثوليكي المعاصر يُستشهد به داخل فقرة تحرّم امتلاك البشر وبيعهم وشراءهم. لم تتغير كلمات بولس؛ الذي تعمق هو إدراك الكنيسة للنتائج الأخلاقية المترتبة عليها.

ولهذا فإن صياغة البابا لاون الرابع عشر عام ٢٠٢٦ مهمة إلى حد بعيد؛ لأنها تمنع الاتجاهين الأبولوجي والاتهامي معًا. فهو يقول صراحة إن الماضي لا يجوز أن يُحاكم حكمًا أناكرونيًّا، فلا يمكن أن نتصور أن جميع الفئات الأخلاقية والسياسية الحديثة كانت متاحة دائمًا بالصورة نفسها. وفي اللحظة ذاتها يرفض تحويل السياق التاريخي إلى ذريعة: «لا يمكننا إنكار أو التقليل من شأن التأخير» في إدانة الرق. بل يقول إن الكنيسة احتاجت إلى قرون لكي تصوغ بوضوح عدم إمكان التوفيق بين العبودية وكرامة الإنسان، ويسمي ذلك «جرحًا في الذاكرة المسيحية».[٢٩]

وربما يكون هذا هو الإطار الأدق للعودة إلى بولس الرسول. القول إن بولس كان «مناضلًا لإلغاء العبودية» بالمعنى الحديث يجعل منه شخصًا لم يكنه. والقول إن «الأخ المحبوب» لم يترك أي أثر في تاريخ الموقف المسيحي من العبودية يتجاهل تاريخًا حقيقيًا طويلًا. ما نراه هو مسار أشد تعقيدًا: من بولس الذي أدخل الأخوّة داخل علاقة السيد والعبد؛ إلى آباء رأوا مساواة في الكرامة من غير إلغاء النظام؛ إلى القديس غريغوريوس النيسي الذي وصل مبكرًا إلى نقد امتلاك الإنسان للإنسان؛ ثم القديس توما الأكوينيّ الذي ظلّ يقرأ الأخوة داخل النظام الاجتماعي القائم؛ ثم الأب أنطونيو دي مونتسينوس الدومنيكانيّ الذي صاح «أهؤلاء ليسوا بشرًا؟»؛ والأسقف بارتولومي دي لاس كاساس الدومنيكانيّ الذي جعل صورة الله والعقل والحرية صفات لكل الشعوب؛ والبابا بولس الثالث الذي أعلن أن غير المسيحي نفسه لا يفقد حريته؛ والأب فرنسيسكو دي ڤيتوريا الدومنيكانيّ الذي وضع سيادة الشعوب تحت حماية قانون يتجاوز إرادة الإمبراطورية؛ والأب أنطونيو رويث دي مونتويا اليسوعيّ الذي واجه صائدي البشر في أرض الغوارانيين؛ والقديس دانيال كومبوني الذي عاد إلى فليمون ليقول في قلب أفريقيا: «العبودية جريمة»؛ ثم البابا لاون الثالث عشر الذي رفض أن يتحول الإنسان إلى «شيء»؛ وصولًا إلى المجمع الفاتيكاني الثاني والتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، حيث أصبحت العبودية نفسها انتهاكًا للكرامة الإنسانية.

وفي هذه الرحلة كلها ربما يكون السؤال الذي كان مختبئًا منذ رسالة فليمون بسيطًا جدًا: إذا كان الذي أقف أمامه «أخًا محبوبًا»، وإذا كان ينبغي أن أستقبله «كما أستقبل بولس نفسه»، فإلى أي مدى يمكن أن أظل أقول إنه ملكي؟ احتاج التقليد قرونًا طويلة لكي يجيب بوضوح: لا يمكن.