كتب - محرر الاقباط متحدون
ألقى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك لبنان عظة مساء عيد القديس أوتل، وذلك في بلدة كفرصغاب، وفيما يلي تصريحاته :
1. كان ذاك الشاب يعرف الوصايا ويحفظها منذ صغره، لكنه كان يشعر أن شيئًا أساسيًا ما زال ينقصه. سأل عن كيفية نيل الحياة الأبدية، فأعاده يسوع أولًا إلى الوصايا، ثم انتقل به من ظاهر الالتزام إلى عمق القلب. قال له: "يعوزك أمر واحد: بِعْ كل ما لك ووزّعه على الفقراء، فيكون لك كنز في السماوات، وتعال اتبعني" (لو 18: 22).
هنا لم يعد الحديث عن وصايا يعرفها الشاب، بل عن حرية القلب. أراد يسوع أن يريه أن الإنسان لا يكفيه أن يكون صالحًا في الظاهر، إذا كان قلبه ما زال مربوطًا بما يملك. فحزن لأنه كان غنيًا جدًا، وانكشف أمامه أن المال لم يكن مجرد شيء بين يديه، بل شيئًا أمسك بقلبه.
إن يسوع لا يدين المال، ولا يجعل الفقر غاية بحد ذاته، لكنه يحرر الإنسان من كل ما يمنعه من السير وراءه. فالقضية ليست فقط في مقدار ما نملك، بل في مقدار ما يملكنا حبُّ المسيح. والكلمة الأهم تبقى: «تعال اتبعني». فالترك ليس غاية، والتجرد ليس فراغًا، بل طريق إلى حرية أعمق. عندما يخفّ حِمْل القلب، يصبح السير وراء المسيح ممكنًا.
2. يسعدني أن أوجّه تحية محبة وتقدير إليكم يا أهالي كفرصغاب الأعزّاء، الحاضرين منكم والغائبين والمنتشرين، الذين تحافظون عامًا بعد عام على هذا التقليد الإيماني الجميل. وأحيّي جميع الآتين من أماكن أخرى. وأشكر حضرة الخوري أوتل على كلمة الترحيب التي تلاها باسمكم. إنّا نحتفل بعيد القديس أوتل البار، الذي تعيّد له رعية كفرصغاب العزيزة اليوم. فنهنّئكم بالعيد، راجين أن يكون موسم خير ونِعم.
3. القديس أوتل عرف المسيح منذ صغره، فترك الوثنية واعتمد وكرّس حياته لله، ولم يتردد في ترك كل شيء من أجل إيمانه. عاش حياة صلاة ونسك، وتتلمذ على يد القديس ملكا القلزمي، ثم عاد ليشهد للمسيح بين أبناء وطنه.
وقد اشتهر بإيمانه العميق وصلاته ومعجزاته، فكان سببًا في شفاء كثيرين واهتداء واعتماد آلاف الوثنيين. وفي أواخر حياته اختار البرية مكانًا للصلاة والتنسك، وبقي أمينًا لدعوته حتى رقد بالرب سنة 327.
هكذا تلتقي سيرته بكلمة الرب يسوع في إنجيل اليوم. فقد عرف كيف يترك، وكيف يختار، وكيف يجعل المسيح قبل كل شيء. لم يكن إيمانه فكرة، بل قرار حياة؛ ولم تكن صلاته انعزالًا، بل قوة دفعته إلى الشهادة والخدمة. على مثاله احتضنت كفرصغاب عبر تاريخها، عائلات مؤمنة، وكهنة ورهبان وراهبات، ورجالات دين ودنيا.
في عشيّة عيد مار أوتل، لا نكتفي بأن نذكر سيرته، بل نطلب شفاعته ونتعلّم منه أن الإيمان الحقيقي ليس كلامًا، بل ثباتٌ في الله، وصلاةٌ، وشهادةٌ للمسيح بالحياة والأعمال. أيها القديس أوتل البار، صلِّ لأجلنا، واحفظ كفرصغاب وأهلها، الحاضرين والغائبين والمنتشرين، في الإيمان والمحبة والسلام.
4. ذاك الشاب الغني لم يكن إنسانًا بعيدًا عن الله. كان يعرف الوصايا ويحفظها، لكنه اكتشف أمام يسوع أن حفظ الوصايا وحده لا يكفي إذا بقي القلب أسيرًا لما يملكه. قال له يسوع: «يعوزك أيضًا شيء». وهذه العبارة تكشف عمق حالته. كان يملك أشياء كثيرة، لكنه كان يفتقد الحرية التي تسمح له أن يضع الله أولًا. ثم جاءت الدعوة: "بِعْ كل ما لك… وتعال اتبعني".
المعنى هنا أوسع من البيع المادي. يسوع يدعو الإنسان إلى أن يترك كل ما يمنعه من الاتباع. قد يكون المال، وقد يكون الموقع، أو المصلحة، أو الكبرياء، أو الخوف، أو التعلّق بعادة أو نفوذ. لكل إنسان شيء قد يتحول من نعمة إلى قيد إذا صار أقوى من حريته.
حزن الرجل لأن قلبه لم يكن مستعدًا بعد لتلك الخطوة. كان يريد الحياة الأبدية، لكنه لم يكن قادرًا أن يخفف مما تعلّق به. وهنا تظهر أمثولة الإنجيل: ليس المهم أن نملك أو لا نملك، بل أن نبقى أحرارًا تجاه ما نملك. فلا يصبح المال سيدًا، ولا الموقع غاية، ولا المصلحة أقوى من الحق.
القديس أوتل عاش هذه الحرية. ترك ما كان يمكن أن يربطه بحياة أخرى، واختار المسيح. لهذا صار غناه في إيمانه، وفي صلاته، وفي ما أعطاه للآخرين. فالخسارة الحقيقية ليست أن يترك الإنسان شيئًا من أجل الله، بل أن يربح أشياء كثيرة ويخسر حرية قلبه.
5. "بِعْ كل ما لك، وتعال اتبعني". لهذه الكلمة معنى وطني أيضًا. فبناء الوطن يحتاج إلى أن يعرف الإنسان ما الذي يجب أن يتخلى عنه من أجل الخير العام: مصلحة ضيقة، امتياز شخصي، حساب طائفي، مكسب حزبي من شأنه أن يمنع الوصول إلى قرار وطني كبير. وفي هذه المرحلة، يحتاج لبنان قبل أي شيء إلى وضوح في الأولويات، وإلى انتقال من المواقف إلى المسؤولية.
في الجنوب، تبقى الأولوية حماية الأهالي ومنع الانزلاق إلى مزيد من التصعيد، حتى يعود الاستقرار إلى القرى والبيوت، ويبقى الناس في أرضهم بأمان وكرامة. المفاوضات يجب أن تُثمر نتائج واضحة، وأن تقترن بجدّية في التنفيذ والالتزام بما يتم الاتفاق عليه. فالناس لم تعد تقيس الأمور بكثرة الاجتماعات، بل بما يتحقق فعليًا على الأرض.
وتأتي مسألة السيادة وهيبة المؤسسات. المطلوب حضور كامل على مساحة الوطن، وقرار شرعي واضح، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتنفيذ القانون. فالهيبة لا تصنعها الشعارات، بل الحضور الفعلي والقرار المسؤول. وهذا يقود مباشرة إلى تحمّل المسؤولية. لقد آن الأوان للانتقال من تبادل الاتهامات إلى قرارات فعلية تخدم المصلحة الوطنية. فاللبناني لا يحتاج إلى معرفة من يلوم من، بل إلى أن يرى من يتحمل مسؤوليته ويبدأ بالحل. أمّا الإصلاح فلم يعد يحتمل مزيدًا من الوعود. المطلوب خطوات جدية تعيد ثقة الناس بالمؤسسات، وتثبت أن الإصلاح ليس عنوانًا يُرفع، بل ممارسة تُرى في القانون والإدارة والمحاسبة.
وتبقى إعادة الإعمار وعودة الأهالي في صلب الأولويات. فالمناطق المتضررة ليست مجرد ملف، والبيوت ليست أرقامًا؛ بل وراءها عائلات وذكريات وحياة كاملة. إعادة البناء هي إعادة الإنسان إلى أرضه ومستقبله. أما الوحدة الوطنية، فهي الأساس الذي يجمع كل ذلك. لا يجوز أن يتحول الخلاف إلى خطاب طائفي أو إلى انقسام جديد. لبنان يحتاج إلى لغة وطنية جامعة، وإلى التقاء اللبنانيين حول ما يحمي وطنهم لا حول ما يفرّقهم.
6. فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا رب، حرّر قلوبنا من كل ما يعيقنا عن اتباعك، واجعلنا أمناء في إيماننا ومسؤولياتنا. وبشفاعة القديس أوتل البار، احفظ كفرصغاب وأهلها، وبارك لبنان، وثبته في الإيمان والوحدة والسلام. علّمنا أن نترك ما يقيّدنا ونتبعك، فنرفع إليك كل مجد وشكر، الآن وإلى الأبد، آمين.




