بقلم: أيمن فايز
أظن أن السريالية ظلمها اسمها بقدر ما خدمها.
فمنذ أن أصبحت «السريالية» مدرسةً لها تاريخها وأعلامها وكتبها، بدأنا نعرف مسبقًا ماذا ننتظر منها: حلمًا، جسدًا يتشوه، زمنًا يذوب، أشياء تتجاور بلا منطق، ومشهدًا يدهشنا لأنه لا يمكن أن يحدث في الواقع.

لكن ماذا لو كان هذا كله قد أصبح هو الآخر نوعًا من الواقعية؟
حين تتكرر الغرابة، تصبح مألوفة. وحين يصبح للدهشة قاموس، تفقد الدهشة معناها.
لهذا لا أرى أن مهمة الفنان السريالي اليوم هي أن يرسم ما يستحيل وجوده، بل أن يكشف ما هو موجود ولا نراه.
وهنا، بالنسبة إليّ، تبدأ السريالية من مكان مختلف.

لقد مارست الفن طويلًا، ودرست الإيقونة البيزنطية في تقاليدها اليونانية والروسية، وهناك تعلّمت شيئًا لم يغادرني: أن الصورة ليست مطالبة دائمًا بأن تكون مرآة.

في الإيقونة، لا يخضع الفنان للطبيعة كما تراها العين. المنظور قد ينقلب، والنِّسب لا تبحث عن الإقناع التشريحي وحده، والضوء لا يأتي بالضرورة من نافذة، والوجه لا يراد له أن يكون صورة فوتوغرافية لإنسان. كل شيء يمكن أن يتحرر من منطقه البصري لكي يخدم حقيقة أخرى أعمق منه.

وهذا جعلني أتساءل:
إذا كان من الممكن أن نغيّر شكل المرئي لكي نقترب من معنى غير مرئي، فلماذا نظل نعامل السريالية باعتبارها فنَّ الأحلام والغرائب؟
بالنسبة إليّ، السريالية ليست الهروب من الواقع، بل تحرير الواقع من شكله الوحيد.

فالإنسان الذي أمامي ليس وجهًا وجسدًا فقط. هو طفولته، وخوفه، وذاكرته، وما فقده، وما ينتظره، والأماكن التي عبرت داخله ولم تغادره. فلماذا أرسم الطبقة الخارجية وحدها ثم أقول إنني رسمت الإنسان؟
ربما يكون الوجه الحقيقي للإنسان أكبر من ملامحه.
وربما يكون الفراغ المحيط بشخصٍ ما جزءًا من شخصيته.

وربما تستطيع اليد أن تقول ما لا يقوله الوجه، ويستطيع اختلال المسافة بين جسدين أن يحكي تاريخ علاقة كاملة، وتستطيع كتلة لونية واحدة أن تحمل زمنًا لا تستطيع عشرات التفاصيل أن ترويه.
هنا تصبح السريالية، كما أفهمها، فنَّ العلاقات المستحيلة بين الأشياء الحقيقية.

لا أحتاج إلى اختراع مخلوق غريب كي أكون سرياليًا. يكفيني أن أضع الشيء العادي في علاقته النفسية الحقيقية بدل علاقته الفيزيائية المعتادة.
الأم قد تكون أكبر من البيت الذي عاشت فيه، لأن حضورها في الذاكرة كان أكبر منه.
والغائب قد يحتل في اللوحة مساحة أكبر من الحاضرين.
والزمن قد يكون كتلة بين شخصين، لا ساعة معلقة على جدار.

وربما هنا تحديدًا أجد المسافة بين السريالية التي ورثنا قاموسها، والسريالية التي أبحث عنها.
لقد كان تشويه الجسد، وكسر النِّسب، وتفكيك الأشياء أدواتٍ مشروعة في لحظتها؛ لأنها كسرت يقين العين وحررت الصورة من طاعة الواقع. لكن الأداة التي كانت ثورة بالأمس قد تصبح عادةً اليوم. وحين نعرف أن العمل سريالي لأن الوجه مشوَّه أو الجسد مفكك أو الأشياء موضوعة في غير أماكنها، نكون قد صنعنا للسريالية القاموس نفسه الذي جاءت لتتمرد عليه.

بالنسبة إليّ، السريالية لا تأتي بالضرورة من تشويه الإنسان، بل قد تبدأ من ازدواج الزمن والذاكرة داخله.
فالإنسان يعيش الآن، لكنه لا يسكن «الآن» وحده.

نحن نحمل أزمنتنا معنا. قد نرى شخصًا كما هو أمامنا، وفي اللحظة نفسها نراه كما كان منذ أعوام. وقد يصبح الغائب أكثر حضورًا من الجالس إلى جوارنا، ويختصر لونٌ أو رائحةٌ أو صوتٌ سنواتٍ كاملة في ثانية واحدة.
الذاكرة لا تعيد الماضي كما حدث؛ إنها تدخله في الحاضر وتغيّر به معنى الحاضر.

وهنا لا أحتاج إلى تشويه الإنسان؛ يكفيني أن أجعل زمنين يعيشان فيه في اللحظة نفسها.
ربما تكون هذه، في نظري، سريالية أكثر هدوءًا، لكنها أشد اختراقًا للواقع؛ لأن غرابتها ليست مستعارة من شكل غريب، بل من حقيقة نعيشها جميعًا ولا ننتبه إلى استحالتها.

ثم يعود كل شيء بسيطًا:
والصمت يمكن أن يكون له وزن.
والحنين قد يصبح فراغًا.
والخوف قد يغيّر اتجاه المنظور كله.
عندئذ لا تعود السريالية «ماذا أرسم؟»، بل من أي حقيقة أنظر؟
وهذا فارق جوهري.

لأنني أخشى أن كثيرًا من الفن المعاصر استبدل الأكاديمية القديمة بأكاديمية جديدة: كان الفنان قديمًا يتعلم كيف يرسم الجسد، واليوم يتعلم كيف يشوّه الجسد؛ كان يتعلم قواعد المنظور، واليوم يتعلم كيف يكسره؛ كان يقلّد الطبيعة، وأصبح أحيانًا يقلّد التمرد على الطبيعة.
وفي الحالتين قد يغيب الفنان.

فالحرية الفنية ليست أن أفعل عكس القاعدة. لأن عكس القاعدة قد يتحول هو نفسه إلى قاعدة.
الحرية الحقيقية أن أعرف لماذا احتاجت اللوحة إلى أن تكون هكذا، وألا يكون في العمل شيء غريب لمجرد أن يعلن غرابته.
أنا لا أريد من السريالية أن تدهش العين فقط؛ أريدها أن تجعل العين تشك في عادتها.
أن ينظر المتلقي إلى اللوحة، ثم يعود إلى الواقع فلا يراه بالطريقة نفسها.

تلك، في رأيي، واحدة من أصعب وظائف الفن.
ولهذا أيضًا لا أؤمن بأن السريالية يجب أن تبقى سجينة تاريخها. دالي عظيم، لكنه أجاب عن أسئلة زمنه بلغته هو. وإذا ظللنا نرسم بعده ساعات ذائبة بأشكال أخرى، فنحن لا نواصل السريالية؛ نحن نحوّل ثورتها إلى تراث زخرفي.
تكريم الفنان الكبير لا يكون بالسكن في بيته، بل بامتلاك الشجاعة نفسها التي جعلته يغادر بيوت الآخرين.
السريالية التي أبحث عنها اليوم أقل ضجيجًا وأكثر عمقًا.
قد تكون لوحة شديدة البساطة، لا يحدث فيها شيء خارق، ومع ذلك تشعر أمامها أن شيئًا في نظام العالم قد تحرك بضعة سنتيمترات.
وهذه السنتيمترات القليلة قد تكون أكثر سريالية من سماء مليئة بالمخلوقات العجيبة.
أريد لوحة لا تقول للمشاهد: انظر كم أنا غريبة.

بل تجعله، بعد أن يبتعد عنها، يسأل نفسه:
لماذا بدا لي هذا مستحيلًا، مع أنني أشعر أنه حقيقي؟
عند هذه اللحظة تحديدًا أعتقد أن الفن ينجح.
لأن السريالية بالنسبة إليّ ليست ما يقع فوق الواقع، ولا ما يقع تحته، ولا حتى ما يقع خارجه.
إنها ما كان موجودًا داخله طوال الوقت، ولم نجد له شكلًا بعد.

وربما هنا تبدأ مهمة الفنان الحقيقية:
ليس أن يضيف إلى العالم صورة أخرى،
بل أن يمنح شكلًا لشيءٍ كان العالم يشعر به…
قبل أن يعرف كيف يراه.