الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين نقرأ «مصباح العقل» نفسه، تتّضح صورةٌ أكثر دقّةً من القول إنّ الأنبا ساويرس بن المقفّع «استعمل العقل في شرح الإيمان». فالكتاب الذي حقّقه الأب سمير خليل اليسوعيّ عام ١٩٧٨ وصل في أربعة شواهد مخطوطة عرفها المحقّق، وكانت نسبته إلى ساويرس معروفة في التقليد القبطيّ الوسيط. والأهم أن النصّ يحمل دليله الداخلي على صاحبه: أحصى سمير خليل فيه ثماني إحالاتٍ صريحة إلى ستّة مؤلّفات أخرى لساويرس، منها «إيضاح الاتّحاد»، و«كتاب التوحيد»، وكتب الردّ على اليهود والمعتزلة، و«تفسير الأمانة»، و«تفسير الإنجيل»، و«كتاب الأحكام». وهذه الإحالات تكشف أيضًا طبيعة «مصباح العقل»: إنّه خلاصة مركّزة لمشروع أوسع سبق أن عالج ساويرس موضوعاته بالتفصيل في كتب أخرى (١).
ويوضّح ساويرس هذا بنفسه منذ المقدمة. فالكتاب جاء استجابة إلى طلب عرض واضح ومختصر للإيمان المسيحي، ولذلك تعمّد الإيجاز وترك التفصيل الجدلي لكتبه الأخرى؛ حتى إنه يقول إنه ترك «الاحتجاج على معنى معنى، والرد على المخالفين». وهذا التفصيل مهم لفهم الكتاب: «مصباح العقل» ليس مناظرة مع مسلم بعينه، ولا رسالة فلسفية مستقلة، وإنما محاولة لترتيب الإيمان المسيحي بحيث يستطيع القارئ العربي أن يعرف منطقه الداخلي. ولهذا تتجاور فيه العقيدة والكتاب المقدّس والفلسفة والطقس والأخلاق والقانون الكنسي في بناء واحد (٢). وفهرس الكتاب نفسه يكشف طموحه. يبدأ بالله الواحد، ثم الأقانيم، فالمسيح والتجسد، والأنبياء والرسل، وآلام المسيح وموته، فالقيامة والحشر. وبعد ذلك ينتقل إلى «شرائع الدين»: الصلاة والصيام والأحد والأعياد والصدقة والأطعمة والأحكام، ثم الزواج والطلاق والمماليك والمواريث. أي إن ساويرس لا يفصل «العقيدة» عن الحياة التي تنتج عنها؛ فما يقوله القبطي عن الله والمسيح يمتد عنده إلى الطريقة التي يصلّي بها، ويصوم، ويتزوج، ويمارس الرحمة، وينظّم علاقاته الاجتماعية (٣).
ويبدأ البناء اللاهوتي من الإيمان بالله الواحد. يكتب ساويرس: «فنعرفه أبًا وابنًا وروحًا قدسًا، جوهرًا واحدًا، وطبيعةً واحدة، وذاتًا واحدة» (٤). ثم يضيف مباشرة أن تسمية الآب والابن والروح القدس جاءت مما علّمه الإنجيل. وهذه النقطة تمنع قراءة الكتاب قراءة عقلانيّة مبسطة: ساويرس لا يستخرج الثالوث من العقل كما لو كان نتيجة برهان فلسفي. المعطى يأتي من الإيمان والكتاب المقدّس، ثم يبدأ عمل العقل في بيان معناه، وضبط ألفاظه، والدفاع عن إمكان قوله من غير تناقض. وهنا تظهر ثقافته الفلسفيّة. فما إن يقول إن الله «جوهر» حتى يتوقف أمام معنى الكلمة؛ لأنه يعرف أنها مصطلح مستخدم عند الجدليين والمنطقيين وله دلالات مختلفة. لذلك يرفض أن يكون الله جسمًا، لأن الجسم يقبل التركيب والتحليل والزمان والمكان والفساد، ويرفض أن يكون عرضًا، لأن العرض يحتاج إلى موضوع يقوم فيه. ثم يصرّ على أن الجوهر الإلهي لا يشبه شيئًا من جواهر العالم. فاللغة الفلسفيّة عند ساويرس لا تقدم له تعريفًا جاهزًا لله؛ إنه يأخذ مفرداتها ويفحص حدودها، ثم ينفي عن الله ما يقتضي الحدوث والتركيب. وهذه واحدة من اللحظات التي نرى فيها فعلًا اللاهوت القبطي وهو يتعلم التفكير داخل لغة الفلسفة العربيّة وعلم الكلام (٥).
وتزداد المسألة دقة عندما يصل إلى الأقانيم، فيميّز ساويرس الأقنوم عن الصفة العارضة التي توجد ثم تزول، ويبحث عن طريقة عربية تبيّن أن كلمة الله وروحه قائمان في الجوهر الإلهي ولا يشبهان الكلام والصوت والحياة الحادثة عند البشر. ثم يسمح بتعدد الألفاظ المستعملة للتعبير عن الأقانيم، مثل «أشخاص» و«خواص» و«معان» و«صفات»، ما دام المقصود مضبوطًا. وهنا يضع قاعدة لاهوتيّة ولغويّة بالغة الأهمية: «الغرض إنما هو صحة المعاني دون الأسماء». ثم ينبّه قارئه إلى أن فهم هذه المسألة حاسم في فهم الثالوث، لأنها في رأيه «أدق ما في مذهبنا» (٦). هذه العبارة تكشف شيئًا أكبر من التساهل في المصطلحات، فساويرس واعٍ بأن اللاهوت انتقل من اليونانيّة والقبطيّة إلى العربيّة، وأن الكلمة العربيّة لا تحمل بالضرورة التاريخ الاصطلاحي نفسه الذي تحمله الكلمة اليونانيّة. ولذلك يكون السؤال: ما المعنى الذي يقصده المتكلم حين يقول «جوهر» أو «أقنوم» أو «خاصّة»؟ وقد درست ملادا ميكوليتشوڤا هذه المسألة بمقارنة المصطلحات في «مصباح العقل» و«تفسير الأمانة» بالمصطلح العقائدي اليوناني، بينما بيّن رفايل فرج مقدار استفادة ساويرس من مفردات الثقافة الإسلاميّة المبكرة. نحن هنا أمام عملية بناء معجم لاهوتي عربي قبطي، لا عملية نقل آلي للألفاظ القديمة (٧).
وعندما ينتقل إلى المسيح، يظهر الأمر نفسه بصورة أخرى. يهتم ساويرس أولًا بمعنى اسم «المسيح»، ثم يدخل إلى التجسد والاتحاد، ويحيل القارئ إلى كتاب مستقل له هو «إيضاح الاتحاد» إذا أراد التفصيل في سؤالَي: لماذا التجسد؟ وكيف يتحد الأزلي بالمحدث؟ وفي حديثه عن الآلام يحافظ على وحدة المسيح، مع تمييز ما يُنسب إليه بحسب إنسانيته عما يخص لاهوته: الألم والتعب والموت يتعلقان بالإنسانية التي أخذها الكلمة، ولا يعني ذلك أن الذات الإلهية في أزليتها أصبحت قابلة للفساد أو الموت. وهو يستعمل هنا أيضًا أدوات لغوية، مثل المجاز وإطلاق ما يقال على الجزء على الكل، ليشرح كيف يمكن للخطاب المسيحي أن يقول إن «المسيح تألم» من غير أن يجعل اللاهوت ذاته عرضة للفساد (٨). لكنّ المفاجأة الحقيقية تأتي في النصف الثاني من الكتاب. فبعد الثالوث والتجسد والقيامة، لا ينتهي «مصباح العقل». ينتقل ساويرس إلى المسيحي الذي يعيش في المجتمع: كيف يصلّي؟ كيف يصوم؟ ماذا يفعل يوم الأحد؟ ما معنى الصدقة؟ وما أحكام الزواج والطلاق والميراث؟ وفي باب الصدقة لا يقصر واجب الرحمة على أهل الدين؛ فالفهرس نفسه يلخّص موقفه بعنوان «هذا الواجب يشمل المؤمن والكافر»، ثم يتحدث النص عن زيارة المرضى والمسجونين، وضيافة الغرباء، وكسوة العراة، وإطعام الجائع وإسقاء العطشان، ويستشهد بواجب إطعام العدو إذا جاع. بهذا يصبح «مصباح العقل» صورة للحياة المسيحيّة كما أراد ساويرس أن يشرحها بالعربيّة، من معرفة الله إلى معاملة الإنسان المختلف في الدين (٩).
وهذا يغيّر فهمنا لعنوان الكتاب نفسه. «العقل» عند ساويرس لا يقف في مواجهة الإيمان، ولا يعمل بدلًا من الكتاب المقدّس. وظيفته أن يفهم، ويميّز، ويحدد معنى اللفظ، ويفك الاشتباك بين ما يقوله المسيحي وما يظن الخصم أنه يقوله. لذلك يبدأ من الإنجيل، ويستدعي الآباء، ويستخدم المنطق ومصطلحات المتكلمين، ثم ينتهي إلى الصلاة والصوم والرحمة والزواج. وقد أصاب سيدني جريفيث حين رأى في «مصباح العقل» صورة مكثفة للعقيدة المسيحيّة بالعربيّة في مصر القرن العاشر؛ فالكتاب يكشف أن التحول إلى العربيّة لم يكن تغييرًا في لغة الكتابة فقط، وإنما إعادة تنظيم للطريقة التي يُعرض بها الإيمان ويُشرح ويُدافع عنه داخل عالم فكري جديد (١٠). وتؤكد بنية الكتاب نفسها هذا الاتساع، من بحث الله والأقانيم إلى الأحكام والميراث (٣). وهنا نفهم بصورة أدق ما قصدناه بعبارة «حين صار اللاهوت القبطي يفكر بالعربيّة». لم يضع ساويرس العقيدة القبطيّة القديمة في قالب عربي جاهز. كان يصنع أثناء الكتابة لغةً قادرة على حملها: يختبر معنى «الجوهر»، ويحدد معنى «الأقنوم»، ويميّز بين الاسم والمعنى، ويستعمل أدوات الفلسفة والكلام، ويعود في الوقت نفسه إلى الإنجيل والآباء والتقليد الكنسي. ومن هذا التفاعل خرج لاهوت قبطي ظل قبطيّ المرجعية، لكنه صار عربيّ التعبير والحجاج.
وفي الحلقة الأخيرة من الرباعية سنرى الوجه الآخر لهذا المشروع: حين أصبحت العربيّة أيضًا لغة الخلاف بين المسيحيّين. سنقرأ ساويرس في جدله مع سعيد بن بطريق والملكيّين والنساطرة، وفي حديثه عن المجامع والاتحاد في المسيح، لنرى كيف صاغ الأقباط هويتهم المسيحانيّة بالعربيّة في مجتمع لم تكن الحدود اللاهوتيّة بين الكنائس فيه أقل حضورًا من الحدود بين المسيحيّة والإسلام.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





