ما معنى أنّ الإنسان صورة الله؟

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في الحلقة السابقة رأينا غريغوريوس النيسّيّ يتأمّل في الإنسان أمام إلهٍ لا نهايةَ لخيره: كلّما اقترب الإنسان من الله اتسعتْ قدرته على معرفته ومحبّته، ولذلك لا يكون الكمال نقطةً يصل إليها ثم يتوقف عندها، وإنما نموًّا مستمرًّا في الخير. لكن هذه الفكرة تفترض أن في الإنسان قدرةً تجعله قادرًا على هذا النمو. ويجد غريغوريوس أساسها في العبارة الواردة في سفر التكوين: «لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا» (تك ١: ٢٦). ومن هنا يتكوّن جانبٌ كبير من فهمه للإنسان: ما معنى أن يكون الإنسان «صورة الله»؟ هل المقصود شكله الجسديّ؟ أم عقله؟ أم حرّيّته؟ وكيف يمكن لهذه الفكرة أن تؤثر في نظرتنا إلى إنسان آخر؟

كتب غريغوريوس نحو عام ٣٧٩ مؤلَّفه "في خلق الإنسان"، بعد وفاة أخيه القدّيس باسيليوس الكبير، ليكمل الحديث عن خلق الإنسان الذي لم يتوسّع فيه باسيليوس في عظاته عن الخليقة. ينظر غريغوريوس إلى الإنسان بوصفه الكائن الذي يدخل إلى عالم أُعدّ له، ويشبّه الخليقة بقصرٍ أُنجز قبل دخول الملك إليه. وقد تبدو كلمة «ملك» ضخمة، لكنّ غريغوريوس لا يقصد أن الإنسان يستطيع أن يتصرف في العالم كما يشاء. المقصود أن الله منحه العقل والقدرة على الاختيار والمسؤوليّة عن الخليقة. الحيوانات قد تتفوّق عليه بالقوة أو السرعة، أما كرامته الخاصة فتظهر في أنه يستطيع أن يعرف ويفكر ويختار الخير بإرادته(١).

وتحتل الحرّيّة مكانًا أساسيًّا في هذه الصورة. يستخدم غريغوريوس تعبيرًا يونانيًّا هو "autexousion"، ويمكن شرحه بـ«السيادة على الذات» أو «القدرة على تقرير الفعل بإرادة حرّة». فالإنسان لا تتحرّك أفعاله الأخلاقيّة كما تتحرك الأشياء بقوانين الطبيعة وحدها؛ فهو يستطيع أن يختار، ولذلك يمكن أن نسأله عن اختياراته. ويربط غريغوريوس هذا مباشرة بصورة الله: فالطبيعة البشريّة، كما يقول، «حرّة ولا سيّد لها»، وتملك أن تقود نفسها بإرادتها(٢). ويترتب على ذلك فهمه للفضيلة. إذا أُجبر الإنسان على فعل الخير بحيث استحال عليه فعل غيره، فلن يكون اختياره للخير فضيلةً بالمعنى الكامل. لذلك ترتبط كرامة الإنسان بإمكان أن يتوجّه بحرّيته إلى الخير. وهذه الحرّيّة تحمل أيضًا خطر الابتعاد عنه؛ فالإنسان يستطيع أن يستخدم القدرة نفسها في اتجاه يفسده. وهكذا تصبح «صورة الله» عند غريغوريوس أكثر من صفة نمتلكها منذ الميلاد؛ إنها أيضًا دعوة إلى أن تصبح حياتنا أكثر شبهًا بالخير الذي خلقنا.

لكن ماذا عن الجسد؟ تأثر غريغوريوس بالفلسفة الأفلاطونيّة التي أعطت النفس والعقل مكانةً عالية، وتظهر في بعض كتاباته عبارات ترفع الحياة العقليّة فوق الحياة الجسديّة. ومع ذلك يصعب أن نفصل الإنسان الحقيقي عنده عن جسده كأن النفس هي الإنسان والجسد مجرد غلاف مؤقت. ففي "خلق الإنسان" يرفض أن تكون النفس قد عاشت قبل الجسد ثم نزلت إليه، ويرفض أيضًا أن يكون الجسد قد تكوّن أولًا ثم أضيفت إليه النفس في مرحلة لاحقة. الإنسان يبدأ بوصفه وحدةً، وتنمو قدراته الجسديّة والنفسيّة معًا(٣). ويضرب لذلك مثال الحبّة. فالبذرة الصغيرة لا نرى فيها الساق والأوراق والثمرة، لكنها تحمل إمكان نموها منذ البداية, ولا يأتي كل عضو من الخارج في مرحلة مختلفة. وهكذا تتكشف حياة الإنسان تدريجيًّا. حتى اليدان وأعضاء النطق والحواس لها مكان في تفسيره للإنسان العاقل: العقل يعرف العالم من خلال الحواس، ويتكلم بواسطة الجسد، ويكتب ويصنع بيديه. لذلك ظلّت مسألة علاقة الجسد بـ«صورة الله» موضع نقاش بين الباحثين المعاصرين. بعضهم يشدّد على أولوية العقل عند غريغوريوس، بينما يرى آخرون أن حديثه، ولا سيّما إذا قرئ في ضوء القيامة، يشمل الإنسان كله، جسدًا ونفسًا(٤).

ثم يأخذ غريغوريوس هذه الأفكار إلى مكان لم يكن مألوفًا في العالم القديم: العبوديّة. ففي العظة الرابعة على سفر الجامعة يصل إلى العبارة: «اقتنيت عبيدًا وجواري» (جا ٢: ٧). ولا يمرّ عليها سريعًا، بل يواجه صاحب العبيد مباشرة: بأي حقّ تجعل إنسانًا من طبيعتك ملكًا لك؟ لقد أعطى الله الإنسان سلطانًا على الحيوانات وسائر الخليقة غير العاقلة، لكنه لم يعطِ إنسانًا سلطان الملكيّة على إنسان آخر. فكلاهما ينتمي إلى الطبيعة البشريّة نفسها، وكلاهما خُلق على صورة الله، وكلاهما يتمتع بطبيعة خلقها الله حرّة(٥). ثم تأتي عبارته الصادمة. يتخيّل سوقًا يُباع فيه الإنسان بالنقود، ويسأل مالك العبيد: «ما الثمن الذي دفعتَه؟... كم من الأوبولات قدّرتَ بها صورة الله؟»(٦). و«الأوبول» قطعة نقديّة صغيرة كانت مستعملة في العالم اليوناني. أي إن غريغوريوس يسأل حرفيًّا: حين اشتريتَ هذا الإنسان، كم قطعة نقديّة قررتَ أنها تساوي إنسانًا خُلق على صورة الله؟ وسخريته تقوم على استحالة المقارنة أصلًا. فأنت تضع النقود في كفّة، وفي الكفّة الأخرى إنسانًا عاقلًا حرًّا يحمل صورة الله، ثم تتصرّف كأن العقد التجاري استطاع أن يجعل الأمرين متساويين. ولهذا يسأل أيضًا: مَن الذي يستطيع أن يبيع هذا الإنسان؟ ومَن يملك حق شراء شخص أعطاه الله نفسه سلطانًا على الأرض؟ 

ثم يهاجم الورقة التي يستند إليها نظام العبوديّة. عقدٌ مكتوب، وبعض النقود، واتفاق اجتماعي: هل تستطيع هذه الأشياء أن تغيّر طبيعة الإنسان؟ وإذا تلف العقد أو محته قطرة ماء، فهل تغيّرت طبيعة الشخص الذي كان يسمّى عبدًا؟ يحاول غريغوريوس أن يكشف المسافة بين "الوضع القانوني" و"الحقيقة الإنسانيّة". يستطيع المجتمع أن يكتب على الورق أن فلانًا ملك لفلان، لكنه لا يستطيع أن يجعل أحدهما أكثر إنسانيّة من الآخر. ولهذا يعدّد الأشياء التي تجمع السيد والعبد: لهما الأصل البشري نفسه، ويتنفسان الهواء نفسه، ويشعران بالألم والفرح والخوف، ويصابان بالمرض، ويأكلان، ويموتان، ويعود جسداهما إلى التراب. ثم يسأل صاحب العبد: إذا كنتما متساويين في هذه كلها، «فما الزيادة التي فيك حتى تظن أنك سيد إنسان آخر وأنت نفسك إنسان؟»(٧).

قوة هذا الكلام تظهر عندما نتذكر أن غريغوريوس يتحدث في القرن الرابع، في عالم كانت العبوديّة جزءًا عاديًّا من الاقتصاد والنظام الاجتماعي والقانون. كان من الممكن أن يطالب واعظٌ السيدَ بالرحمة بعبده أو بتحسين معاملته. غريغوريوس يذهب إلى أصل العلاقة نفسها: الطبيعة البشريّة حرّة، ولذلك لا يمنح اختلاف الوضع الاجتماعي إنسانًا حق امتلاك إنسان آخر. وتلخّص دراسة حديثة في كامبردج حجته في ثلاث نقاط مترابطة: البشر يشتركون في طبيعة واحدة، وهذه الطبيعة حرّة، والسلطان الذي منحه الله للإنسان يشمل الخليقة غير العاقلة ولا يشمل امتلاك البشر بعضهم لبعض. بل يصل غريغوريوس إلى عبارة أشد جرأة. يقول إن سلطة بيع الإنسان وامتلاكه لا تليق إلا بالله، ثم يصحح نفسه فورًا: «بل حتى الله نفسه لا يفعل ذلك»، لأن عطايا الله لا رجوع فيها، والله هو الذي يدعو الإنسان من العبوديّة إلى الحرّيّة. فإذا كان الله لا يستعبد الطبيعة التي خلقها حرّة، فكيف يضع إنسان سلطته فوق سلطة الله؟ 

ولهذا يرى بعض الباحثين في هذه العظة نصًا استثنائيًّا داخل تراث العالم القديم. وصف دفيد بنتلي هارت المقطع بأنه إدانة حادة وصريحة لمؤسسة العبوديّة نفسها، لا ببساطةٍ نقدًا لقسوة بعض السادة. ومن الضروري في الوقت نفسه ألّا نحوّل غريغوريوس إلى ناشط إلغائي بالمعنى السياسي الحديث؛ فلم يترك لنا برنامجًا لتغيير قوانين الإمبراطوريّة أو حركةً منظّمة لإنهاء العبوديّة. لكن قوة النص تظل واضحة: علاقة الملكيّة نفسها تصطدم، في منطقه، بحرّيّة الطبيعة البشريّة وبكون الإنسان صورةً لله. وهنا نفهم لماذا يحتل مفهوم «صورة الله» مكانًا يتجاوز التأمل في النفس. فهو يحدد أيضًا الطريقة التي ينبغي أن أنظر بها إلى الآخر. إذا كان الإنسان صورة الله، فلا تتوقّف هذه الصورة عندما يصبح فقيرًا أو ضعيفًا أو أسيرًا أو عبدًا. والقانون يستطيع أن يغيّر وضعه الاجتماعي، لكنه لا يستطيع أن يغيّر طبيعته. وبذلك تتحول فكرة لاهوتيّة عن الخلق إلى معيار أخلاقي نحاكم به المجتمع نفسه.

وتتصل هذه الحلقة مباشرة بما رأيناه في الحلقة السابقة. الإنسان قادر على التقدّم المستمر في الخير لأنه كائن حرّ خُلق على صورة الله. وهذه الحرّيّة لا يمكن أن تكون امتيازًا لفئة من البشر دون أخرى. فإذا كان السيد والعبد يشتركان في الطبيعة نفسها، فإن محاولة أحدهما امتلاك الآخر تصبح تناقضًا داخل الجنس البشري نفسه: الإنسان الذي خُلق سيّدًا على الأشياء يجعل إنسانًا آخر شيئًا من أشيائه. ولهذا يبدو سؤال غريغوريوس عن «ثمن صورة الله» عنيفًا ومقصودًا. إنه يضع عملات السوق أمام الإنسان ويسأل: كم قطعة نقديّة تساوي عقلًا وحرّيّةً وحياةً خُلقت على صورة الله؟ والجواب الذي تقوم عليه حجته كلها هو أن السؤال نفسه يكشف العبث: ما منح الله له كرامة الطبيعة الإنسانيّة لا يستطيع عقد بيع أن يحوّله إلى شيء.

في الحلقة القادمة: غريغوريوس النيسّيّ ومكرينا: ماذا يبقى من الإنسان بعد الموت؟ وكيف أعاد في كتابه "في النفس والقيامة" صياغة أسئلة أفلاطون عن النفس والجسد والخلود داخل الإيمان المسيحيّ بالقيامة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ