محرر الأقباط متحدون
حذر بطريرك القدس للاتين الكاردينال بيرباتيستا بيتسابالا من تصاعد العنف والتوتر في الضفة الغربية، واصفًا المنطقة بأنها باتت أرضًا بلا قانون في ظل تزايد الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين، وغياب الإجراءات الأمنية والقانونية الكفيلة بوضع حد لهذا التصعيد.
جاءت تصريحات غبطته خلال مشاركته في اليوم الختامي للقاء الصداقة بين الشعوب في مدينة ريميني الإيطالية، داعيا الدول الغربية إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية للمساعدة في تهدئة الوضع في الشرق الأوسط، ومؤكدًا أن الدبلوماسية، وعلى الرغم مما تعانيه من ضعف، تبقى الطريق الوحيد لتجنب اللجوء إلى السلاح والعنف والقوة العسكرية.
هذا ثم أشار بطريرك القدس للاتين إلى أن الوضع في قطاع غزة تدهور بشكل كبير ولا يزال كارثيًا على المستوى الإنساني، لكنه اعتبر أن المشهد السياسي أصبح أكثر استقرارًا نسبيًا، مع استمرار النقاشات بشأن سبل الخروج من الأزمة. وشدد بيتسابالا على ضرورة عدم الخلط بين الأمل والتفاؤل أو انتظار حل سياسي سريع، موضحًا أن الأمل الحقيقي ينشأ من الداخل، ومن الأشخاص الذين يختارون التعاون رغم الانقسام، سواء كانوا إسرائيليين أو فلسطينيين، يهودًا أو مسلمين أو مسيحيين. وأكد أن الأمل يظهر أيضًا عندما يرفض الإنسان نزع الصفة الإنسانية عن الآخر، ويختار مساعدته والوقوف إلى جانبه.
بعدها جدد الكاردينال بيتسابالا دعمه لحل الدولتين معتبرًا أنه الطريق الوحيد للاعتراف بحق الشعبين في أن تكون لهما دولة وبيت في أرضهما. وفيما يتعلق بزيارة البابا لاون الرابع عشر المرتقبة إلى الأراضي المقدسة، قال إن الزيارة ستتم عاجلًا أم آجلًا، لكنها تحتاج إلى إعداد الظروف المناسبة حتى تحقق نتائج ملموسة، مشددًا على ضرورة تجنب الاستعجال أو الاكتفاء بخطوات رمزية لا تندرج ضمن مسار متكامل وهادف.
خلال حوار مع مجموعة من الشباب في ختام فعاليات لقاء ريميني، حذر غبطته من الآثار الإنسانية والنفسية للحرب، مؤكدًا ضرورة عدم السماح لمنطق الحرب بأن يتحول إلى طريقة دائمة في التفكير والتعامل مع الآخر. وقال إن الحرب تسرق من الشباب أجمل سنوات حياتهم، وقد تسلبهم حياتهم نفسها، مشيرًا إلى أن هذا الأمر ينطبق على أوكرانيا كما ينطبق على الشرق الأوسط. وأوضح أن من أخطر نتائج الحرب تحويل الآخر إلى شخص مجرد من إنسانيته، لأن الاعتراف بإنسانية الخصم يجعل قتله أكثر صعوبة، ولذلك يجب ألا يسمح الإنسان لمنطق الحرب بأن يسيطر على ضميره.
بعدها دعا بطريرك القدس للاتين إلى عدم اختزال السلام في الشعارات أو المقاربات الساذجة، مؤكدًا أن واقع الشرق الأوسط معقد، وأن تحقيق السلام يحتاج إلى عمل سياسي حقيقي يأخذ في الاعتبار المصالح والتوازنات وعلاقات القوة. لكنه حذر في الوقت نفسه من تحول السياسة إلى مجرد صراع مصالح، مؤكدًا الحاجة إلى أصوات تذكّر دائمًا بمفهوم المصلحة العامة، التي يجب ألا تُهمَل أو تُنسى. وأشار إلى أن دور القيادات الدينية والمجتمع المدني يكتسب أهمية كبيرة في ظل ما وصفه بضعف المؤسسات السياسية وعجزها عن العمل من أجل المصلحة العامة.
في معرض حديثه عن كيفية مواجهة الألم في الشرق الأوسط، شدد بيتسابالا على أهمية عدم ترك من يعاني وحيدًا، معتبرًا أن الحضور إلى جانب الإنسان المتألم قد يكون أهم من كثرة الكلمات. وقال إن الصلاة تمثل مساحة يسلم فيها المؤمن إلى الله مشاعر العجز وعدم القدرة على مساعدة الجميع، داعيًا إلى العودة إلى المسيح كلما شعر الإنسان بأنه لم يعد قادرًا على الاستمرار، ثم البدء من جديد.
بالنسبة للحوار بين الأديان، رأى غبطته أن الحوار الحقيقي يبدأ عندما يتغلب الإنسان على الخوف من الآخر، ويلتقي به من دون أحكام مسبقة أو شعور بالتهديد. وأوضح أن الحوار لا ينبغي أن يبقى محصورًا بين النخب الدينية، بل يجب أن ينتقل إلى المجتمعات المحلية، من خلال لقاءات مباشرة بين الناس، ولا سيما بعد الحرب في غزة وما خلفته من جراح عميقة وسوء فهم متبادل. وأكد في هذا السياق أن التعامل مع الآخرين وفق تصنيفات عامة، مثل اليهود أو المسلمين أو الفلسطينيين، قد يؤدي إلى التعميم وإلى رؤية الآخر كعدو، مشددًا على أن العنف يبدأ أولًا من القلب ومن الكلمات.
وفي ظل الاستقطاب وانتشار الأخبار المضللة، دعا بطريرك القدس للاتين إلى الاستماع إلى وجهات نظر متعددة، بما في ذلك الآراء التي لا نتفق معها. وأشار إلى أن الخوارزميات الرقمية غالبًا ما تدفع المستخدم إلى رؤية المحتوى الذي يتوافق مع اهتماماته وقناعاته، ولذلك يصبح من الضروري الاستماع إلى أصوات مختلفة، والقدرة على التمييز بين الخطاب المتوازن والخطاب العدواني أو الذي ينزع الإنسانية عن الآخر. واعتبر أن فهم واقع الشرق الأوسط يتطلب هذا الجهد المستمر، لأن "لا شيء يبدو كما هو، وكل شيء شديد التعقيد" على حد قوله.
هذا ثم تناول الكاردينال بيتسابالا مفهوم تنقية الذاكرة، موضحًا أن ذلك لا يعني نسيان الماضي أو تجاهل الظلم والمعاناة، بل يعني عدم السماح لجراح الماضي بأن تحدد مستقبل الأجيال الجديدة. وأشار إلى وجود روايات تاريخية مختلفة في الشرق الأوسط، مؤكدًا ضرورة احترام حق الآخرين في قراءة الأحداث من منظورهم، مع رفض استخدام الماضي لتبرير مشاعر الحقد والانتقام.
وختم غبطته مداخلته بالتأكيد على أن مواجهة اللامبالاة تحتاج إلى الشغف والفرح والصداقة، معتبرًا أن هذه القيم قادرة على الانتقال من شخص إلى آخر، وفتح مساحات جديدة للتواصل والسلام.




