فاطمة ناعوت
حين نقول: «إحنا الكفاتسة»، فنحن لا نرفع شعارًا دينيًا، بل نستعيدُ تعريفًا قديمًا يقول: «نحن المصريون». فقبل أن تصبح كلمة «قبطى» فى الوجدان الشعبى مرادفًا للمسيحى المصرى، كانت تعنى: «المصرىّ».
فالكلمة تعود إلى العبارة المصرية القديمة «حوت- كا- بتاح»، أى: «منزل روح الإله بتاح»، وهو اسم المعبد العظيم فى مَنْف. حوت= منزل، كا= الروح. وحين دخل اليونانيون مصر، نقلوها إلى لغتهم بصيغة: Aigyptos أى: «مصر»، ثم Aigyptios أى: «المصرى». ومن هذا الأصل جاءت كلمة «قِبط» فى العربية، بمعنى: المصريين. ومع تعاقب القرون، ضاق مدلولُ الكلمة حتى غلب استعمالُها للدلالة على مسيحيى مصر، لأنهم حافظوا على هذا الاسم التاريخى. بينما بقى معناها الأصلى شاهدًا على أنها هُوية أبناء مصر، لا وصفًا لعقيدة. ثم دخلت العامية المصرية كلمةُ «كوفتس- كفاتسة»، كتحوير شعبى لكلمة: «قبط» Coptic. لذلك، فهى كلمة تشريف وتعزيز للهوية المصرية، أقدم الهويات الحضارية فى التاريخ.
أنا «كوفتس» مسلمة، وصديقتى «كوفتس» مسيحية. نختلف فى العقيدة، ونتفق على الإيمان بالإله الواحد الأحد. وقبل العقائد، تجمعنا «مصرُ»، ويجمعنا الوطن.. ولهذا، حين يرتفع الأذانُ من المآذن، وتدق أجراس الكنائس، لا نسمع صوتين متنافسين، بل نسمعُ صوتَ مصر يناجى اللهَ بألسن الإيمان. تلك واحدة من فرائد مصر العظيمة التى لا تشبهُ إلا نفسها.
وأعيادُنا، نحن المصريين، لها فرادتُها كذلك. أحيانًا تختار السماءُ أن تُزامنَها، وكأنها تكتب رسالة إلى أهل مصر قبل الاحتفال. هذا العام يتزامن عيدُ السيدة العذراء مريم، عليها السلام، مع المولد النبوى الشريف. وهنا فرصة أخلاقية تجعلنا نتذكر أن الأرض التى حملت آلاف السنين من الحضارة، مستحيلٌ أن تضيق باختلاف المؤمنين عليها.
«مريم العذراء» هى السيدةُ الوحيدة التى خُصصت لها فى القرآن الكريم سورةٌ باسمها: «سورة مريم»: «وإذا قالتِ الملائكةُ يا مَريم إن اللهَ اصطفاكِ وطهَّركِ واصطفاك على نساء العالمين». وفى الإنجيل، تُطوَّبُ السيدةُ «مريم» بقول أليصابات: «مباركةٌ أنتِ فى النساء، ومباركةٌ هى ثمرةُ بطنك». وأما ثمرةُ بطن العذراء فكانت السيد المسيح، عليه السلام، الذى وصفه القرآن الكريم: «ولنجعله آيةً للناس ورحمةً منّا»، مثلما يصف القرآنُ رسولَ الله، عليه الصلاة والسلام: «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين». وكأن الكتابين، والعيدين، يلتقيان عند كلمة واحدة: الرحمة.
لكن الأديان لا تتجلّى فقط فى كتبها المقدسة، بل فى سلوك المؤمنين حين يغلقون الكتب ويخرجون إلى الشارع. هنا يبدأ الامتحانُ الحقيقى، ونعرف كيف يكون كلُّ إنسان سفيرًا لدينه. فالطيبون سفراءُ لدينهم، والأشرارُ يسيئون إليه. وفى الطيبة والحنوّ تتجلّى عبقرية المصريين «الكفاتسة»، مسلمين ومسيحيين، ويشرقُ الوجدان المصرى السوى.
تطرقُ صحونُ كعك العيد أبوابَ سكان العمارة والحى، دون أن تسأل: ما دينك؟ المسلم يحمل كعك العيد إلى جاره المسيحى، والمسيحى يرسل كعك عيده إلى جاره المسلم. وفى رمضان، يتحرج أشقاؤنا المسيحيون من الأكل والشرب أمامنا، مهما قلنا لهم: تفضلوا. يحترمون مشاعرنا، حيث لا قانون ولا منطق يُلزمهم بذلك. لكنه الذوق الإنسانى والوداعة التى تسبق القانون وتعلو على المنطق. تلك التفاصيل الصغيرة، ليست مجرد عادات عابرة، بل هى فى الحقيقة الأعمدة الخفية التى تحمل سقفَ المجتمع، فلا ينهار.
الحضارة ليست فى الأبراج الشاهقة، ولا فى حجم الاحتياطى النقدى. تلك مظاهرُ ثراء. الحضارة تبدأ من «الإنسان»؛ من احترامه لإنسان آخر يختلف عنه فى العقيدة أو اللون أو اللغة أو الرأى. حين يصبح الإنسانُ فى ذاته «غايةً» لا «وسيلة»، يبدأ العمران وتُشرقُ الحضارة. الفيلسوف الإسبانى «خوسيه أورتيجا إى جاسيت» يقول: «الحضارة هى الإرادة فى العيش المشترك. ويكون الإنسانُ همجيًّا حين يعجزُ عن مراعاة الآخرين». وهذه الفكرة هى الوجه الفلسفى لما تقوله الأديانُ منذ قرون: إن قيمة الإنسان لا تنبع من انتمائه إلى جماعة، بل من الإنسانية.
الإنسان البدائى ينتمى إلى أسرته، وقبيلته. أما المتحضرُ فيحبُ البشرية كلها. إذ لا يرى فى الآخر تهديدًا، بل شريكًا فى المصير الإنسانى. ولذلك فإن معيار التحضر ليس أن نحب مَن يشبهنا، فتلك بديهة، بل أن نحترم مَن يختلف عنا. هذا هو الامتحان الحقيقى للأخلاق. ولهذا حسم القرآنُ المسألة بقوله: «يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا»، ولم يقل: لتنازعوا. وحسم الإنجيلُ المسألة بقوله: «طوبى لصانعى السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون». فالتعارف وصناعة السلام هما أصل الحضارة. لا نحتاج أن نتشابه حتى نتبادل المحبة. فالله لم يخلق الناس نسخةً واحدة، اختلافنا أحدُ أسرار جمال الكون. كل عام والكفاتسة بخير، مسلمين ومسيحيين.
مقام السؤال:
عام 2016 بدأتُ مشروع كتاب عنوانه: (أنا كوفتس)، وأتممته عام 2019. ولكن ضربات القدر وغزو كورونا، أبقته حبيسَ الأدراج. فهل آن أوانُ خروجِه للنور؟
نقلا عن المصري اليوم





