الباب الأوّل: ولادة لاهوت التحرير: كيف تغيّر السؤال؟
الفصل الأوّل:من الفقير في التقليد المسيحيّ إلى «المسألة الاجتماعيّة»


الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

قد يكون أكبر خطأ في كتابة تاريخ لاهوت التحرير أن نبدأ بالأب جوستاڤو جوتيّيرّث الدومنيكانيّ. فلا يعني ذلك بأي شكلٍ من الأشكال التقليل من مكانته في تأسيس التيّار، وإنّما لأنّ البداية منه تجعل الظاهرة تبدو نتيجة كتابٍ أو عالمِ لاهوت، بينما نشوء مدرسةٍ لاهوتيّة من هذا الحجم يتطلّب تحوّلًا أوسع في طريقة رؤية العالم والكنيسة والإنسان. لقد صدر كتاب «لاهوت التحرير» عام ١٩٧١، لكن السؤال الذي جعله ممكنًا أخذ يتشكّل قبل ذلك بزمنٍ طويل. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال الأوّل مَن أسّس لاهوت التحرير؟ وإنّما: لماذا صار ممكنًا في القرن العشرين أن يظهر لاهوتٌ يحمل هذا الاسم، بينما لم يظهر بهذه الصورة في القرون السابقة؟

١. القديم والجديد: الفقراء لم يدخلوا المسيحيّة في القرن العشرين
لم يكن التقليد المسيحيّ القديم غافلًا عن الفقر. وهذا أمرٌ ينبغي تقريره بوضوح، لأنّ بعض الروايات المتحمّسة للاهوت التحرير توحي أحيانًا بأنّ المسيحيّة اكتشفت البُعد الاجتماعيّ للإنجيل في القرن العشرين. يكفي أن نعود إلى إنجيل لوقا لنجد أنّ إعلان يسوع في مجمع الناصرة يرتبط بـ«تبشير الفقراء» وإطلاق المأسورين والمنسحقين (لو ٤: ١٨–١٩)، وأنّ أولى التطويبات عند لوقا تخاطب الفقراء مباشرةً: «طوبى لكم أيّها الفقراء، لأنّ لكم ملكوت الله» (لو ٦: ٢٠). وفي سفر أعمال الرسل ترتبط صورة الجماعة المثاليّة بإعلان أنّه «لم يكن فيهم أحدٌ محتاجًا» (رسل ٤: ٣٤). ولم تكن هذه النصوص هامشيّةً في التقليد الآبائيّ؛ فقد استُعملتْ مرارًا في بناء أخلاقٍ مسيحيّة شديدة النقد لتكديس الثروة.[8] هذه النقطة مفتاح المقارنة بين التقليد القديم ولاهوت التحرير: الجديد ليس «محبّة الفقراء»، وإنّما طريقة تفسير الفقر نفسه.

ويتّضح ذلك بصورةٍ قويّة عند القدّيس باسيليوس الكبير (نحو ٣٣٠–٣٧٩). ففي عظاته الاجتماعيّة، ولا سيّما تفسيره لمثل الغنيّ الذي هدم مخازنه ليبني أكبر منها، لا يتعامل مع فائض الثروة بوصفه ملكيّةً محايدة يستطيع صاحبها أن يحسن استخدامها أو يسيئها فحسب. فاحتفاظ الغنيّ بما لا يحتاج إليه يصبح، في منطقه الأخلاقيّ، حجبًا لما يحتاج إليه الآخرون. ولهذا تأتي عباراته شديدة القسوة عن الخبز المحفوظ الذي ينتمي إلى الجائع، والثوب المخزون الذي يحتاج إليه العريان.[9] لا يقدّم القدّيس باسيليوس نظريّةً في الاقتصاد السياسيّ ولكنّه بوصفه لاهوتيًّا يضع مبدأً سيظلّ حاضرًا في التعليم المسيحيّ اللاحق: الملكيّة لا تلغي الوجهة العامّة للخيرات.

ويذهب القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم (نحو ٣٤٧–٤٠٧) في الاتّجاه نفسه. ففي عظاته حول الغنى والفقر يرفض أن تُفهم الصدقة بوصفها كرمًا اختياريًّا يُظهر فضيلة الغنيّ وحده، لأن ثروة الإنسان نفسها محكومةٌ بعلاقته بالجماعة والمحتاجين. ومن هنا تظهر عنده لغة «الدين» للفقير، بل إن منع المحتاج ممّا يلزمه يمكن أن يُقرأ بوصفه ظلمًا لا مجرّد نقصٍ في السخاء.[10] ويستطيع القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو (نحو ٣٣٩–٣٩٧) أن يذهب إلى أصل المسألة في الخلق نفسه: الأرض خُلقت للناس جميعًا، ومن ثمّ فإن تقسيم الخيرات لا يستطيع أن يمحو بصورةٍ مطلقة الأصل المشترك لعطايا الله.

هذه النصوص تكشف شيئًا مهمًّا: لا يمكن تعريف الفرق بين آباء الكنيسة ولاهوت التحرير بأنّه الفرق بين لاهوتٍ «روحيّ» ولاهوتٍ «اجتماعيّ». فالآباء امتلكوا خطابًا اجتماعيًّا قويًّا، وقد يكون خطاب بعضهم في الثروة أكثر حدّة من خطاب عددٍ كبير من الوعّاظ المعاصرين. والفرق الحقيقيّ يقع في مستوى آخر. لقد كان سؤال الآباء أخلاقيًّا في المقام الأوّل: ماذا يفعل امتلاك الثروة بالإنسان؟ وما واجبه تجاه المحتاج؟ وكيف تُمارس العدالة والمحبّة؟ أمّا السؤال الذي سيظهر في العالم الحديث فهو سؤالٌ يتعلّق أيضًا بالنظام: هل يمكن أن تكون المؤسّسات والعلاقات الاقتصاديّة نفسها منتجةً للفقر، بحيث لا يكفي إصلاح سلوك الأفراد من داخلها؟ ولا ينبغي أن نطالب العالم القديم بأن يصوغ السؤال بالمفردات الحديثة. فالإمبراطوريّة الرومانيّة لم تعرف الرأسماليّة الصناعيّة، ولا الشركة متعدّدة الجنسيّات، ولا سوق العمل بالمعنى الحديث، ولا الاقتصاد الماليّ العالميّ، ولا الدولة الاجتماعيّة. لذلك لم تكن أدوات الاقتصاد السياسيّ وعلم الاجتماع متاحةً للآباء كما ستتاح لاحقًا. وهذا لا يعني أن بنيات عالمهم كانت عادلةً، أو أنّها كانت خارج النقد؛ فالتفاوت الاجتماعيّ والرقّ والضرائب والاستغلال كانت حقائق واقعيّة. المقصود أن «البنية الاقتصاديّة» لم تكن قد أصبحت موضوعًا مستقلًّا للتحليل العلميّ بالطريقة التي ستصبح بها في العصر الحديث.

ومن هنا ينبغي الحذر من أن نخلق «لاهوت تحريرٍ آبائيّ» بأثرٍ رجعيّ. إنّنا نستطيع أن نجد عند القدّيس باسيليوس أو القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم عناصر ستدخل لاحقًا في التفكير التحريريّ: أولويّة الفقير، والوظيفة الاجتماعيّة للثروة، ونقد الترف، والعلاقة بين العبادة والعدالة. لكن وجود هذه العناصر لا يجعلهم لاهوتيّي تحرير قبل ظهور لاهوت التحرير. فالتيّارات اللاهوتيّة لا تتحدّد فقط بالمبادئ التي تتبنّاها، وإنّما أيضًا بالأسئلة التاريخيّة التي تنظّم هذه المبادئ داخلها. وفي هذه النقطة بالذات يمكن فهم الجديد الذي سيظهر بعد قرون. لم يعد الفقير مجرّد الشخص الذي يقف أمام الغنيّ ويطلب منه الطعام؛ صار أيضًا العامل داخل المصنع، والفلّاح داخل نظام ملكيّةٍ غير عادل، والمجتمع الواقع داخل شبكة تبعيّةٍ دوليّة، والفئات التي تُقصى بفعل مؤسّسات وقوانين وآليّات إنتاج. ومع تغيّر صورة الفقير تغيّر سؤال العدالة نفسه. ومن هنا ستتغيّر وظيفة اللاهوت تدريجيًّا: من تعليم الفرد كيف يستخدم ما يملك، إلى مساءلة الكيفيّة التي تُنتج بها الملكيّة والثروة والفقر داخل المجتمع.

لكن قبل الوصول إلى الثورة الصناعيّة، كان على التقليد المسيحيّ أن يمرّ بمرحلةٍ أخرى بالغة الأهمّيّة: العصور الوسطى، حيث تطوّرت بصورةٍ عميقة نظريّة الملكيّة والعدالة وحقّ المحتاج، كما نشأت شبكاتٌ واسعة من مؤسّسات الرعاية؛ من غير أن يظهر بعدُ تحليلٌ بنيويّ للمجتمع بالمعنى الحديث. وفيها سنلتقي، خصوصًا، بالقدّيس توما الأكوينيّ الدومنيكانيّ، وبالتوتّر الذي سيبقى حاسمًا في الفكر الاجتماعيّ الكاثوليكيّ: الملكيّة الخاصّة مشروعة، لكن استعمال الخيرات لا يفقد وجهته المشتركة، والضرورة القصوى تستطيع أن تتقدّم حتّى على حقّ المالك. وقد صاغ القدّيس توما ذلك بصورةٍ شديدة الوضوح في «الخلاصة اللاهوتيّة»، عندما قرّر أن أخذ الإنسان ما يلزم لبقائه في حال الضرورة القصوى لا يحمل، بالمعنى الدقيق، صفة السرقة، لأن الضرورة تجعل ما يأخذه ضروريًّا لحفظ حياته.[11] وهذه الفكرة ستصبح لاحقًا أحد الجسور المهمّة بين الأخلاق المدرسيّة والتعليم الاجتماعيّ الحديث. 

وهنا ينبغي أن نتوقّف قبل الانتقال إلى المرحلة التالية؛ لأن السؤال بدأ يتغيّر بالفعل. الكنيسة الأولى والآباء أجابوا بقوّة عن سؤال: «ماذا يعني أن يحبّ المسيحيّ الفقير وأن يستخدم خيرات الأرض بعدل؟». أمّا السؤال الذي لم يكن قد اكتسب بعد صورته الحديثة فهو: «ماذا نفعل إذا لم يكن الفقر ناتجًا فقط من قسوة أشخاص، بل من الطريقة التي يُبنى بها المجتمع نفسه؟».

ذلك هو السؤال الذي سيقودنا من العصور الوسطى إلى «المسألة الاجتماعيّة»، ومنها إلى ولادة لاهوت التحرير.

#مدخل_إلى_لاهوت_التحرير

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ