المقدّمة: لماذا نقرأ لاهوت التحرير اليوم؟

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من الصعب أن يُذكر "لاهوت التحرير" من دون أن تسبقه صورٌ جاهزة. ففي بعض الأوساط يُقدَّم بوصفه لاهوتًا ماركسيًّا دخل الكنيسة من باب السياسة، وفي أوساطٍ أخرى يُحتفى به بوصفه اللحظة التي اكتشفت فيها المسيحيّة، أخيرًا، الفقراء والعدالة الاجتماعيّة. وبين الصورتين تضيع غالبًا الظاهرة التاريخيّة واللاهوتيّة نفسها. فلم يبدأ لاهوت التحرير من رغبةٍ في إنشاء عقيدةٍ جديدة، ولم يكن هو الذي أدخل الفقير إلى الكتاب المقدّس أو إلى التقليد المسيحيّ؛ كما أنّ تاريخه لا يمكن فصله عن الأسئلة السياسيّة والاقتصاديّة التي اجتاحت أمريكا اللاتينيّة في النصف الثاني من القرن العشرين. ومن هنا يحتاج فهمه إلى شيءٍ أصعب من الدفاع عنه أو إدانته: يحتاج إلى إعادة بناء السؤال الذي جعل ظهوره ممكنًا.

فعندما نشر الأب جوستاڤو جوتيّيرّث الدومنيكانيّ (١٩٢٨–٢٠٢٤) كتابه «لاهوت التحرير: التاريخ والسياسة والخلاص» عام ١٩٧١ (صدرت ترجمته العربيّة من دار الأكوينيّ، مصر ٢٠١٧ ترجمة جان رزق الله والأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ)، لم يكن يقترح موضوعًا جديدًا يضاف إلى موضوعات اللاهوت القديمة، بل كان يعيد النظر في طريقة ممارسة اللاهوت ذاتها. يبدأ كتابه، على نحوٍ له دلالته، بفصلٍ عنوانه «اللاهوت: تأمّل نقديّ»، وفيه يراجع الوظائف الكلاسيكيّة للاهوت بوصفه حكمةً ومعرفةً عقليّة، ثمّ يطرح الوظيفة التي ستصبح إحدى العلامات المميّزة لمشروعه: اللاهوت بوصفه «تأمّلًا نقديًّا في الممارسة»[1]. ولا يعني ذلك أن الممارسة تحلّ محلّ الوحي، أو أن الواقع الاجتماعيّ يصبح مصدرًا جديدًا للإيمان؛ المقصود أن اللاهوت لا يمارس مهمّته خارج التاريخ، وأنّ الأسئلة التي يحملها الإنسان إلى كلمة الله ليست مستقلّة عن الحياة التي يعيشها. ولهذا كان جوتيّيرّث يصف اللاهوت بأنّه فعلٌ يأتي بعد الالتزام الحيّ بالإيمان، «فعلٌ ثانٍ» لا بمعنى أنّه ثانويّ، بل لأنّه تأمّلٌ نقديّ في حياة الإيمان وممارستها[2].

وهذه النقطة ضروريّة منذ البداية، لأنّها تسمح بفهم ما كان جديدًا فعلًا في لاهوت التحرير. إنّ الجديد لم يكن اكتشاف أنّ الله يحبّ الفقراء، فالكتاب المقدّس، من أنبياء إسرائيل إلى إنجيل لوقا ورسالة يعقوب، لا يسمح بمثل هذا الادّعاء. ولم يكن الجديد اكتشاف أن الثراء يمكن أن يصبح ظلمًا؛ فقد امتلأت عظات القدّيس باسيليوس الكبير والقدّيس يوحنا الذهبي الفم والقدّيس أمبروزيوس بنقد احتكار الخيرات وإهمال المحتاجين. ولم يكن الجديد أيضًا القول إنّ الإيمان يحمل نتائج اجتماعيّة؛ فهذا حاضرٌ في تقليد الكنيسة منذ نشأتها. الجديد هو أنّ الفقر بدأ يُقرأ، في عالم القرن العشرين، بوصفه واقعًا يمكن أن تنتجه بنى اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة، وأنّ مسؤوليّة اللاهوت لم تعد تقتصر على السؤال: «ماذا ينبغي للغنيّ أن يفعل من أجل الفقير؟»، ولكنّها اتّسعتْ لتشمل السؤال: «لماذا يُنتَج الفقر باستمرار، وما مسؤوليّة الإيمان والكنيسة داخل هذا التاريخ؟».

لهذا لا يبدأ تاريخ لاهوت التحرير عام ١٩٧١، فالكتاب الذي حمل الاسم ظهر في لحظةٍ متأخّرة من مسارٍ أطول بكثير. سبقه تطوّر التعليم الاجتماعيّ الكاثوليكيّ منذ الرسالة البابويّة «في الشؤون الحديثة» للبابا لاون الثالث عشر عام ١٨٩١، وصعود العمل الكاثوليكيّ، وتجربة الكهنة العمّال، والتجديد الكتابيّ والآبائيّ والليتورجيّ، واللاهوت الذي أعاد اكتشاف التاريخ عند شخصيّاتٍ مثل الأب ماري دومنيك شينو الدومنيكانيّ وإيف كونجار الدومنيكانيّ، ثمّ المجمع الفاتيكانيّ الثاني. وعندما افتتح الدستور الرعويّ «فرح ورجاء» عام ١٩٦٥ بالحديث عن «آمال البشر وأفراحهم» و«أحزانهم وضيقاتهم»، ولا سيّما الفقراء والمتألّمين، لم يكن يستعمل لغة لاهوت التحرير بقدر ما عبّر عن تحوّلٍ كنسيّ عميق: تاريخ البشر لم يعد ببساطةٍ خلفيّةً خارجيّة لرسالة الكنيسة، وإنّما صار المكان الذي تعيش فيه الكنيسة رسالتها وتقرأ فيه «علامات الأزمنة»[3]. والنصّ العربيّ الرسميّ للدستور يحافظ على هذا الارتباط الصريح بين حياة الكنيسة وأفراح البشر وآلامهم.

ثمّ جاءت أمريكا اللاتينيّة. ففي المؤتمر العامّ الثاني لأساقفة أمريكا اللاتينيّة في ميديين عام ١٩٦٨ لم قُرئت نصوص المجمع الفاتيكانيّ الثاني في ضوء قارّةٍ تعيش اختلالاتٍ اقتصاديّة حادّة، وتبعيّة، وصراعاتٍ سياسيّة، وأشكالًا واسعةً من الإقصاء. ولهذا أخذت لغة الأساقفة تتحدّث عن «أوضاعٍ من الظلم»، وعن الحاجة إلى «تحرير» الإنسان، وعن كنيسةٍ مدعوّة إلى التضامن مع الفقراء[4]. كانت وثيقة ميديّين، بهذا المعنى اللحظةَ التي التقى فيها التجديد المجمعيّ بتاريخ أمريكا اللاتينيّة، وصار من الممكن أن تتحوّل «علامات الأزمنة» من مبدأٍ عامّ إلى ممارسةٍ كنسيّة ولاهوتيّة مرتبطة بواقعٍ اجتماعيّ محدّد. ولهذا لا يمكن فهم لاهوت التحرير إذا بدأنا من أسماء اللاهوتيّين وحدهم؛ فقد وُلد داخل شبكةٍ أوسع من الجماعات الكنسيّة، والأساقفة، والكهنة، والعلمانيّين، والحركات الاجتماعيّة، وقراءةٍ جديدة للكتاب المقدّس من داخل خبرة الفقر والعنف والرجاء.

لكنّ نشأة لاهوت التحرير داخل الكنيسة لا تعني أن كلّ ما قيل باسمه كان متجانسًا أو خاليًا من المشكلات. فقد ظهرتْ، منذ السبعينيّات، اختلافاتٌ حقيقيّة في تحديد العلاقة بين الخلاص والتحرّر التاريخيّ، وفي استعمال التحليل الماركسيّ، وفي فهم الصراع الطبقيّ، ودور الكنيسة، والعلاقة بين الإيمان والسياسة. ولهذا كان تدخّل مجمع عقيدة الإيمان في الثمانينيّات جزءًا من تاريخ هذا اللاهوت نفسه. فالوثيقة الأولى الصادرة عن مجمع عقيدة الإيمان، «تعليماتٌ حول بعض جوانب لاهوت التحرير» (Libertatis Nuntius)، الصادرة عام ١٩٨٤، لم ترفض فكرة التحرير، وافتتحتْ بالتأكيد أنّ إنجيل يسوع المسيح «رسالةُ حرّيّة وقوّةُ تحرير»، ثمّ ميّزت بين التحرير الراديكاليّ من الخطيئة وبين التحرّرات الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي ترتبط به، وحذّرت خصوصًا من تبنّي بعض مقولات الماركسيّة على نحوٍ يجعل الصراع الطبقيّ أو الحتميّة التاريخيّة مفتاحًا نهائيًّا لقراءة الإنسان والتاريخ[5]. 

وبعد عامين، صدرت وثيقة ثانية: «تعليماتٌ بشأن الحرّيّة المسيحيّة والتحرير» (Libertatis Conscientia) لتؤكّد صراحةً أن الوثيقتين يجب أن تُقرآ معًا، وأنّ موضوع الحرّيّة والتحرير يقع في قلب رسالة الإنجيل، وأنّ تطبيق المبادئ العامّة على الأوضاع المحلّيّة يعود أيضًا إلى الكنائس المحلّيّة في شركتها مع الكنيسة الجامعة[6]. ومن ثمّ، فاختصار تاريخ العلاقة بين الكنيسة ولاهوت التحرير في صورة «الڤاتيكان ضدّ لاهوت التحرير» لا يساعد على الفهم، كما أنّ تصوير تدخّل السلطة التعليميّة بوصفه سوء فهمٍ عابر لا يفي بالتاريخ. الذي حدث كان حوارًا متوتّرًا حول سؤالٍ حقيقيّ: كيف يمكن أن يعترف اللاهوت بالبعد التاريخيّ والاجتماعيّ للخلاص، من غير أن يحوّل المسيحيّة إلى نظريّةٍ سياسيّة؟ وكيف يستطيع أن يستخدم العلوم الاجتماعيّة في تشخيص الظلم، من غير أن يتنازل لها عن الحكم الأخير في الإنسان والله والتاريخ؟ 

هذه الأسئلة هي التي تجعل لاهوت التحرير مهمًّا بعد أكثر من نصف قرنٍ على نشأته. فقيمته لا تقوم فقط على الأجوبة التي قدّمها في أمريكا اللاتينيّة، وبعض هذه الأجوبة يرتبط مباشرةً بظروف تلك القارّة في الستينيّات والسبعينيّات، وإنّما أيضًا على التحوّل المنهجيّ الذي أحدثه في التفكير اللاهوتيّ. فقد رفض أن يكون الفقير موضوعًا خارجيًّا للاهوت، كما لو أنّ اللاهوت يُبنى أوّلًا ثمّ يضيف، في نهايته، فصلًا عن العدالة الاجتماعيّة. ومن هنا تبدأ إحدى حدوسه الأساسيّة: الموقع الذي تُقرأ منه العقيدة يؤثّر في الأسئلة التي تُطرح عليها. وهذا ما يفسّر اتّساع المشروع لاحقًا إلى لاهوت التحرير الأسود، ولاهوتات أفريقيا وآسيا، واللاهوت الفلسطينيّ؛ ففي كلّ سياقٍ لم يكن الأمر تغيير «الموضوع» الذي يتحدّث عنه اللاهوت، ولكن إعادة مساءلة الطريقة التي تُقرأ بها النصوص والمفاهيم المسيحيّة في ضوء خبرةٍ تاريخيّة مختلفة.

وقد عبّر ليوناردو بوف وكلودوڤيس بوف عن هذه الطبيعة العمليّة منذ الصفحات الأولى من كتابهم الصغير «مدخل إلى لاهوت التحرير». فهما يبدآن بالسؤال: «كيف نكون مسيحيّين في عالمٍ من البؤس؟». ثمّ يضعان «العمل التحريريّ» قبل التأمّل اللاهوتيّ فيه؛ فالالتزام يأتي أوّلًا، ثمّ تأتي لحظة الإيمان الذي يتأمّل نقديًّا هذه الممارسة[7]. ولهذا فإن تسمية لاهوت التحرير «طريقةً في ممارسة اللاهوت» أدقّ، في جانبٍ مهمّ، من معاملته بوصفه مجموعةً ثابتة من العقائد. فهو لا يمتلك عقيدةً خاصّة في الثالوث أو التجسّد تختلف عن عقيدة الكنيسة، وإنّما يعيد طرح الأسئلة العقيديّة من داخل سؤالٍ تاريخيّ: ماذا يعني الاعتراف بإله الحياة حيث يُنتج الموت؟ وماذا يعني الإيمان بتجسّد الكلمة في عالمٍ تُنتهك فيه الأجساد؟ وماذا يعني إعلان ملكوت الله داخل مجتمعاتٍ تقوم على علاقاتٍ ظالمة؟

#مدخل_إلى_لاهوت_التحرير
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ