بقلم: هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
لم تعد بعض الوقائع التي تكشف عنها صفحات التواصل الاجتماعي مجرد مشاهد صادمة للرأي العام، وإنما أصبحت في بعض الأحيان كاشفة عن صور بالغة الخطورة من الانحراف السلوكي والعدوان داخل الأسرة، حين يتحول الابن من مصدر للأمان والسند إلى مصدر للخوف والعنف والإهانة في مواجهة من كان سبباً في وجوده.
ومن أكثر هذه الوقائع قسوة ما شهدته منطقة السيدة زينب بالقاهرة، بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية وما نسبته جهات التحقيق إلى شقيقين من اعتداء على والدتهما بالضرب والسب، على خلفية خلافات بينهما، مع ما أثير بشأن محاولة إرغامها على الاستجابة لمطالبهما المالية.
وقد أعلنت وزارة الداخلية تحديد المجني عليها، وهي ربة منزل مقيمة بدائرة قسم شرطة السيدة زينب، وبسؤالها قررت تضررها من نجليها لقيامهما بالتعدي عليها بالسب والضرب، كما أُعلن ضبط المتهمين واعترافهما بارتكاب الواقعة.
وبحسب ما أُعلن عن قرار الإحالة، فقد أُسند إلى المتهمين ارتكاب جرائم استعراض القوة والترويع والتخويف وفرض السيطرة، والتعدي على المجني عليها بالضرب، فضلاً عن توجيه ألفاظ وعبارات نابية إليها، وذلك على النحو الوارد بقرار الإحالة، وبالمواد 375 مكررًا و242 و302 و306 من قانون العقوبات.
وهذه الواقعة ــ إذا ما ثبتت عناصرها أمام محكمة الموضوع ــ لا تمثل مجرد خلاف عائلي عابر، وإنما تنطوي على اعتداء متعدد الصور على سلامة الإنسان وكرامته وحريته وإرادته، فضلاً عما تحمله من اعتداء بالغ الخطورة على حرمة الأسرة ومكانة الوالدين.
أولاً: جريمة استعراض القوة والترويع
جاء النص في المادة 375 مكررًا من قانون العقوبات ليواجه ما اصطلح على تسميته بجرائم البلطجة واستعراض القوة والترويع، فنص على العقاب بالحبس مدة لا تقل عن سنة لكل من استعرض القوة أو لوّح بالعنف أو هدد به أو استخدمه ضد المجني عليه أو زوجه أو أحد أصوله أو فروعه، متى كان القصد ترويعه أو تخويفه أو فرض السطوة عليه أو إرغامه على القيام بعمل أو الامتناع عنه أو الحصول على منفعة منه، وكان من شأن السلوك إلقاء الرعب في نفسه أو تكدير أمنه أو سكينته أو تعريض سلامته للخطر أو المساس بحريته أو شرفه أو اعتباره.
وتتشدد العقوبة لتصبح الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات إذا وقع الفعل من شخصين فأكثر، أو إذا وقع على أنثى، إلى جانب التدبير المقرر بوضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة المحكوم بها.
ومن ثم، فإن جريمة استعراض القوة لا يشترط لتحققها أن تفضي الأفعال إلى إصابة جسدية جسيمة، وإنما يكفي أن يكشف سلوك الجاني عن استخدام القوة أو التهديد بها على نحو من شأنه إلقاء الرعب في نفس المجني عليه أو فرض السيطرة عليه.
أركان الجريمة
وتقوم الجريمة ــ بحسب التكييف القانوني المستخلص من النص ــ على عناصر أساسية، أهمها:
أولاً: السلوك المادي:
استعراض القوة أو التلويح بالعنف أو التهديد به أو استخدامه.
ثانياً: القصد الخاص:
أن يكون الغرض من هذا السلوك ترويع المجني عليه أو تخويفه أو فرض السطوة عليه أو إرغامه على فعل أو الامتناع عن فعل أو الحصول على منفعة منه.
ثالثاً: النتيجة أو الخطر الذي يتطلبه النص:
أن يكون من شأن السلوك إلقاء الرعب في نفس المجني عليه أو تكدير أمنه وسكينته وطمأنينته أو تعريض سلامته للخطر أو المساس بحريته أو شرفه أو اعتباره.
وفي الواقعة محل البحث، فإن ثبوت قيام المتهمين ــ بحسب ما انتهى إليه التحقيق ــ بالتعدي على والدتهما بقصد التأثير في إرادتها وإخضاعها لمطالبهما، مقروناً باستخدام العنف والتخويف، من شأنه أن يحقق الصورة القانونية للجريمة متى اطمأنت المحكمة إلى أدلة الثبوت وتوافرت لديها عناصر القصد الجنائي الخاص.
ولا يغيب عن النظر أن الواقعة ــ بحسب المعطيات المعلنة ــ ارتكبت من شخصين وأن المجني عليها أنثى، وهما ظرفان نصت المادة 375 مكررًا صراحة على تشديد العقوبة عند توافرهما.
ثانياً: جريمة الضرب وفق المادة 242 من قانون العقوبات
أما عن جريمة الضرب، فقد عالجتها المادة 242 من قانون العقوبات في الحالات التي لا يبلغ فيها الضرب أو الجرح درجة الجسامة المنصوص عليها في المادتين 240 و241.
والعبرة في التكييف ليست بمجرد وصف الواقعة بأنها “مشاجرة” أو “خلاف عائلي”، وإنما بحقيقة الأفعال التي ثبت ارتكابها ونتيجتها الطبية.
أن جنحة الضرب بكل بساطة تعني أن شخصًا تعدى بالضرب على شخص آخر، سواء تسبب في جرح له أم لا.
ففي العموم يعد الضرب من أعمال التعصب الشديد للغاية، فالشخص قد يلغي تفكيره ومنطقيته ويسلم فكره إلى ضرب من أمامه أو الانتقام منه عن طريق الضرب، لا يشترط لتوافر جريمة الضرب التي تقع تحت نص المادة 242 من قانون العقوبات أن يحدث الاعتداء جرحاً أو ينشأ عنه مرض أو عجز بل يعد الفعل ضرباً ولو حصل باليد مرة واحدة. .
من المقرر أن جريمة الضرب لا تتطلب قصد جنائي خاص بل يكفي القصد الجنائي العام وهو يتوافر كلما ارتكب الجاني الفعل عن إرادة وعن علم بأن هذا الفعل يترتب عليه المساس بسلامة المجني عليها ولا عبرة بعد ذلك بالبواعث على ارتكاب الفعل.
فإذا ثبت أن المتهمين تعديا على والدتهما بالضرب، وثبتت الإصابات بالتقرير الطبي، وتساندت تلك الإصابات مع أقوال المجني عليها وسائر أدلة الدعوى، فإن أركان جريمة الضرب يكون قائماً في حق من ثبتت مشاركته في الاعتداء.
ثالثاً: السب والقذف والإهانة.. حماية المشرع لكرامة الإنسان
لم يقف الاعتداء ــ بحسب الوقائع المعلنة ــ عند حدود العنف الجسدي، وإنما امتد إلى الألفاظ النابية والعبارات المهينة.
وهنا يجب التمييز بدقة بين القذف والسب.
فالمادة 302 من قانون العقوبات عرفت القذف بأنه إسناد أمور معينة إلى الغير، بواسطة إحدى الطرق المبينة قانوناً، من شأنها ــ لو كانت صادقة ــ أن توجب عقاب من أسندت إليه أو احتقاره عند أهل وطنه.
أما المادة 306 فتتعلق بالسب، وتقرر العقاب على كل سب لا يشتمل على إسناد واقعة معينة، وإنما يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشاً للشرف أو الاعتبار، في الأحوال التي حددها القانون.
وبالتالي، فإن التفرقة بين النصين تقوم أساساً على طبيعة العبارات الصادرة:
فإذا تضمنت إسناد واقعة محددة إلى المجني عليها، فقد تتوافر أركان القذف متى توافرت باقي الشروط القانونية.
أما إذا اقتصرت على ألفاظ أو عبارات تنال من الشرف والاعتبار دون إسناد واقعة محددة، فإن التكييف ينصرف إلى السب.
وهذه التفرقة ذات أهمية خاصة في القضية محل البحث؛ إذ ينبغي أن يكون التكييف النهائي للعبارات الواردة بالأوراق قائماً على مضمونها الفعلي وليس على الوصف المجرد لها.
رابعاً: إثبات الجرائم في حق المتهمين
والأصل أن الإدانة الجنائية لا تقوم على مجرد الاستنكار الاجتماعي للواقعة، مهما بلغت بشاعتها، وإنما تقوم على أدلة يقينية تطمئن إليها المحكمة وتستخلص منها توافر أركان الجرائم ونسبتها إلى المتهمين.
وفي الواقعة محل البحث، فإن عناصر الإثبات ــ بحسب ما أعلنته جهات التحقيق ــ يمكن أن تتساند على النحو الآتي:
1 ـ أقوال المجني عليها:
وهي من عناصر الاستدلال الأساسية، وتخضع لتقدير محكمة الموضوع من حيث صدقها واتساقها وتوافقها مع باقي الأدلة.
2 ـ التقرير الطبي:
وهو دليل فني على الإصابات التي لحقت بالمجني عليها، ومدى اتفاقها مع صورة الاعتداء المبلغ عنها.
3 ـ التسجيل أو الفيديو المتداول:
إذا ثبتت سلامته وصحة نسبته ولم يطرأ عليه ما يقدح في سلامته الفنية، فإنه قد يمثل عنصراً مهماً في تكوين عقيدة المحكمة بشأن حقيقة الأفعال التي تظهر فيه، مع خضوعه للقواعد المقررة في الإثبات الجنائي.
4 ـ اعتراف المتهمين:
بحسب ما أعلنته الجهات المختصة، فقد اعترف المتهمان بارتكاب الواقعة. وإذا كان الاعتراف ثابتاً بالأوراق وصادراً عن إرادة حرة ومدركاً لمدلوله، فإنه يخضع بدوره لتقدير محكمة الموضوع ومدى اطمئنانها إليه واتساقه مع باقي الأدلة.
5 ـ باقي الأدلة والقرائن:
وهي ما قد تتضمنه التحقيقات من تحريات، أو أقوال شهود، أو معاينات، أو تسجيلات، أو غير ذلك من الأدلة التي تكشف عنها أوراق الدعوى.
والقاعدة أن الأدلة الجنائية لا يلزم أن تكون كل واحدة منها منفردة قاطعة في الدلالة، وإنما يجوز أن تتساند الأدلة والقرائن معاً بحيث تكوّن في مجموعها عقيدة المحكمة.
ومن ثم، فإذا اطمأنت المحكمة إلى أقوال المجني عليها، وأيدها التقرير الطبي، وتساندت معها التسجيلات أو الشهادات أو الاعترافات الثابتة بالأوراق، واستخلصت من مجموع هذه العناصر ثبوت الاعتداء ونسبته إلى المتهمين، فإن أركان الجرائم المسندة إليهما تكون قد استقامت في حقهما وفقاً لما يثبت من أوراق الدعوى.
خامساً: خصوصية الاعتداء على أحد الأصول
ولعل أخطر ما في هذه الواقعة ــ من الناحيتين الإنسانية والاجتماعية ــ أنها لا تتعلق باعتداء عابر بين غرباء، وإنما باعتداء من أبناء على والدتهما.
فالأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع، والوالدان يمثلان في الوجدان المصري وفي العالم أجمع قيمة إنسانية وأخلاقية لا يجوز أن تتحول إلى موضع للعدوان والإذلال.
وقد جعل المشرع ذاته من الاعتداء على الأنثى ومن وقوع جريمة استعراض القوة من شخصين فأكثر ظروفاً تشدد العقوبة في المادة 375 مكررًا، وهو ما يعكس جسامة السلوك الذي يستهدف أمن المجني عليه وطمأنينته ويفرض عليه السطوة والإكراه.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن استخدام القوة لإرغام الأم على تسليم مال أو التنازل عن حق أو الخضوع لإرادة أبنائها ــ متى ثبت ذلك ــ يمثل انقلاباً كاملاً في العلاقة الطبيعية بين الوالد وولده؛ فالابن الذي يفترض أن يكون عوناً لأمه لا يجوز أن يتحول إلى مصدر خوف عليها.
سادساً: لا مبرر للعنف ولا للخلافات الأسرية أن تتحول إلى جريمة
ولا يمكن تبرير الاعتداء بأن الواقعة كانت وليدة خلاف عائلي أو نزاع مالي.
فالخلافات الأسرية لها وسائلها القانونية والاجتماعية والقضائية، أما الضرب والترويع والإهانة وفرض السيطرة بالقوة فليست وسيلة مشروعة للحصول على حق، ولا يمكن أن تتحول المشكلات العائلية إلى ذريعة لاستباحة جسد الإنسان وكرامته وحريته.
وإذا كان ثمة نزاع حول مال أو مسكن أو ملكية، فإن القانون هو الطريق الوحيد لحسمه، وليس العنف.
ولا يجوز للمتهم أن يتخذ من رابطة البنوة ذاتها وسيلة للضغط على الأم أو إرغامها على اتخاذ تصرف مالي لا تريده.
سابعاً: إكرام الوالدين ليس مجرد قيمة أخلاقية فحسب بل ضرورة لحماية الأسرة والمجتمع
إن إكرام الوالدين واجب أصيل في منظومة القيم، وهو من المبادئ الراسخة في الضمير الجمعي للمجتمع.
ومهما بلغت الخلافات بين الأبناء وآبائهم، فلا يمكن أن يكون العلاج هو الضرب أو الإهانة أو الترويع.
والأم التي أفنت سنوات عمرها في رعاية أبنائها لا يجوز أن تجد نفسها في مواجهة أبنائها خائفة على نفسها أو مالها أو مسكنها.
ولا يمكن أن يكون طلب المال سبباً لاستباحة الأم، ولا أن تتحول الرابطة التي يفترض أن تقوم على الرحمة والمودة إلى وسيلة للإكراه والسيطرة.
ومن هنا فإن إدانة مثل هذه الأفعال لا تستهدف شخص المتهم وحده، وإنما تؤكد رسالة قانونية واجتماعية أوسع مفادها أن العنف داخل الأسرة ليس شأناً خاصاً عندما يتحول إلى جريمة، وأن صلة القرابة لا تمنح أحداً حصانة من المساءلة الجنائية.
ثامناً: ضرورة توقيع العقوبة الرادعة على المتهمين
إن العقوبة في السياسة الجنائية لا تستهدف الانتقام، وإنما تحقق ــ في حدود القانون ــ أغراضاً متعددة، في مقدمتها حماية المجتمع وتحقيق الردع العام والخاص.
وفي مثل هذه الوقائع، تبرز أهمية الردع بصورة خاصة؛ لأن التساهل مع الاعتداء على الوالدين قد يبعث رسالة خاطئة بأن الروابط الأسرية يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإفلات من العقاب.
ومن ثم، فإذا ثبتت الاتهامات المسندة إلى المتهمين ثبوتاً يقينياً، فإننا نطالب بتطبيق النصوص العقابية المنطبقة على الواقعة، وتوقيع أقصى عقوبة يجيزها القانون في حدود التكييف الصحيح للوقائع وظروفها، مع إعمال الظروف المشددة متى توافرت عناصرها القانونية.
ولا سيما أن المادة 375 مكررًا نفسها تقرر تشديد العقوبة إذا وقعت جريمة استعراض القوة من شخصين فأكثر أو على أنثى.
ونري إن الاعتداء على الأم ليس مجرد تعدٍ على جسد إنسان، وإنما هو اعتداء على معنى الأسرة ذاته.
وندين بأشد العبارات هذه الجريمة البشعة، إذا ما ثبتت وقائعها على النحو المنسوب إلى المتهمين، ونؤكد أن الخلاف المالي أو العائلي لا يمكن أن يكون مبرراً للضرب أو السب أو الترويع أو الإكراه.
فالوالدان ليسا خصماً تجوز مواجهته بالقوة، والأم ليست طرفاً ضعيفاً يجوز إخضاعه بالعنف، والمال لا يبرر الجريمة، والخلاف لا يبرر الإهانة، ورابطة البنوة لا تمنح صاحبها حق الاعتداء.
إن احترام الوالدين وإكرامهما قيمة إنسانية ودينية واجتماعية راسخة، لكن عندما تتحول الإساءة إلى ضرب وترويع وإكراه، فإن الأمر يتجاوز دائرة الأخلاق إلى دائرة التجريم والعقاب.
ولهذا، فإننا نطالب ــ متى ثبتت الاتهامات بالأدلة المعتبرة أمام القضاء ــ بتوقيع أقصى عقوبة مقررة قانوناً في حدود النصوص المنطبقة، تحقيقاً للردع العام والخاص، وحمايةً للضحايا، وصوناً لحرمة الأسرة، وحتى تكون هذه القضية رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه أن يستبدل لغة القانون بلغة العنف، وأن يتصور أن صلة القرابة يمكن أن تكون ستاراً للجريمة.
فمن أمن العقاب أساء الأدب، ومن تصور أن رابطة الدم تمنحه حق العدوان فقد أخطأ فهم القانون والمجتمع معاً.
والعدالة الجنائية في النهاية لا تحمي جسد المجني عليها فحسب، وإنما تحمي أيضاً حق كل أم وأب في أن يعيشا داخل أسرتهما في أمن وكرامة وطمأنينة.





