الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
واحد من الكائنات الظريفة اللي بتتكاثر وتنتشر بشدّة في الشرق الأوسط نشر الصورة دي وكتب: «مصرع الإله بوذا غرقًا في فيضانات نيبال... حد يلحقه». والتعليق ده في الحقيقة بيكشف مشكلتين : عقدة، ومصيبة.

العقدة هي «عقدة التعالي». يعني شخص عايش في عالم تالت، ما بيشمّش ريحة الديمقراطية، ولا عنده جامعات محترمة بالمعنى اللي يخليه ينافس علميًا، ولا صحة محترمة، ولا بحث علمي ولا يحزنون، لكن الحمد لله عنده يقين راسخ إن دينه مخليه أهم شخص على وجه الكوكب، وإن باقي البشر قاعدين مستنيين منه تقييم أديانهم وعقائدهم وحضاراتهم!

أما المصيبة فهي الجهل. هو شايف تمثال، فبمنتهى البساطة استنتج: طالما الشخص مش من ديني وواقف قدام تمثال، يبقى أكيد بيعبد التمثال. يعني الحجر عنده هو «إله البوذيين»، ولو الميه غطّت التمثال يبقى الإله غرق! طيب، قبل الضحك، سؤال بسيط جدًا: يعني إيه أصلًا «بوذية»؟ ومين هو بوذا؟ وليه فيه تماثيل لبوذا؟

أول حاجة: «بوذا» مش اسم إله أصلًا. الكلمة لقب معناها تقريبًا «المستيقظ» أو «المستنير». والمقصود عادةً سيدهارتا جوتاما، المعلّم اللي عاش في الهند القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد! واللي تعاليمه بقت أساس التقليد البوذي. والسؤال الأساسي عنده كان: الإنسان بيتألّم ليه؟ وإزاي الرغبة والتعلّق والجهل بيولّدوا الألم؟ وإزاي الإنسان يتحرر منه؟ يعني إحنا أصلًا قدام تقليد ديني وفلسفي مركزه الأساسي «التحرر من المعاناة»، مش قصة إله حجر قاعد فوق جبل. 

والبوذية نفسها مش ديانة قائمة في أصلها على فكرة «إله خالق» بالشكل المعروف عند اليهودية والمسيحية والإسلام. وده طبعًا لا يعني إن كل المدارس البوذية نسخة واحدة. البوذية عالم ضخم جدًا، فيه مدارس وتقاليد وتصورات مختلفة، وبعضها طوّر أشكال قوية جدًا من التعبد والتبجيل. لكن الاستخفاف بكل ده في جملة «بيعبدوا تمثال بوذا» جهل بالموضوع من أساسه.

والتمثال؟
تمثال بوذا ممكن يكون صورة بتذكّر بحياة بوذا وتعاليمه وحالة الاستنارة، وممكن يكون موضع للتأمل، وممكن يدخل في ممارسات دينية فيها انحناء أو تقديم زهور أو بخور أو نذور. وبعض التقاليد بتتعامل مع الصورة بعد طقوس تكريس معينة باعتبارها ذات حضور مقدس قوي. يعني الموضوع أعقد من إننا نقول «ده مجرد ديكور»، وأعقد برضه ألف مرة من إننا نقول «هما فاكرين الحجر ده إله». تاريخ الفن البوذي نفسه بيوضح إن الصور والتماثيل دخلت وتطورت بأشكال مختلفة عبر القرون.

والأطرف إن  الفن البوذي القديم ماكانش أصلًا بيصوّر بوذا في هيئة إنسان بالشكل اللي إحنا عارفينه دلوقتي. لفترة طويلة كان حضوره يُعبَّر عنه برموز: كرسي فارغ، شجرة الاستنارة، عجلة، آثار قدم... وبعد قرون بدأت الصور البشرية لبوذا تنتشر. يعني حتى «تمثال بوذا» نفسه له تاريخ وتطور، مش عقيدة نزلت من السماء تقول: اصنعوا حجرًا واعبدوه.

ولو عايزين نفهم قد إيه الاستنتاج مضحك، تخيل واحد بوذي شاف المسلمين بيدوروا حوالين الكعبة فيقول المسلمين بيعبدوا حجر! أو بوذي يدخل كنيسة ويشوف شخص راكع أمام تمثال أو أيقونة للمسيح أو العذراء فيصوّر المشهد ويكتب: «المسيحيين بيعبدوا الخشب والحجر».

المشكلة إن بعضنا بيطالب الآخرين بالدقة والإنصاف لما يتكلموا عن دينه، لكنه بيعتبر الجهل فضيلة لما يتكلم هو عن أديان الآخرين. طبعًا محدش مطالب إنه يؤمن بالبوذية، ولا يحبها، ولا يقتنع بتصورها عن الإنسان والعالم. ممكن تنتقدها نقد فلسفي أو ديني. لكن قبل ما تنتقد عقيدة، اعرف هي بتقول إيه أصلًا. لأن الجهل مش إنك ما تعرفش وتنقط العالم بسكاتك. الجهل الحقيقي إنك ما تعرفش، وبعدين تتخيّل إن عدم معرفتك هو وصف دقيق لعقيدة مئات الملايين من البشر، وكمان تتعالى عليهم بجهلك!

وده يمكن أخطر شيء في الصورة كلها: مش إن واحد افتكر إن بوذا إله. إنما إنه كان واثق جدًا وهو مش عارف.

للتعمّق: Stanford Encyclopedia of Philosophy [Buddha — Stanford Encyclopedia of Philosophy](https://plato.stanford.edu/entries/buddha/)

لنصلّي من أجل إخوتنا في نيبال، وليرحم الله الضحايا
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ