كمال زاخر
الإثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ 
في مبادرة فكرية جسورة يضعنا الكاتب الباحث - والصديق - أثناسيوس سرجيوس أمام واحدة من القضايا المسكوت عنها في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعاصرة، وهي وجود المرأة في دوائر العمل القريبة من البابا البطريرك، وفي مكتبه، وقد شهدت مواقع وصفحات عديدة موجات من التلاسن والتلميحات غير المنضبطة حولها، في ظاهرة اقتحمتنا لم تشهدها الأدبيات والحوارات القبطية قبلاً، وهي مواقع وصفحات تحمل اسماء مستعارة وتختبئ تحت شعارات كنسية مخاتلة، والمتابع لها يلحظ انها تقوم بنشر ما تطرحه بصيغة واحدة، قص ولصق، وفي توقيت واحد يشي بأنها تنطلق من مصدر واحد، وإن تعددت الأسماء، لخلق ايهاماً بأنه رأي عام له وزنه. 

والحديث عن دور المرأة في الكنيسة (القبطية الأرثوذكسية) المعاصرة يصطدم بما استقر في ذهنية صاحب المواقع والصفحات من مفاهيم غير مسيحية تشكل النظرة المتشككة لها، والتي قد تقبل بوجودها ودورها في مجالي الفكر والرهبنة، لكنها ترفضها حين يكون المجال إداري ومالي وتنظيمي، ويدق الأمر حين تتدخل عوامل أخرى في التقييم، وهي في مجملها غير بريئة، فتخرج من التقييم الموضوعي إلى تلغيم التجربة وتحميلها تلميحات مريضة، للنيل من صاحب القرار، خاصة في تجربة البابا تواضروس، وهو أمر مرتبط بالتراجع القيمي واختلالات التكوين الفكري والنفسي والروحي والرهباني عند من يقفون خلف حملات التشويه.

فيما سارت كنائس ارثوذكسية شقيقة مشواراً اكثر عمقاً في تمكين المرأة من المشاركة في ادارة مجالات عديدة في الإدارة الكنسية.

وفي هذا السياق تحتاج تجربة خدمة التاسونات - الفتيات المكرسات للخدمة خارج منظومة الرهبنة - إلى قراءة موضوعية هادئة تنتهي إلى تقنينها ومأسستها وتحصينها في مواجهة التقدير الشخصي للأسقف وقناعاته الشخصية. بما يضمن استمرارية ونمو واستقرار خدمتهن. في ضوء ما تعرضن له مع رحيل الأسقف الذي جاء بهن، فخدمتهن لا تنظمها قواعد كنسية عامة ومجردة وملزمة. ومن ثم فهن في مهب الريح. 

في تقديري أن الكاتب لم ينشئ واقعاً (للمرأة والبطرخانة) وهو عنوان طرحه، إنما رصد حلقاته، في حبرية الأربعة باباوات الأخيرين - الأنبا يوساب والأنبا كيرلس والأنبا شنودة والأنبا تواضروس - وكانت صاحبات التجارب بنفس الترتيب: الاستاذة ايريس حبيب المصري،  وتماف ايريني (الراهبة)، والأستاذة لونا رزق، والأستاذة بربارة سليمان. 

وعرض الباحث الكاتب مناخات كل مرحلة ولم يضع نماذجه في سلة واحدة، ومن ثم لم يقارن بينهن، كانت الفكرة فيما فهمت تناول حضور المرأة في دائرة الديوان البطريركي، وهو أمر يستوجب المراكمة، خاصة في الدوائر الإدارية والتدبيرية والتنظيمية، وفك اسر المرأة من الرؤى الذكورية، التي اقتحمتنا، والإفادة من خبراتها، كما فعلت الكنيسة الأولى وكما فعل القديس بولس الرسول، وكما اخبرنا الإنجيل عن المريمات، ودورهن المبادر في إعلان القيامة وخدمة الكنيسة، وربما تنتبه الكنيسة لحاجتها لتكريس مبدأ الشفافية، في مجتمع يلفه الشك والريبة، وتخنقه التأويلات في غياب المعلومات.

وتبقى النماذج الأربعة موضع تحليل تتسع له المنطقة الرمادية بين الأبيض والأسود. والتي يدور طرح الكاتب فيها.