الكسندر سابا
من الأستاذة إيريس حبيب المصري إلى الأستاذة بربارة سليمان: حين تصنع الكفاءة مكانها في المؤسسة
لم يكن حضور المرأة في البطريركية القبطية حاشيةً على تاريخ الرجال، ولا استثناءً سمحت به الضرورة ثم انقضى بانقضائها؛ بل كان أحد وجوه تطور المؤسسة نفسها. فكلما اتسعت وظائف الكنيسة، واتصلت بالتعليم والتأريخ والرهبنة والإعلام والتنمية والعلاقات الدولية، ظهرت المرأة شريكةً في حمل هذه الوظائف، لا لأنها تزاحم أحدًا على موقعه، بل لأن الموهبة حين تلتقي بالحاجة تصنع لنفسها مكانًا مشروعًا.

ومنذ عهد قداسة البابا يوساب الثاني إلى عهد قداسة البابا تواضروس الثاني يمكن تتبع هذا التطور من خلال أربع شخصيات لا تتشابه وظائفهن، لكنها تكشف، مجتمعةً، اتساع المجال الذي شغلته المرأة داخل الكنيسة: الأستاذة إيريس حبيب المصري في المعرفة والتمثيل المسكوني، وتماف إيريني في القيادة الرهبانية، والأستاذة لونا رزق في الإدارة الإعلامية، والأستاذة بربارة سليمان في إدارة المشروعات والعلاقات.

ليست المقارنة بينهن مفاضلةً في المكانة أو القرب من البطريرك، بل قراءة في تحوّل الدور: من امرأة تحمل تاريخ الكنيسة وصوتها إلى العالم، إلى أم تقود مؤسسة رهبانية كاملة، ثم إلى مديرة لأهم منبر بابوي، وأخيرًا إلى مسؤولة عن مكتب يعمل في التنمية والشراكات والعلاقات الكنسية والدبلوماسية. إننا، في الحقيقة، لا نقرأ أربع سير منفصلة، بل نقرأ تاريخ البطريركية من زاوية قلّما نُظر إليها: زاوية المرأة التي شاركت في صنع المؤسسة من داخلها.

المرأة في ذاكرة الكنيسة: شريكة منذ البدء
لا يحتاج حضور المرأة في العمل الكنسي إلى شهادة من الحداثة؛ فجذوره راسخة في ذاكرة الكنيسة الأولى. حملت مريم المجدلية خبر القيامة إلى التلاميذ، فارتبط اسمها بأول إعلان للفصح. وذكر القديس بولس الرسول فيبي، خادمة كنيسة كنخريا، وأوصى الكنيسة بقبولها ومساندتها لأنها كانت عونًا لكثيرين وله شخصيًّا. وشاركت بريسكلا مع أكيلا في تعليم أبلوس وشرح طريق الرب له بأكثر تدقيق، وفتحت ليديا بيتها للجماعة المسيحية الناشئة في فيلبي، وحفظت الرسائل الرسولية أسماء نساء «تعبن في الرب» وأسهمن في بناء الكنائس الأولى.

لا تطابق هذه الأدوار وظائف المكاتب الحديثة، لكنها تثبت الأصل الذي لا يجوز إغفاله: المرأة لم تكن متلقيةً صامتة في الكنيسة، بل شاهدةً ومعلّمةً وخادمةً وبانيةً للجماعة. ومن هذا الأصل يمتد حضورها في التاريخ القبطي الحديث. فالوظائف تتغير بتغير العصور، أما المبدأ فيبقى: مواهب الروح لا تُعطى بحسب النوع، وخدمة الكنيسة لا تكتمل إذا عطلت نصف طاقات أبنائها.

قداسة البابا يوساب الثاني والأستاذة إيريس حبيب المصري: المرأة التي حملت ذاكرة الكنيسة وصوتها
تمثل الأستاذة إيريس حبيب المصري واحدًا من أوضح النماذج المبكرة لامرأة دخلت المجال البطريركي من باب التأهيل والثقافة. فقد جمعت بين التعليم الواسع، والقدرة على الكتابة، وإتقان الحوار مع العالم خارج الحدود المحلية، والشغف بتاريخ الكنيسة القبطية. ولم تكن هذه المواهب زينةً ثقافية، بل تحولت إلى خدمة كنسية فعلية.

في عهد قداسة البابا يوساب الثاني أُسند إليها العمل في المراسلات المتصلة بالحركة المسكونية، ومثّلت الكنيسة القبطية في الجمعية الثانية لمجلس الكنائس العالمي بمدينة إيفانستون في الولايات المتحدة سنة ١٩٥٤. وكانت دلالة هذا التكليف أبعد من مجرد المشاركة في مؤتمر؛ فقد اختارت البطريركية امرأةً علمانية مؤهلة لتحمل صوت الكنيسة في محفل دولي، وتشرح تاريخها وموقعها وإيمانها أمام كنائس وثقافات متعددة.

واستمر تقدير كفاءتها في عهد قداسة البابا كيرلس السادس، الذي اختارها سنة ١٩٦٦ رائدةً عامة لشابات الكرازة المرقسية، كما شاركت في الإعداد للاحتفال بمرور تسعة عشر قرنًا على دخول المسيحية إلى مصر. ويكشف استمرارها عبر أكثر من عهد أن حضورها لم يكن رهين مناسبة عابرة، بل قائمًا على قيمة عرفتها المؤسسة وانتفعت بها.

أما موسوعتها «قصة الكنيسة القبطية» فقد منحتها موقعًا فريدًا في الوعي القبطي الحديث. صحيح أن المؤرخ يظل محتاجًا إلى مراجعة مصادره وفصل الوثيقة عن التفسير، لكن هذا الحكم المنهجي لا يمحو الإنجاز الكبير: لقد حفظت الأستاذة إيريس حبيب المصري ذاكرةً واسعة، وقدمت تاريخ الكنيسة إلى أجيال لم تكن تملك طريقًا ميسرًا إليه. ومن يكتب ذاكرة جماعة لا يسجل ماضيها فحسب، بل يشارك في تشكيل نظرتها إلى نفسها.

هنا ظهرت المرأة صاحبة معرفة وتمثيل؛ تحمل القلم، وتصوغ التاريخ، وتتكلم باسم الكنيسة في المجال العام. لم تُمنح قيمتها لأنها امرأة، ولم تفقدها لأنها امرأة؛ بل استحقتها لأنها كانت صاحبة علم وقدرة وعمل.

قداسة البابا كيرلس السادس وتماف إيريني: المرأة رئيسةً لمؤسسة روحية
في عهد قداسة البابا كيرلس السادس اتخذ الحضور النسائي صورةً أخرى، لا تقل عمقًا عن التمثيل الثقافي، وإن اختلفت عنه في طبيعتها. ففي أكتوبر سنة ١٩٦٢ اختار قداسة البابا كيرلس السادس تماف إيريني رئيسةً لدير الشهيد أبي سيفين للراهبات بمصر القديمة، وكانت في نحو السادسة والعشرين من عمرها. وقد كان اختيار راهبة شابة نسبيًّا لقيادة دير عريق إعلان ثقة كبيرة في قدرتها الروحية والإدارية.

فرئيسة الدير لا تشغل موقعًا رمزيًّا، بل تحمل مسؤولية جماعة كاملة: تضبط إيقاع الصلاة والعمل، وتشرف على تكوين الراهبات، وتحفظ تقاليد الدير وموارده، وتشارك في اختيار طالبات الرهبنة، وتصنع من خلال الأمومة الروحية أجيالًا قد تخرج منها رئيسات لأديرة أخرى. إنها سلطة تقوم على الخدمة، لكنها تظل قيادةً حقيقية ذات أثر مؤسسي ممتد.

وقد امتدت رئاسة تماف إيريني أربعةً وأربعين عامًا، ارتبط اسمها خلالها بتنظيم الحياة المشتركة، وترتيب الصلوات والعمل، وتوحيد الزي، واتساع الدير وتأسيس فروع له، وتكوين أجيال من الراهبات. لذلك لم يكن لقب «أم رهبنة هذا الجيل» مجرد تعبير عاطفي، بل وصفًا لأثر تجاوز حدود دير واحد إلى الرهبنة النسائية القبطية في عصر كامل.

لم تكن تماف إيريني موظفةً في المكتب البابوي، ولذلك لا ينبغي اختزال علاقتها بالبطريركية في المعنى الإداري الضيق. لقد قادت مؤسسة رهبانية تقع داخل المجال البطريركي الواسع، ومنحها اختيار قداسة البابا كيرلس السادس شرعية البداية، ثم منحتها أربعة وأربعون عامًا من البناء شرعية الإنجاز. وفي شخصها ظهرت المرأة لا مساعدةً في مؤسسة يقودها غيرها، بل رئيسةً مسؤولة عن مؤسسة روحية كاملة.

قداسة البابا شنودة الثالث والأستاذة لونا رزق: المرأة في قلب المنبر البابوي
مع عهد قداسة البابا شنودة الثالث اقترب الدور النسائي أكثر من مركز الخطاب البابوي من خلال الأستاذة لونا رزق، مديرة مجلة «الكرازة». وهذه هي صفتها الموثقة والأدق؛ فلم تكن أهميتها في وظيفة سكرتارية تقليدية، بل في إدارة المنبر الذي حمل تعليم قداسة البابا شنودة الثالث، وسجل نشاط البطريركية، وشرح مواقفها، وأسهم في تكوين الوعي العام داخل الكنيسة.

كانت «الكرازة» أكثر من مطبوعة دورية. لقد مثّلت صوتًا رسميًّا وشبه أرشيف لعهد كامل، واجتمع فيها التعليم بالعقيدة، والخبر الكنسي بالموقف العام، وصورة البطريرك بصورة المؤسسة. ومن ثم فإن إدارة المجلة وضعت الأستاذة لونا رزق عند نقطة شديدة الحساسية: حيث تتحول أفكار القيادة إلى مادة مقروءة، وحيث يُصاغ جانب من ذاكرة الكنيسة الجارية قبل أن يصبح تاريخًا.

ولا تتيح المادة المتاحة حصر كل الملفات التي كانت تتولاها الأستاذة لونا رزق أو قياس حدود تأثيرها خارج مجلة «الكرازة»، ولذلك يكفي ما هو ثابت لإدراك مكانتها. فقد أدارت المجلة، وتمتعت بتقدير واضح في الدائرة البابوية، وحين تنيحت سنة ٢٠١١ أثناء تلقي العلاج في الولايات المتحدة، وصل جثمانها إلى القاهرة، وترأس قداسة البابا شنودة الثالث الصلاة الجنائزية عليها في الكنيسة البطريركية بالعباسية بعد ساعات من عودته إلى المقر البابوي.

لا تحتاج أهمية الأستاذة لونا رزق إلى روايات إضافية؛ فإدارة المنبر البابوي نفسها موقع بالغ التأثير. ومعها انتقلت المرأة من تأريخ الكنيسة بعد وقوع أحداثها إلى المشاركة في تسجيل الحدث وصياغة صورته وهو يقع. إنها صورة جديدة من السلطة المهنية: سلطة الإدارة الإعلامية، وحفظ الكلمة، وتنظيم انتقالها من رأس المؤسسة إلى شعبها.

قداسة البابا تواضروس الثاني والأستاذة بربارة سليمان: الكفاءة في قلب العمل المؤسسي
يبلغ هذا المسار في عهد قداسة البابا تواضروس الثاني صورةً أكثر وضوحًا من حيث الاختصاص والظهور العام. فالأستاذة بربارة سليمان تشغل منصب مديرة المكتب البابوي للمشروعات والعلاقات، وتشارك بحكم موقعها في إدارة مشروعات وشراكات، وفي لقاءات تجمع قداسة البابا تواضروس الثاني بسفراء ووفود كنسية ودبلوماسية. وهنا لا تعود المرأة مسؤولةً عن مجال واحد مغلق، بل تصبح في قلب شبكة واسعة تصل الكنيسة بالتنمية والتعليم والمجتمع والدولة والعالم الخارجي.

تأسس المكتب البابوي للمشروعات سنة ٢٠١٣، وتثبت بيانات الكنيسة أن الأستاذة بربارة سليمان كانت مسؤولةً عنه منذ سنة ٢٠١٤ على الأقل. وخلال أكثر من عقد ارتبط نشاط المكتب بالتعليم والرعاية الصحية والتدريب الفني وبناء القدرات والإغاثة والتنمية المجتمعية، إلى جانب العلاقات الحكومية والدبلوماسية والكنسية. ومن أعماله إطلاق برنامج «جسور السلام»، وبناء شراكات مع مؤسسات عامة ومدنية، وتوقيع بروتوكولات لدعم التعليم الفني وتأهيل الشباب لسوق العمل، والمشاركة في حوارات وزيارات تتصل بالخدمة الاجتماعية والعلاقات بين الكنائس.

ويعرّف الملف المهني العلني للأستاذة بربارة سليمان بها بوصفها حاصلةً على درجة ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ليفربول في المملكة المتحدة، وذات خبرة في إدارة المشروعات والعلاقات الحكومية والدبلوماسية. وهذا التأهيل يتصل مباشرةً بطبيعة موقعها: التخطيط، وإدارة الموارد والمشروعات، وبناء الشراكات، والتعامل مع مؤسسات متعددة الثقافات والمصالح.

وبذلك يقوم موقع الأستاذة بربارة سليمان على عناصر مهنية واضحة: تأهيل أكاديمي مناسب، وخبرة تنفيذية ممتدة، واستمرار في المسؤولية لأكثر من عقد، ومكتب اتسعت مشروعاته وعلاقاته وظهرت أعماله في مجالات متعددة. إنها ليست حالةً تحتاج إلى تبرير، بل نموذج طبيعي لاختيار الكفاءة المناسبة للعمل المناسب.

وتتجلى أهمية هذا النموذج حين نقارنه بما سبقه. فقد حملت الأستاذة إيريس حبيب المصري معرفة الكنيسة إلى المجال المسكوني، وقادت تماف إيريني جماعةً رهبانية، وأدارت الأستاذة لونا رزق المنبر البابوي، ثم تولت الأستاذة بربارة سليمان إدارة مكتب يعمل في المشروعات والعلاقات. لم تختف النماذج السابقة، بل تراكمت وظائفها واتسعت حتى وصلت المرأة إلى موقع تنفيذي معلن داخل بنية البطريركية الحديثة.

ولا تنتقص المتابعة الإدارية من هذا التقدير، بل تكمله. فالمؤسسة القوية تعلن اختصاصات مكاتبها، وتنشر السير المهنية لقياداتها، وتقدم تقارير عن أهداف مشروعاتها ونتائجها. وهذه القواعد تحمي المسؤول الكفء لأنها تثبت إنجازه وتحدد مسؤوليته، وتحول الثقة من انطباع شخصي إلى معرفة واضحة. فالشفافية ليست ظلًّا من الشك، بل الوجه الإداري للثقة.

أربعة عهود ومسار واحد
لا تشغل الشخصيات الأربع وظيفةً واحدة، ولا يصح اختزالهن في صورة «نساء حول البطريرك». الأستاذة إيريس حبيب المصري صاحبة علم وتمثيل، وتماف إيريني رئيسة مؤسسة رهبانية، والأستاذة لونا رزق مديرة منبر إعلامي، والأستاذة بربارة سليمان مديرة مكتب للمشروعات والعلاقات. وما يجمعهن ليس القرب الشخصي من أربعة بطاركة، بل التقاء الكفاءة بالحاجة في أربعة عهود مختلفة.

لقد تحرك الدور من المعرفة إلى القيادة الرهبانية، ومن القيادة إلى الإعلام، ومن الإعلام إلى المشروعات والعلاقات. وليس معنى ذلك أن تاريخ المرأة سار في خط مستقيم بلا عقبات، بل إن المؤسسة، كلما احتاجت إلى موهبة وتجرأت على الثقة بها، وجدت في نسائها قدرةً على حمل المسؤولية وصنع الأثر.

وتكشف هذه النماذج كذلك أن عدم حصول المرأة على رتبة كهنوتية لم يمنعها من ممارسة مسؤوليات واسعة في المجالات غير الكهنوتية: كتابة الذاكرة، والتمثيل، وقيادة الرهبنة النسائية، وإدارة الإعلام، وتنظيم المشروعات والعلاقات. ولا يحسم هذا الواقع الجدل اللاهوتي حول الرتب، لكنه يهدم عمليًّا كل تصور يحصر المرأة في دور ثانوي أو مساعد. فقد كانت المرأة فاعلةً في بناء المؤسسة، لا واقفةً على أبوابها.

ومن هنا ينبغي أن ينتقل حضور المرأة من نجاحات فردية لامعة إلى مسار مؤسسي مستقر: فرص عادلة، ومعايير معلنة للكفاءة، ووصف واضح للوظائف، وإمكان حقيقي للوصول إلى مواقع المسؤولية. فالمرأة لا تحتاج في كل جيل إلى إعادة إثبات قدرتها؛ لقد أثبتها التاريخ والعمل، من الأستاذة إيريس حبيب المصري إلى تماف إيريني، ومن الأستاذة لونا رزق إلى الأستاذة بربارة سليمان.

إن وجود المرأة المؤهلة في البطريركية ليس امتيازًا زائدًا يُمنح لها، بل حق للكنيسة نفسها في أن تنتفع بكل المواهب التي أودعها الله في أبنائها وبناتها. والأستاذة بربارة سليمان ليست نهاية هذا المسار، بل شاهد معاصر على إمكانه: امرأة مؤهلة تدير عملًا يوافق تخصصها، وتشارك في نقل الكنيسة من منطق الإدارة المحدودة إلى آفاق المشروعات والشراكات والعمل العام.

والكنيسة التي تفتح أبواب المسؤولية للكفاءة لا تجامل عصرها، ولا تتنازل عن تقليدها، بل تصير أكثر وفاءً لذاتها؛ لأن الوزنات لا تُصان بدفنها، بل بإطلاقها للعمل. وحين تجد المرأة مكانها الطبيعي في المؤسسة، لا تكون قد أخذت موقع رجل، بل تكون الكنيسة قد استعادت موهبةً كان نقصانها نقصانًا من جسدها كله.