خالد منتصر
عندما ظهر لاعب الكرة الشهير المعتزل روبرتو كارلوس فى فيديو ليجيب عن سؤال من المذيع اللبنانى، هذا السؤال الذى كان ينتظره ملايين المسلمين، وهو: «هل أسلمت يا روبرتو ونطقت بالشهادتين؟»، لم ينزل الرد برداً وسلاماً على من كانوا ينتظرون على أحر من الجمر، إعلان روبرتو كارلوس إسلامه بعد زواجه من السيدة المغربية، كان الرد إنه يحترم كل الأديان، لكنه ما زال مسيحياً، الصدمة عندى لم تكن فى إجابة كارلوس، لكنها كانت فى انتظار المسلمين لإسلام كارلوس!، لماذا هذا التحرق شوقاً لهذا الإعلان وكأنها غزوة بدر، أو فتح مكة؟، لماذا نحس دوماً بهذه الدونية، حتى ننتظر تسول الاعتراف من لاعب كرة، أو نجم هوليوودى؟!،

لماذا نظل مرضى مزمنين بهذا الوسواس القهرى من هشاشة الاعتقاد، الشبيهة بهشاشة العظام، التى تجعل الهيكل الفكرى لنا مثل الهيكل العظمى لهذا المرض، يعانى من «التخوخ»، الذى لا يجعلنا قادرين على القيام أو السير فى ركب الحضارة؟، تكرر هذا المشهد أمامى عدة مرات، وكانت كل مرة تمثل خجلاً أو «كبسة» بلغة الشارع، مرة عندما أعلن داعية إسلامى شهير على الهواء، أن اللاعب الأرجنتينى ميسى قد أسلم، وعندما أعلنت المواقع أن اللاعب دوروجبا أسلم، وكذلك كريستيانو، احتفل الملايين،

وبدأ الفوتوشوب، لهذا اللاعب وهو يصلى، وذاك اللاعب بملابس الإحرام، حتى ولو كان ميعاد الحج بعدها بشهور!، حتى فريمان، نجم هوليوود الشهير، فى كأس العالم بقطر، أعلنوا أنه قد أسلم، واضطر الرجل لإنكار ذلك!، والسؤال الذى يفرض نفسه، لماذا كل تلك الزيطة والزمبليطة والاحتفالات والهتافات التى ننفرد بها دوناً عن العالم؟، لم نسمع أن الصين احتفت بنجم هوليوودى يعلن بوذيته، أو أن الهند كتبت فى مواقعها وأعلنت فى فضائياتها أن نجم الكرة فلان قد مارس الطقوس الهندوسية؟!!،

لماذا نحن فقط؟، لماذا فجأة عندنا تتحول العقيدة إلى ألتراس كرة، والعقيدة إلى صفقة انتقالات، واعتناق النجم للدين إلى «كأس بطولة»، تنتشر صورته، وتُستخرج تصريحاته القديمة، ونهتف، هيييه، النجم العالمى يختار ديننا، وكأن الدين يحتاج إلى ختم من لاعب كرة أو ممثل سينمائى حتى تقتنع به!، يا سادة، جوليا روبرتس تحدثت عن اعتناقها الهندوسية، وريتشارد جير ارتبط ببوذية التبت، وإليزابيث تايلور تحولت إلى اليهودية، بينما اعتنق كتّاب كبار مثل جراهام جرين الكاثوليكية... الخ، لو كانت صحة العقيدة تُقاس بعدد المشاهير الذين يدخلونها، فستستطيع كل ديانة تقريبًا أن تفتح متحفًا لنجومها وتعلن الفوز!، المشكلة هنا ليست فى الفرح بإنسان وجد طريقًا روحيًا يطمئن إليه، المشكلة فى تحويل تجربته الفردية إلى دليل إثبات، ووثيقة شهر عقارى، وعقد أخضر!!،

فالممثل العظيم ليس بالضرورة فيلسوفًا عظيمًا، والهداف التاريخى ليست لديه الحلول السحرية لأسئلة الميتافيزيقا، وأسرار الوجود، الشهرة تمنح صاحبها جمهورًا، لكنها لا تمنحه عصمة فكرية، فى علم النفس هناك مفهوم قريب يسمى Social Proof، أو «البرهان الاجتماعى»، عندما يصعب علينا تقييم فكرة معقدة بأنفسنا، ننظر إلى اختيارات الآخرين، خصوصًا أصحاب المكانة والشهرة، ونستعير منهم الاطمئنان والأمان، ولهذا تبيع الشركات منتجاتها بوجه لاعب مشهور،

ليس لأنه كيميائى يعرف تركيب معجون الأسنان أو خلطة الشامبو، بل لأن صورته تمنح المنتج سلطة عاطفية لا علاقة لها بالبرهان، هكذا الأمر فى المجتمعات الفقيرة، مجروحة النرجسية، المطرودة من جنة الحداثة، والتى تشعر أن هويتها الدينية أو الثقافية محاصرة أو موضع اتهام، عندها يصبح اعتناق شخصية عالمية لدين الجماعة نوعًا من التعويض النفسى، انظروا،

الغرب الكافر المتقدم نفسه يعترف بنا!، وكأن قيمة العقيدة تحتاج إلى شهادة جودة من هوليوود أو البريميرليج، وللأسف ندخل فى دوامة شائعات، وتفسيرات وهمية، صورة لاعب شهير يقرأ كتابًا إسلامياً، إذن قد أصبح مسلماً، ممثلة ارتدت ايشارب، إذن ربنا هداها؛ رياضى رفع يديه صدفة بعد الفوز، فتبدأ سكرينات وتحليلات حركة أصبعه السبابة!، رغبتنا الحارقة فى أن تكون القصة صحيحة تسبق أحيانًا السؤال البسيط الذى لابد من طرحه، هل حدثت تلك القصة أصلًا؟،

حتى المنطق عندنا وان واى، نحتفل بالدخول، ونهمل الخروج!،

برغم أن كليهما، الدخول والخروج، لا يعنيان ولا يثبتان شيئًا. فالحقيقة لا تخضع لبورصة الانتقالات، الإيمان، حين يكون عميقًا، لا يحتاج إلى جمهور يصفق، وتحول الإنسان من عقيدة إلى أخرى قد يكون رحلة فكرية أو أزمة وجودية أو تجربة روحية أو بحثًا شخصيًا طويلًا، ويستحق أن يُفهم بهذه الحساسية، لا أن يُرفع مثل كأس العالم، فالدين الذى يحتاج إلى لاعب كرة ليبرهن على صحته يظلم الدين واللاعب معًا، والأسئلة الوجودية الكبرى لا تُحسم بعدد المتابعين، ولا بعدد الأوسكار، ولا بعدد الأهداف.

الحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة لأن مشهورًا صدّقها، ولا أقل حقيقة لأن مشهورًا تركها.
نقلا عن المصرى اليوم