فاطمة ناعوت
أخطرُ الألعاب تتمُّ داخل النفس البشرية. ويتجلّى الجحيمُ حين لا يحتاجُ الشرُّ أن يكسرَ الأبواب ليداهمنا، فهو نائمٌ فى أعماقنا، ينتظر طرقةً خفيفة توقظه، تأتى فى هيئة فضول، طمع، أو واعظ يلهج لسانُه بالفضيلة، ويُجيد إخفاء الخنجر فى ثيابه. لهذا تبدو «لعبة جهنم» أوسعَ من حدود مسلسل قصير فى حلقاتٍ ثلاث. فهى ليست عن جرائم الـDark Web، ولاعن مراهق ذكى يستغل حاجة الناس ليستمتع بسادية التعذيب وجنى المال. إنها سؤال قديم يتجدد: كيف يتحول الإنسانُ من كائنٍ حرٍّ إلى قطعة شطرنج فى يد أذكى؟.
الاستعبادُ لا يحتاج سلاسل من حديد. فأخطر القيود هى تلك التى يصفِّدُ بها الإنسانُ نفسَه. هنا يكمن ذكاء العمل الدرامى. فاللعبة تبدأ بالاختيار، لا بالإجبار. دردشةٌ صغيرة لا تستدعى القلق، تنتهى بالدم. فالشر لا يأمر ضحيته بالقفز إلى الهاوية؛ بل يأخذ يدها برفق خطوةً خطوةً، حتى يتحول البرىء إلى قاتل دموى.
تلك حكايةُ الإنسان منذ بدء الخليقة. فالشيطانُ لم يفرضِ الخطيئةَ، بل زيّنها. لم يلغِ الإرادة، بل استخدمها ضدّ صاحبها. ولذا فإن «لعبة» المسلسل ليست برنامجًا إلكترونيًا بل استعارة كبرى لكل قوة تُجيد استثمار نقاط ضعف البشر: الوحدة، العَوَز، البحث عن بطولة، الجوع إلى الانتماء. ونجح المسلسلُ فى تقديم صورة للمجرم «الأنيق»، والمجرم «الطيب». كلاهما يعيشُ بيننا ونصافحه يوميًّا. نحبُّه وننصتُ إليه لأننا لا نرى وجهه المختبئ فى الظلام. فالشرُّ نادرًا ما يرتدى ملامح الوحش. غالبًا له وجهٌ هادئ، وصوتٌ خفيض، ولسانٌ عذبٌ، ومنطقٌ متماسك. وجوهٌ مألوفة تمر بجوارك فى الشارع دون أن تلفت انتباهك. وتلك أخطرُ رسائل الدراما. هدم نظرية «لومبروز»، التى تجعلنا نبحث عن المجرم فى ملامحه، بينما الأخلاقُ لا تُقرأ من الوجوه. فالقاتل قد يكون أكثر الناس حديثًا عن الشرف، والصموتُ قد يحمل قلبًا أنقى ممن يتحدثون باسم الفضيلة.
يثير العمل سؤالا خفيًّا عن غياب الحوار بين الأجيال؟، كم من آباء وأمهات لا يعرفون عوالم أبنائهم وما يصنعون بهواتفهم، التى قد تكون مصيدة للابتزاز والاستقطاب نحو عالم الجريمة؟، الفجوة الرقمية ليست فقرًا فى المعرفة التقنية، بل فجوة فى اللغة، والقدرة على الإصغاء، وفهم المخاوف الجديدة التى لم تعرفها الأجيال السابقة. الرقابة وحدها لا تنقذ أبناءنا، والمنع لا يصنع الوعى. الطفل الذى لا يجد أبًا وأمًّا يحاورانه، سيجد من يستمع إليه فى مكان ما، قد يكون بداية السقوط للهاوية. والتكنولوجيا بريئةٌ من خطايانا براءةَ السكين من دمائنا. كلاهما أداةٌ فى يدٍ ما، نظيفة أم دنسة، وضمير ما، يقظٍ أم غافل.
ولابد من التوقف أمام الأداء المدهش الذى حوّل أوراق «نجلاء الحدينى» إلى لحم ودم. قدّم «محمد فراج» واحدًا من أكثر أدواره صعوبةً وتعقيدًا. برع فى تقديم «الشر الطيب»، الذى يعظُ فى النور ويقتل فى الخفاء. جعلنا نلمسُ وجه «الشيخ علاء»، الذى يحنو على الأطفال نهارًا ثم يقطّع أوصالهم فى الليل. كذلك قدّم الواعدُ «عمر رزيق» شخصية الابن النابغة الذى تتمناه كلُّ أمٍّ، وهى لا ترى كيف يحرّك ضحاياه عبر شاشة فى غرفته، فيُحول الطيبين إلى قتلة، والأطفال إلى أشلاء. تعبيرات وجهه الهادئة ونشوته وهو يستمتع بتعذيب ضحاياه، القتلة والمقتولين، تستحقُّ جائزة. وهنا تتجلى عبقرية الإخراج لـ«إسلام خيرى» من زوايا التصوير والكلوزات على الملامح والإضاءة، واختزال مشاهد العنف لترتسم فى عقل المشاهد بدقة، دون إفصاح. كذلك الطفل «منذر مهران» أربكنا بحضوره وأدائه، ملامح البراءة والشقاوة والخوف والفضول المعرفى الآسر. تحيةَ احترام لصنّاع هذا العمل التوعوى الجميل.
ويكتمل ذكاءُ العمل بعنوانه: «لعبة جهنم». فالجحيم ليس مكانًا قصيًّا ينتظر البشر بعد نهاية الطريق، بل يبدأ فى اللحظة التى يفقد فيها الإنسانُ حريتَه، ويُميتُ ضميره. فالشر لا يطلب منك أن تصبح شيطانًا، بل يكفيه أن يجعلك تتوقف عن طرح الأسئلة. وحين يموت السؤال، تموت الحرية. لذا فإن أفضل ما نهديه لأبنائنا ليس هاتفًا أحدث، ولا برامج حماية أكثر تعقيدًا، بل عقلًا يتساءل، وضميرًا يقظًا، وثقة تجعلهم يعودون إلينا قبل الغرباء. تلك هى الحصانة الوحيدة فى هذا العالم الرقمى المخيف. المعركة ليست بين الخير والشر، ولا بين المجرم والضحية، بل بين الوعى والغفلة. ففى كل عصر تتغير الأدوات، لكن الفخ واحد، والإنسان هو الإنسان. المعركة دائمًا تدور بين الإنسان ونفسه: اختياره أن يبقى سيدَ نفسه، أو يصير عروسَ ماريونيت تحركها خيوط خفية.
مقام السؤال:
منذ متى توقفتَ عن سؤال نفسك، وبدأتَ تكتفى بما يُملَى عليك، وإذا كان الشرُّ لا يدخل إلا من الباب الذى نفتحُه نحن، فمَن يحرسُ مفاتيحَ النفس من لصوص الوعى؟.
نقلا عن المصرى اليوم





