د. مصطفى راشد
أزمة المعرفة قبل أن تكون أزمة المال. ففى عالم أصبحت فيه التكنولوجيا معيارًا حقيقيًا لقوة الدول واستقلالها، ما زالت بعض الدول وخاصة الإسلامية تعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد التكنولوجيا من الدول المتقدمة، وتؤكد اليونسكو أن الدول الإسلامية، رغم توسعها فى التعليم العالى واستثماراتها فى مجالات التكنولوجيا، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على واردات التكنولوجيا. بدلًا من أن تكون منتجًا ومصدرًا لها.
لكن هناك نماذج تحاول مثل تركيا ومصر وماليزيا والإمارات والسعودية وغيرها، لكنها تكشف عن فجوة واسعة بين الإمكانات المتاحة وبين القدرة على تحويل العلم إلى صناعة وتكنولوجيا قابلة للمنافسة عالميًا.
تشير بيانات ومؤشرات منظمة التعاون الإسلامى إلى أن دول المنظمة لا تزال متأخرة عن المتوسط العالمى فى الإنفاق على البحث والتطوير، كما أن نسبة الصناعات المتوسطة والعالية تكنولوجيا من القيمة المضافة الصناعية ما زالت أقل بوضوح من المتوسط العالمى.
والتكنولوجيا ليست مجرد أجهزة هواتف أو حواسيب أو سيارات حديثة، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من التعليم والبحث العلمى، مرورًا بالمختبرات والجامعات وبراءات الاختراع، وتنتهى بوجود شركات قادرة على تحويل المعرفة إلى منتجات.
لهذا فإن الدولة التى تستورد التكنولوجيا فقط تظل فى موقع المستهلك، حتى لو امتلكت الأموال اللازمة لشراء أحدث المنتجات.
الأخطر أن استيراد المنتج النهائى لا يعنى بالضرورة امتلاك المعرفة التى صنعت هذا المنتج. فقد تشترى الدولة طائرة متقدمة، لكنها لا تستطيع تصنيع محركها، وقد تستورد معدات إلكترونية حديثة، لكنها لا تنتج الرقائق التى تقوم عليها، وقد تستخدم أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعى دون أن تمتلك الشركات والمراكز البحثية القادرة على تطوير نماذجها وتقنياتها الخاصة.
وأعتقد أن هذا التراجع لبعض هذه الدول يرجع لانتشار الفكر المتطرف الرافض للعلم الحديث ويعيش فى الماضى ويرفض المستقبل وثانيا ضعف الإنفاق على البحث العلمى والتطوير مقارنة بالدول التى تقود الثورة التكنولوجية. وجميع دول منظمة التعاون الإسلامى التى تتوافر عنها بيانات كانت فى عام ٢٠٢٢ دون المتوسط العالمى فى الإنفاق على البحث والتطوير. وثالثا هو الفجوة بين الجامعة والصناعة. ففى كثير من الدول، تنتج الجامعات أبحاثًا علمية، لكن هذه الأبحاث لا تتحول إلى شركات وبراءات اختراع ومنتجات صناعية. كما أن المال يمكنه شراء المعدات، لكنه لا يشترى بالضرورة المعرفة المتراكمة، ولا الخبرة البشرية، ولا الثقافة العلمية،
وثالثا هو هجرة العقول. فالعالم الإسلامى يمتلك الكثير من العلماء لكنهم لا يجدون البيئة المشجعة، لكن بعضهم يجد خارج بلاده بيئة أفضل من حيث التمويل والمختبرات والفرص العلمية والاستقلالية البحثية. وقد أشار مشروع «أطلس العلوم والابتكار فى العالم الإسلامي» إلى استمرار مشكلة هجرة العلماء إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا، ورابعا ضعف التصنيع. فقد يكون المصنع مجرد مكان لتجميع منتجات صممت وطورت فى الخارج.
نقلا عن المصرى اليوم





