بقلم الأب يسطس الأورشليمى
فى كور2الإصحـــــــــــاح التاسع يُقدم هنا عذراً عن غيرته في حثهم على ممارسة هذه النعمة، واستطرد الحديث فقدم توجيهات عن العطاء المقبُول وكيفية ممارسته، ويتضمن على الآتي:
(1) اعتذار لحثهُم على العطاء..
(2) العطــــــــــــــــــــــــــــــــــاء بسخاء..
(3) العطــــــــــــــــــــــــــــــــــاء بسرُور..
(4) النمُو في العطــــــــــــــــــــــــــــاء..
(5) العطــــــــــــــاء وذبيحة الشكر..
مع ما أتسم من الصراحة في كتاباته سواء للأفراد أو الكنائس، لكنه خلال الحُب يلطف من مشاعر سامعيه ويشجعهُم قبل أن يكشف عن جراحاتهم ويوبخهم، وهُو يحسب ما كتبه في رسالته الأولى بخصُوص حثهم على العطاء هُو نُوع من الفضُول، لأنهم محبُون للعطاء ومدركُون لأهميته، فما كان يليق به أن يذكرهم بهذه الفضيلة..
فإنه من جهة الخدمة للقديسين، هُو فضول مني أن أكتب إليكم، لأني أعلم نشاطكم الذي أفتخر به من جهتكم لدى المكدونيين، أن أخائية مُستعدة منذ العام الماضي، وغيرتكم قد حرّضت الأكثرين..
يكتب هكذا معتذراً يُشجعهم بطريقة غير مباشرة للعطاء بأكثر سخاء ويُشعرهم بأنهم يُمارسونه خلال مسرتهم بالعطاء، فهو يقتدي بالمسيح في حديثه مع سمعان بطرس بعد القيامة (يو15:21-17)..
فهو يعلم ما في قلب تلميذه من حُب له، لكنه كرّر السؤال ثلاث مرات: أتحبني؟! يبدُو هذا التكرار كنوعٍ من الفضُول، لكنه بالحقّ قدم دفعة قوية لعُودة الرسُول إلى عمله الرعوي المملوء حباً..
وهكذا نطق بذلك لكي يربحهم إلى جانبه، فقد ظن البعض أنهم لم يكُونُوا في حاجة إلى نصيحة إذ كانُوا يخجلون من الظهُور بأنهم أقل من غيرهم، ولا يريدون أن يظهروا أمام الآخرين أنهم مقصرُون..
لقد قدم أهل مكدونية إلى أهل كُورنثُوس مثلاً رائعاً في العطاء، وهنا يقدم أهل كورنثوس لأهل مكدونية، كأمثلة يحتذُون بها..
ولكن أرسلت الإخوة لئلا يتعطّل افتخارنا من جهتكم من هذا القبيل، كي تكونوا مُستعدّين كما قلت، حتى إذا جاء معي مكدونيون ووجدوكم غير مستعدّين لا نخجل نحنُ، فرأيت لازماً أن أطلب إلى الإخوة أن يسبقوا إليكم ويُهيئوا قبلاً بركتكم التي سبق التخبير بها..
يُؤكد لهم أنهم مُوضُوع فخره واعتزازه ليس في أعماقه فحسب، بل وأمام الآخرين، فهُو يتحدث مع شعبه بكُل توقير وتقدير لمشاعرهم، فيعتذر على حثهم على العطاء بمهارة عجيبة، وكأنه يقُول:
لقد كتبت ما فيه الكفاية بخصُوص هذا الأمر ولا حاجة لكم أن تقرأوا أكثر عنه، فهو على علم بأن كُل منطقة أخائية التي عاصمتها كورنثوس، كانت تستعد منذ العام السابق أن تساهم في مساندة القديسين الفقراء المساكين المتألمين، وأنه يفخر بهم، وبهذه الغيرة التي ألهبت قلوب الكثيرين للإقتداء بهم، ومن بينهم كنائس مكدونية..
ويبدو كمن يعتذر على إرساله تيطس والأخوين معه في هذا الشأن، لكنه يبرر ذلك بأن الوقت قد حان لتقديم العطية بسرعة وبسخاء، أفتخر بعملهم ويخشى من التأخير فيتعطل افتخاره بهم، وقد وجههم لإدراك أن العطاء مملوء بركة لمن يُعطي، فالعطاء بركة..
هذا وإن مَن يزرع بالشّح فبالشح أيضاً يحصد، ومَن يزرع بالبركات فبالبركات أيضاً يحصد، كل واحدٍ كما ينوي بقلبه، ليس عن حزنٍ أو اضطرارٍ، لأن المُعطي المسرور يُحبه الله..
الزرع بمعنى العطاء، كما يقول إشعياء: طُوباكُم أيها الزارعُون على كُل المياه، أي طوبى للذين هُم مستعدين أن يقدمُوا عوناً لكُل محتاج، فمن يُظهر رحمة لأخيه يظهر الله رحمته له، فهُو مبدأ رئيسي عام أنه لا يستطيع أحد أن يحصد، إلا ما يناسب ما زرعه، فالعطاء أشبه ببذور تُزرع وتأتي بحصاد، ومَن يزرع بسخاء ينال حصاداً لائقاً به..
يلزمكُم أن تفهمُوا أن الآن هُو الزمن، أي مادمنا في هذه الحياة، فلنسرع بغيرة ونقتني الحياة الأبدية، فإنه إذ ينتهي العالم فهذه العطية تقدم للذين اقتنوها لأنفسهم بالإيمان قبل أن يكُونُوا قادرين على رؤيتها، لنزرع تلك البذور الصالحة بسخاء حتى نحصد في الوقت المناسب بسخاء أيضاً، الآن هُو وقت للزرع فلا تتجاهلوا الأعمال الصالحة، حتى يمكنا في زمن الحصاد أن نجمع ثمار ما زرعناه هنا، ونستمتع برحمة وحنان الله..
لا يكفي أن يُقدم الإنسان بسخاءٍ متطلعاً أن ما يفعله هو بركة له سيحصد ما يفعله، وإنما يقدم بقانون الحُب، ألا وهُو قدر ما يستطيع بفرح وبهجة قلب، وما يفعله يخرج من قلبه وبكامل إرادته ومن كُل مشاعره وأحاسيسه فلا يُقدم برُوح التذمر، ولا تحت ضغط خارجي..
كما جاء في إشعياء: أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخل المساكين التائهين إلى بيتك إذا رأيت عرياناً أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك، حينئذٍ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت صحتك سريعاً ويسير برك أمامك ومجد الرب يجمع ساقتك، حينئذٍ تدعو فيجيب الرّب..
تستغيث فيقُول هأنذا، وأنفقت نفسك للجائع وأشبعت النفس الذليلة، يُشرق في الظلمة نُورك ويكُون ظلامك الدامس مثل الظهر، ويقودك الرّب على الدوام، ويشبع نفسك ويُنشّط عظامك فتصير كجنة ريّا، وكنبع مياه لا تنقطع مياهه، راجع الكتاب (إش7:58-11)..
كان لليهُود في الهيكل صندوقان للعطاء، أحدهما يُدعى الضروريات وفيه يقدم الشخص ما يُلزمه به النامُوس، والآخر صندُوق العطاء بكامل الحرية، حيثُ يُعطي الشخص ما لا يلزمه النامُوس بكامل إرادته، فالبعض كانوا بالكاد يقدمون ما يُلزمهم به النامُوس عن ضرورةٍ وبحزنٍ، والآخرُون يُقدمُون بسخاء أكثر مما يتطلب النامُوس بفرح وتهليل..
يقدمُونه بفرح من أجل الله وخلال محبتهم للمحتاجين، وهنا لا يتحدث الرسُول عن الفريق الأول الذي يُقدم العطاء عن ضرُورة، إنما يتحدث عن الفريق الثاني، فيقول يحبه الله، الفريق الأول يفقدُون بركة نعمة العطاء خلال شعُورهم بالالتزام مع حزن القلب، إنهم يرُون في العطاء فقداناً لما يملكونه ويقدمونه، وأنها محاولة لتهدئة غضب الله..
أما الفريق الثاني فيرُون في العطاء دفن لما يقدمونه كي ينتج حصاداً أعظم بكثير من البذور التي اختفت ودفنت، وأنه فيه حباً فائقاً مشتركاً بينهم وبين الله، فعطائهم موضع سرور الله، وهذه المسرة لا تعادلها أية خسارة مادية مهما بلغت قيمتها..
ولما كان العطاء أمراً جوهرياً في حياة المؤمن، تحدث كل آباء الكنيسة عن العطاء، إذ من بركاته تقيم من البشر أيقونة حية لحنو الله، وعندما نعطي بسرُور نقدم مع العطاء قلباً متهللاً، ونحصد هذا التهليل مضاعفاً حين نلتقي بعريس نفوسنا في يُوم الفرح الأبدي..
شتان ما بين مَن يقدم الضريبة للدولة في حزنٍ تحت القانُون وبين مَن يقدم عطاءً للمسيح بسرُور، الأول يلتزم بالعطاء في حزنٍ وخوف والثاني يجد مسرته في العطاء من أجل الحب ويترقب المكافأة السماوية..
والله قادر أن يزيدكم كُل نعمةٍ، لكي تكُونُوا ولكم كل اكتفاءٍ كل حينٍ في كل شيءٍ، تزدادون في كُل عمل صالح..
ليس من دليل يجعلنا نفقد الثقة في وعد الله من جهة العطاء، فهو أمين في مُواعيده وقادر على تحقيقها، يقدم لنا ما يشبع احتياجنا ويفيض ببركاته الرُوحية علينا، ويهبنا أيضاً عمل الصلاح، وكما يقول في المزمور: فرق أعطى المساكين، بره يبقى إلى الأبد، بقوله: فرق أي العطاء خارج أسرته كما في داخلها، كمن يبذر في أرضه وفي أراض أخرى..
ما يقدمه الإنسان كعطاءٍ سيزُول سواء قدمه أو أحتفظ به، لكن ما يبقى هو البرّ الدافع للعطاء، فالأشياء نفسها لن تبقى، إنما تبقى فاعليتها، لهذا يلزمنا ألا ننشغل، ولا نحسب ما هو لدينا بل نُعطي بسخاء..
فقوة الرحمة خالدة عديمة الفساد لا تهلك، كُل الأعمال زائلة وأما ثمرة الرحمة فلا تزول نضارتها، ولا تؤثر فيها تقلبات الزمان، لا الأيام تمحوه ولا المُوت، بل تكُون في مأمنٍ حتى بلوغها الحياة الهادئة..
إرواء الظمآن إلى المسيح أعظم من أحياء الموتى باسمه، لأنك إن أتممت الأمر الأول تحسن إلى المسيح، وإن أتممت الأمر الثاني يكُون المسيح قد أحسن إليك، فالجائزة لمن يفعل الخير، لا لمن يتقبله من الآخرين فبصنعك العجائب تكُون مديناً لله، أما بفعلك الرحمة يكُون الله مديناً لك، ويكتمل عمل الرحمة عندما تعطيها بطيب خاطرٍ وسخاءٍ غير متوقعٍ أجراً ولا شكر، بهذا نحصل على نعمة لأنفسنا لا خسارة..
يقدم الرسُول بعد ذلك صلاة لدى الله طالباً منه أن يسندهم ليقدمُوا بذوراً أكثر، أي يفتح قلوبهم بالأكثر نحو العطاء لينالوا حصاداً أوفر، فالله هو الذي يُعطي الباذر، وهو الذي يهب البذور أن تأتي بثمرٍ متزايدٍ، الله يقود النفس ويوجهها للعطاء كما يليق وفي الوقت المناسب، وهو الذي يُعطيها حصاداً وفيراً من النعم والبركات، بل ومن برّ وصلاح الله، فإن كان الله يكافيء الذين يفلحون الأرض بخيرات وفيرة، فكم وكم بالأكثر يكافيء الذين يفلحون تربة السماء باعتنائهم بالنفس وتشجيعها؟!
إذ يُعلن الله عن خطوبته للنفس ويستجيب لطلباتها، وتستجيب السماء لها كما الأرض، راجع الكتاب (هو21:3)..
مُستغنين في كُل شيءٍ لكُل سخاءٍ يُنشىء بنا شكراً لله، لأن افتعال هذه الخدمة ليس يسدّ إعواز القديسين فقط، بل يزيد بشكرٍ كثيرٍ لله، إذ هم باختبار هذه الخدمة، يُمجدُون الله على طاعة اعترافكم لإنجيل المسيح وسخاء التوزيع لهم وللجميع، وبدعائهم لأجلكم، مُشتاقين إليكم من أجل نعمة الله الفائقة لديكم، فشكراً لله على عطيته التي لا يُعبّر عنها..
هكذا يُغني الله النفس التي تشتهي العطاء وتمارسه بفرح قدر ما تستطيع يغنيها فتفيض بتسابيح الشكر له، والنفس التي تفرح بالعطاء تصير أيقونة المسيح، فتحمل بفيض بره وصلاحه، وتشاركه طبيعة الشكر، أن تعطي بسخاء هو ما يدعوه الرسُول بُولس:
يد مفتوحة، التي تعمل فينا لتقدم شكراً لله، هو الذي يهتم بإعالة الجسد فيضبط الإمطار وفصول السنة، أما المئونة الروحية فتركها في عهدتنا، فبإرادتنا يمكننا أن نقرر أن كانت ثمارنا وفيرة أم لا..
إذ يجد القديسون الفقراء ما أشبع احتياجاتهم، يُدرك المعطي أن هذا الشبع ليس بفضل منه، بل من الله فيفرح ويشكر الله، ويُشير الرسُول بُولس إلى أن العطاء للقديسين ليس موضُوع سد اعوازهم العاجلة فقط، إنما لها نتائج أخرى تقود إلى بركات متنوعة كثيرة..
يمدح الرسُول القديسين الفقراء لأنهم يشكرُون من أجل ما قُدم للآخرين من عطايا بالرغم من فقرهم، فليس أحد حاسد مثل الفقير، ومع هذا فإن هؤلاء الناس متُحررُون من هذا الهوى، حتى أنهم يفرحون من أجل البركات المقدمة للآخرين، وسيحصد الكورنثيون منافع صلوات الفقراء وهذه الصلوات هي حصيلة الحب العظيم..
عددّ الرسُول بُولس أثر العطاء المُفرح وفاعليته:
أولاً: إشبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع احتياجات القديسين..
ثانياً: بهــــــــــــــــــجة القلب بعمل الله، فيقدم ذبيحة شكر لله..
ثالثاً: شعور بالطاعة والخضُوع بفرح للوصية الإنجيلية..
رابعاً: تصلي قلوبهم من أجل الذين قدمُوا لهُم العطُـــــاء..
خامساً: تمجد قلوب المنتفعين الله من أجل المقدمين، بكونهم مخلصين في إيمانهم، وإنجيليين بالإيمان والعمل معاً، وطوبى لمن عمل وعلّم..
وهُو يركز هنا في مُوضُوع العطاء على نعمة الله، فالعطاء في ذاته هو نعمة إلهية، حيث يفتح الله القلب بالحب ليعطي بسخاء، والنعمة هي التي تُقدم بذار العطاء وتهب الحصاد حيث يتمتع المُعطي ببرّ المسيح، وتعمل في قلوب الذين نالوا العطاء ليشكروا الله ويسبحوه على نعمته التي تعمل في المعطين، وتطلب إن يزداد هؤلاء بالنعم الإلهية..
يشكر ويسبح الله على عطيته التي يهبها للمؤمنين والتي لا يُعبر عنها، فعطية النعمة التي تهب القلب فرحاً في العطاء بسخاء وهذه العطية هو السيد المسيح نفسه الذي يسكن في القلب فيجعله أيقونه له ويجد لذته في الحب العملي، والعطاء بسخاء وسرور، عطية الحب التي يتمتع بها المؤمنون، هذه التي تشتهي الملائكة أن تتطلع إليها..





