الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في إطار فهم الأرضيّة التي مهّدت لظهور لاهوت التحرير، من المهمّ أن نتوقّف قليلًا عند ما يُسمّى "التعليم الاجتماعيّ للكنيسة". فلاهوت التحرير لم يظهر فجأةً في أمريكا اللاتينيّة. فقبل ذلك بعقودٍ طويلة، كانت الكنيسة الكاثوليكيّة قد بدأت تطوّر تعليمًا رسميًّا متّصلًا حول "المسألة الاجتماعيّة"، قضايا مثل: العمل، والأجر العادل، والملكيّة الخاصّة، ودور الدولة، والفقر، والتنمية، والسلام، ثمّ بعد المجمع الففاتيكانيّ الثاني موضوعات البيئة بشكلٍ خاص. ولا يمكن في بوستٍ واحد أن نشرح هذه الوثائق كلّها، لذلك أضع هنا أهمّ الرسائل البابويّة العامّة والإشادات الرسوليّة التي تكوّن هذا المسار، حتّى يستطيع من يريد التوسّع أن يعود إليها بنفسه.
قبل المجمع الفاتيكانيّ الثاني نجد خصوصًا:
البابا لاون الثالث عشر، Rerum Novarum "الشؤون الحديثة" عام ١٨٩١: وهي نقطة الانطلاق الكبرى للتعليم الاجتماعيّ الحديث، وتتناول أوضاع العمّال، والعمل ورأس المال، والأجر، والملكيّة، وحقوق العمّال.
البابا القدّيس بيوس العاشر، Il Fermo Proposito عام ١٩٠٥: تناول فيها "العمل الكاثوليكيّ"، وربطه بالمشاركة الفعليّة للمسيحيّين في الحياة الاجتماعيّة. (لم تترجم بعد إلى العربيّة).
البابا بيوس الحادي عشر، Quadragesimo Anno "السنة الأربعون" عام ١٩٣١: صدرت بعد أربعين عامًا من "الشؤون الحديثة"، ووسّعت السؤال من علاقة العامل بصاحب العمل إلى "النظام الاجتماعيّ" والاقتصاديّ نفسه.
وأصدر البابا بيوس الحادي عشر أيضًا Divini Redemptoris عام ١٩٣٧، في مواجهة الشيوعيّة الملحدة، ومسؤوليّة الدولة تجاه الخير العامّ. (لم تترجم بعد إلى العربيّة).
البابا القدّيس يوحنّا الثالث والعشرون، Mater et Magistra "أمٌّ ومعلّمة" عام ١٩٦١، وتناقش المسيحيّة والتقدّم الاجتماعيّ، وتوسّع التعليم الاجتماعيّ ليشمل التحوّلات الاقتصاديّة الحديثة والعلاقات بين الشعوب.
يوحنا الثالث والعشرون، Pacem in Terris "السلام في الأرض" عام ١٩٦٣: ، وتربط السلام بالحقيقة والعدل والمحبّة والحرّيّة.
هذه هي الخلفيّة التي وصل إليها المجمع الفاتيكانيّ الثاني. ولهذا، حين تحدّث المجمع لاحقًا عن كرامة الإنسان، و؛علامات الأزمنة"، والعدالة، والعمل، والخير العامّ، والسلام، كان يبني على تراثٍ سبقَه، وبدأ يستفيد منه وفي صياغته في رؤيةٍ معاصرة أوسع للكنيسة والعالم.
ومن دون الخروج عن الموضوع، يمكن لنا لكي تكتمل الصورة العامّة للتعليم الاجتماعيّ للكنيسة أن نذكر أيضًا بعض أهمّ الرسائل العامّة الاجتماعيّة التي صدرت عن البابوات بعد المجمع الفاتيكاني الثاني:
البابا بولس السادس، Populorum Progressio "في تقدّم الشعوب وارتقائها" عام ١٩٦٧؛ وهي شديدة الأهمّيّة لفهم الجوّ الذي نشأ فيه لاهوت التحرير، إذ نقلت السؤال من تنمية الأفراد إلى التنمية المتكاملة للشعوب ومواجهة الجوع والفقر والتخلّف.
البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني، Laborem Exercens "العمل البشريّ" عام ١٩٨١، عن العمل.
يوحنا بولس الثاني، Sollicitudo Rei Socialis "في الشأن الاجتماعيّ" عام ١٩٨٧، عن المسألة الاجتماعيّة والتنمية والتضامن بين الشعوب.
يوحنا بولس الثاني، Centesimus Annus "السنة المئة" عام ١٩٩١، في الذكرى المئويّة لرسالة "الشؤون الحديثة"، وفيها يعيد قراءة قرنٍ كامل من التحوّلات الاقتصاديّة والسياسيّة ونظرة الكنيسة إليها.
البابا بندكتوس السادس عشر، Caritas in Veritate "المحبّة في الحقيقة" عام ٢٠٠٩،، عن التنمية البشريّة المتكاملة في المحبّة والحقّ.
البابا فرنسيس، Laudato Si "كُنْ مُسَبَّحًا"، عام ٢٠١٥. هذه الرسالة أدخلت الأزمة البيئيّة بوضوحٍ داخل السؤال الاجتماعيّ والتعليم الاجتماعي للكنيسة، وربطت صرخة الأرض بصرخة الفقراء.
البابا فرنسيس، Fratelli Tutti "الأخوّة الشاملة" عام ٢٠٢٠، عن الأخوّة والصداقة الاجتماعيّة، والخير العامّ، والهجرة، والسلام.
البابا لاون الرابع عشر، Magnifica Humanitas "الإنسانيّة الرائعة"، ٢٥ مايو ٢٠٢٦. صدرت بمناسبة مرور ١٣٥ عامًا على صدور رسالة لاون الثالث عشر "الشؤون الحديثة"، وتحدثت عن الذكاء الاصطناعيّ.
بالتأكيد ، هذه ليست كلّ وثائق التعليم الاجتماعيّ للكنيسة. فتوجد رسائل ووثائق أخرى مهمّة صدرت عن مجالس أسقفية محلّية. ما ذكرته هنا يكفي لتقديم رؤية الخطّ التاريخيّ العامّ للموضوع.
المهمّ هنا هو ملاحظة التطوّر، بدأت الكنيسة الحديثة من "المسألة العمّاليّة"، ثمّ اتّسع السؤال إلى النظام الاقتصاديّ، والحقوق، والسلام، وتنمية الشعوب، والتضامن، والعمل، والعولمة، والبيئة، والأخوّة بين البشر. وفي داخل هذا التاريخ بالتحديد سيظهر لاهوت التحرير في الستّينيّات في أمريكا اللاتينيّة.
توجد إذًا حلقة متينة بين التعليم الاجتماعيّ وولادة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة: المجمع الفاتيكانيّ الثاني. فالمجمع غيّر الطريقة التي تنظر بها الكنيسة إلى علاقتها بالعالم والتاريخ. وهذا سيكون موضوع الحلقة القادمة.
(أغلب الرسائل المذكورة أعلاه متاحة بالعربيّة على موقع الفاتيكان ومواقع أخرى)
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





