الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
إذا أردنا شخصيةً واحدة تجسّد "العصر الذهبيّ" للتراث القبطيّ العربيّ في القرن الثالث عشر، فأبو شاكر ابن الراهب من أفضل الأمثلة. ونعتمد هنا خصوصًا على الدراسة المرجعيّة التي خصّصها له عادل سيداروس عام ١٩٧٥، ثم على دراسته الإنجليزيّة المختصرة الأحدث عنه. سنضع الدراستين في المراجع. فعادل سيداروس وحده كتب نحو ٢٥ عملًا عن ابن الراهب (سنضع رابط البيبليوجرافيا التي جمعها ونشرها بنفسه). ويصفه سيداروس بأنه أبرز موسوعيّي هذا العصر. فقد جمع بين التاريخ والفلك والكرونولوجيا واللغة والتفسير والفلسفة واللاهوت، وكانت قيمة مشروعه في اتساع مصادره وطريقته في جمعها وتنظيمها بقدر ما كانت في آرائه الخاصة. يذكر سيداروس أنّ ابن الراهب كان شماسًا في الكنيسة المعلّقة بمصر القديمة، وعمل أيضًا في الإدارة. وترك خلال فترة قصيرة نسبيًّا أربعة أعمال كبرى تكشف وحدها اتساع ثقافته: «كتاب التواريخ» عام ١٢٥٧، ومقدمة في قواعد القبطيّة مرتبطة بـ«سُلَّم» معجمي عام ١٢٦٣، و«كتاب الشفاء» عام ١٢٦٧–١٢٦٨، ثم «كتاب البرهان» عام ١٢٧٠–١٢٧١. فالمؤلف نفسه يكتب في التاريخ واللغة والكتاب المقدّس والكريستولوجيا والفلسفة واللاهوت.
ويكشف «كتاب التواريخ» معنى هذه الموسوعيّة. فهو يجمع حساب الأزمنة والتقاويم عند العرب والعبرانيين والفرس واليونان والرومان والسريان والأقباط، ثم ينتقل إلى التاريخ العالمي، فالتاريخ الإسلامي، ثم تاريخ بطاركة الإسكندريّة والمجامع. ويستخدم ابن الراهب مصادر علميّة إسلاميّة، منها ابن يونس والخوارزمي، كما يستفيد من التأليف التاريخي الإسلامي. ولهذا لم يكن العالم القبطيّ عنده منفصلًا عن تاريخ مصر والعالم الذي يعيش فيه. أما «كتاب البرهان» فيكشف مستوى آخر من التداخل الفكري. فهو موسوعة فلسفيّة لاهوتيّة في خمسين مسألة، تمتد من المنطق والفلسفة إلى العقيدة والقانون والليتورجيا. ويبدأ ابن الراهب بمقدمات منطقيّة يعتمد فيها على الفارابي وابن سينا والغزالي وفخر الدين الرازي، ثم يوظّف هذه الأدوات في عرض الإيمان القبطي والدفاع عنه. بل يعود إلى الرازي مرارًا في مسائل معرفة الله، فيقتبس منه ويصحح ويعارض وفق تصوره المسيحي.
وهنا نفهم لماذا سمّى سيداروس ابن الراهب «موسوعيًّا قبطيًّا عربيًّا». ففي القرن الثالث عشر أصبحت العربية اللغة التي يستطيع بها القبطيّ أن يقرأ الفلسفة الإسلاميّة، ويكتب تاريخ مصر، ويشرح الكتاب المقدّس، ويؤلّف في الكريستولوجيا، ويضع قواعد اللغة القبطيّة، ثم يجمع هذه العوالم كلّها داخل مشروع معرفي واحد. هذه هي إحدى العلامات الكبرى لـ«العصر الذهبيّ»: لم تعد المكتبة القبطيّة العربيّة مجموعة كتب دينيّة متجاورة؛ فقد أصبحت مكتبة موسوعيّة.
وفي الحلقة القادمة نقترب من مفارقة شديدة الدلالة في هذا التاريخ: كيف أصبحت العربيّة نفسها الأداة التي حاول بها الأقباط حفظ لغتهم القبطيّة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





