الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس
من السلطة إلى الشركة
قرار "التوافق المتبادل"
وإعادة رسم العلاقة بين البابا والبطاركة والسينودسية
في الكنيسة الكاثوليكية
و
قراءة لاهوتية وقانونية وتاريخية وكنسية
في قرار "التوافق المتبادل"
ومكانة البطريركيات الشرقية وحدود السلطة والمساءلة وآفاق الإصلاح
مقدمة:
أسئلة في بداية المقال قبل الحكم حول قرار البابا:
1 ـ هل إصلاح سينودسي أم إضعاف للبطريركيات الشرقيّة؟
2 ـ أم من السلطة إلى الشركة؟
3 ـ هل هو قرار «التوافق المتبادل» وإعادة رسم العلاقة بين البابا والبطاركة والسينودسية في الكنيسة الكاثوليكية؟
4 ـ هل يمكن لقداسة البابا لاوُن الرابع عشر، بما يحمله من خبرة كنسية، وروحانية، ورجاحة عقل، ونظرة ثاقبة، أن يُصدر قرارًا بهذه الأهمية والحساسية، يمس بنية البطريركيات الشرقية وعلاقة البطريرك بالسينودس والكرسي الرسولي، من دون أن يكون قد سبقه قدر كافٍ من المراجعة والتدقيق والتشاور؟
5 ـ هل من الممكن أن يكون قد سبق إصدار القرار تواصلٌ واسع، ومشاوراتٌ عميقة، واجتماعاتٌ مغلقة وغير معلنة مع البطاركة والأساقفة المعنيين، جرى خلالها الاستماع إلى آرائهم، ومناقشة مختلف جوانب القرار ونتائجه المحتملة، قبل أن يخرج إلى العلن في صورته النهائية؟
مجرد أسئلة أطرحها، لا اتهامًا ولا حكمًا مسبقًا.
بل أطرحه انطلاقًا من الاحترام لشخص قداسة البابا، ومن الإيمان بأن قرارًا بهذا الحجم، وبما يمكن أن يترتب عليه من آثار لاهوتية وقانونية وكنسية ورعوية، لا بد أن يكون قد خضع لأعمق درجات الدراسة والتمييز والمشاورة.
والسؤال هنا ليس: هل كان البابا يعلم أم لا يعلم؟
بل السؤال الأعمق:
إلى أي مدى سبقت القرارَ روحُ الشركة التي يدعو إليها القرار نفسه؟
فإذا كانت السينودسية تعني السير معًا، والإصغاء المتبادل، والتمييز المشترك، فمن المشروع أن نسأل: هل عاشت عملية إعداد القرار نفسها هذه الروح قبل صدوره؟
إن كان قد جرى ذلك بالفعل، فهو أمر جدير بالتقدير، حتى وإن بقي من حقنا أن نناقش النص ونتائجه وآثاره.
وإن لم يكن قد جرى بالقدر الكافي، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا:
هل تحتاج الكنيسة إلى مراجعة آليات إعداد القرارات التي تمس البنى العميقة للكنائس الشرقية، بحيث تكون الشركة في صناعة القرار سابقة على الشركة في تنفيذ القرار؟
إنه مجرد سؤال أطرحه، وأترك للقارئ وللكنيسة وللتاريخ مساحة الإجابة.
___________________
تمهيد:
عندما يتحول النص القانوني إلى قضية كنسية
بعض القرارات الكنسية لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد تعديلات إدارية أو تقنية في نصوص القانون، لأن وراء النص القانوني تاريخًا طويلًا من التطور الكنسي، وبنية لاهوتية، وتقاليد شرقية وغربية، ومفاهيم دقيقة للسلطة والشركة والأولوية والمجمعية والسينودسية.
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية القرار البابوي المعروف بعنوان:
Mutua Concordia ـ التوافق المتبادل.
فالقرار الصادر في 29 أغسطس/آب 2026، والذي عدّل القانونين 106 و126 من قانون قوانين الكنائس الشرقية، يفتح بابًا واسعًا للتأمل والمناقشة حول طبيعة العلاقة بين البطريرك وسينودس الأساقفة، وبين الكنائس الشرقية والكرسي الرسولي، وحول الحدود الدقيقة بين السلطة والمساءلة.
ومن هنا لا ينبغي أن نتعامل مع القضية بعقلية الانتصار لطرف والهزيمة لطرف.
فليس الهدف أن نقول إن البابا مخطئ في كل شيء، ولا أن البطريرك مصيب في كل شيء، ولا أن السينودس معصوم من الخطأ.
إن المعيار الذي ينبغي أن يحكم هذه القراءة هو:
مجد اسم الله، ومصلحة الكنيسة، واستقامة حياتها، وخير النفوس المؤمنة بالمسيح، وخلاص النفوس.
وهذا يفرض علينا أن نقرأ القرار بموضوعية، وحياد، وشجاعة، وأمانة علمية، وأن نميز بين ما هو قانون نافذ، وما هو تفسير، وما هو نقد، وما هو اقتراح إصلاحي.
___________________
أولًا: ما هو القرار الذي نتحدث عنه؟
أصدر قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في 29 أغسطس/آب 2026 رسالة رسولية في صيغة:
Motu Proprio ـ بمبادرة ذاتية
حملت عنوان:
Mutua Concordia ـ التوافق المتبادل.
ووفق النص الرسمي، فإن هذه الوثيقة تعدل القانونين 106 و126 من قانون قوانين الكنائس الشرقية (Codex Canonum Ecclesiarum Orientalium ـ CCEO).
وهنا ينبغي تصحيح أمر مهم جدًا منذ البداية.
فالقرار لا يتعلق بإمكان عزل البابا، ولا يضع آلية لعزل الحبر الروماني.
إنما يتعلق بإجراءات قانونية تخص البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية.
وهذا التمييز أساسي لفهم الوثيقة فهمًا صحيحًا.
___________________
ثانيًا: ماذا يريد القرار أن يحقق؟
ينطلق القرار من مفهوم التوافق المتبادل بين البطريرك، بوصفه الأب والرأس، وبين إخوته الأساقفة الذين يشكلون معه السينودس.
والفكرة في جوهرها ليست إلغاء سلطة البطريرك، وإنما التأكيد على أن الرئاسة البطريركية لا تمارس في عزلة عن الأساقفة، وأن الحياة الكنسية الشرقية تقوم على الشركة والمجمعية والمسؤولية المشتركة.
وهذا المبدأ في ذاته ليس غريبًا عن التقليد الكنسي.
فالأسقف لا يعيش منفردًا عن إخوته الأساقفة، والبطريرك لا يعيش منفردًا عن سينودسه، والكنيسة المحلية لا تعيش منفصلة عن الكنيسة الجامعة.
لكن السؤال يبدأ عندما ننتقل من المبدأ اللاهوتي إلى الآلية القانونية:
كيف نحول الشركة إلى قانون دون أن تتحول الشركة إلى صراع على السلطة؟
وهنا تكمن حساسية القرار.
___________________
ثالثًا: ماذا عُدّل بالفعل؟
التعديل الفعلي الذي صدر في 29 أغسطس/آب 2026 يتعلق بالقانونين:
106 و126 من قانون قوانين الكنائس الشرقية.
أما القانون 106، فقد أضيفت إليه أحكام تتعلق بحالات عدم قيام البطريرك ببعض الالتزامات المحددة قانونًا، وبالآلية التي يمكن من خلالها دعوة السينودس في هذه الظروف.
أما القانون 126 فقد أعيد تنظيمه فيما يتعلق بشغور الكرسي البطريركي، وبالحالات التي يرى فيها السينودس وجود سبب خطير يمكن أن يؤدي إلى طلب استقالة البطريرك، ثم اتباع الإجراءات القانونية المحددة.
ولا يجوز اختزال هذه العملية في العبارة المبسطة:
"السينودس يستطيع عزل البطريرك".
فالنص يتضمن مراحل وضمانات وإجراءات محددة، منها طلب الاستقالة، وحق البطريرك في الدفاع عن نفسه، والتصويت السري، واشتراط أغلبية الثلثين، ثم دور الحبر الروماني في الموافقة على الإزالة.
وهذا كله ينبغي أن يُذكر عند مناقشة القرار، حتى لا تتحول القراءة إلى شعار سياسي أو انطباع عاطفي.
___________________
رابعًا: ما معنى "التوافق المتبادل"؟
عنوان القرار نفسه مهم: Mutua Concordia ـ التوافق المتبادل.
فالتوافق، بحسب معناه، لا ينبغي أن يكون في اتجاه واحد.
وإذا كان المطلوب هو التوافق بين البطريرك والسينودس، فإن السؤال الأوسع هو:
هل يمكن أن نوسع هذا المفهوم ليشمل كذلك العلاقة بين روما والكنائس الشرقية؟
وهل تكون الشركة متبادلة فعلًا بين:
البابا والبطاركة؛
روما والشرق؛
الأولوية البطرسية والمجمعية الأسقفية؛
البطريرك والسينودس؛
السلطة والمسؤولية؟
إن الشركة التي تسير في اتجاه واحد قد تتحول إلى تبعية.
أما الشركة الحقيقية فهي مشاركة في المسؤولية وفي الإصغاء وفي التمييز وفي صناعة القرار.
___________________
خامسًا: البطريرك أب ورأس
يحتل مفهوم البطريرك بوصفه: Pater et Caput ـ الأب والرأس
مكانة مهمة في فهم البطريركية الشرقية.
فالبطريرك ليس مجرد رئيس إداري لمؤسسة كنسية.
إنه أب لكنيسته، ورأس لها، وخادم لوحدتها، وحارس لتقليدها، ورئيس لسينودسها.
لكن الأبوة لا تعني الاستبداد.
والرئاسة لا تعني السلطة المطلقة.
والكرامة لا تعني عدم المساءلة.
فالبطريرك، مثل كل خادم في الكنيسة، يبقى تحت سلطان المسيح، وخادمًا للحقيقة، ومسؤولًا أمام الكنيسة.
ومن هنا فإن مساءلة البطريرك في ذاتها ليست خطأ.
لكن كيفية المساءلة هي القضية.
___________________
سادسًا: المساءلة شيء، وإلغاء الرئاسة شيء آخر
لا يوجد في الكنيسة شخص فوق المساءلة.
البابا ليس فوق المساءلة.
والبطريرك ليس فوق المساءلة.
والأسقف ليس فوق المساءلة.
والكاهن ليس فوق المساءلة.
لكن المساءلة لا تعني تحويل الرئاسة إلى منصب قابل للتهديد المستمر.
فالسينودسية لا تعني أن يصبح البطريرك موظفًا تابعًا لهيئة إدارية.
بل تعني أن يمارس خدمته مع إخوته الأساقفة، وفي الشركة معهم، ومن أجل كنيسته.
وهنا يظهر الفرق بين:
السلطة في الشركة
و:
السلطة على الآخرين.
___________________
سابعًا: السينودس ليس برلمانًا
السينودس الكنسي ليس برلمانًا سياسيًا.
والأساقفة ليسوا نوابًا حزبيين.
والبطريرك ليس رئيس حزب.
والتصويت وحده ليس مصدر الحقيقة.
فالسينودسية أعمق بكثير من مجرد حساب الأصوات.
إنها:
إصغاء، وصلاة، وحوار، وتمييز، ومسؤولية مشتركة، وسير معًا في الروح القدس.
ولهذا فإن أغلبية الثلثين، على أهميتها كضمانة قانونية، لا تكفي وحدها لضمان سلامة القرار الروحية والرعوية.
فيمكن أن يكون القرار صحيحًا من الناحية العددية، لكنه يحتاج إلى مزيد من التمييز من الناحية الكنسية.
___________________
ثامنًا: الخطر ليس في المساءلة، وإنما في اختلال ميزان السلطة
ليست المشكلة في وجود آلية لمساءلة البطريرك.
فقد توجد بالفعل حالات خطيرة تجعل استمرار شخص في منصبه أمرًا غير ممكن أو غير حكيم.
لكن السؤال الحقيقي هو:
كيف نحدد السبب الخطير؟
ومن يحدده؟
وما المعايير؟
وما الضمانات؟
وكيف نمنع تحول الخلاف الشخصي إلى ملف قانوني؟
وكيف نضمن ألا يتحول اختلاف الرأي إلى اتهام؟
وكيف نحمي البطريرك من العزل الكيدي؟
وكيف نحمي السينودس في الوقت نفسه من هيمنة البطريرك؟
هذا هو التوازن الذي ينبغي أن تبحث عنه الكنيسة.
___________________
تاسعًا: الشرق ليس نسخة من الغرب
الكنائس الشرقية الكاثوليكية ليست مجرد وحدات إدارية في بنية عالمية واحدة.
إنها كنائس تحمل:
تقليدًا؛ وليتورجيا؛ ولاهوتًا؛ وروحانية؛ وقانونًا؛ وذاكرة تاريخية؛ وثقافة كنسية خاصة.
ومن ثم فإن أي تشريع يمس جوهر البطريركية الشرقية ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الخبرة التاريخية والروحية والكنسية للشرق.
وهذا لا يعني اتهام الغرب بأنه لا يفهم الشرق.
لكن يعني أن:
الخبرة الشرقية يجب أن تكون شريكًا حقيقيًا في صياغة القواعد التي تحكم حياتها.
فالكنيسة الكاثوليكية واحدة في الإيمان، لكنها ليست واحدة في كل صور التعبير الثقافي والليتورجي والكنسي.
___________________
عاشرًا: البابا أسقف روما وخادم الوحدة
البابا هو:
أسقف روما.
ويمارس خدمة الأولوية البطرسية في الكنيسة الجامعة.
لكن الأولوية البطرسية ليست مجرد مركزية إدارية.
فالسلطة في الكنيسة هي خدمة.
والبابا نفسه خادم للوحدة.
ومن هنا لا ينبغي أن نفهم العلاقة بين البابا والبطاركة باعتبارها علاقة:
رئيس أعلى ومرؤوسين أدنى.
بل باعتبارها علاقة خدمات مختلفة داخل شركة كنسية واحدة، مع احتفاظ كل طرف بمكانته واختصاصه وفق القانون والتقليد.
___________________
حادي عشر: البطريركيات الخمس في التاريخ
عرفت الكنيسة القديمة ما عُرف باسم:
الخماسية البطريركية ـ Pentarchy.
وكانت المراكز البطريركية الكبرى:
روما؛ القسطنطينية؛ الإسكندرية؛ أنطاكية؛ أورشليم.
وهذا ترتيب تاريخي للمراكز الخمسة.
ولا ينبغي إسقاط هذا النظام التاريخي بصورة مباشرة على البناء القانوني الحالي للكنيسة الكاثوليكية.
لكن أهميته تبقى كبيرة، لأنه يذكرنا بأن وحدة الكنيسة في التاريخ لم تكن تعني إلغاء التعدد، وأن الكنيسة عاشت منذ القرون الأولى في صورة متعددة المراكز والتقاليد.
وهذه الذاكرة التاريخية مهمة جدًا عند الحديث عن العلاقة بين روما والشرق.
___________________
ثاني عشر: الأولوية البطرسية ليست مركزية مطلقة
الإيمان بالأولوية البطرسية لا يعني أن كل شيء في الكنيسة يجب أن يتركز في روما.
فالأولوية خدمة للوحدة.
والسلطة خدمة.
والرئاسة خدمة.
والبابا نفسه خادم للكنيسة.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
هل نقبل بالأولوية البطرسية؟
بل:
كيف تُمارس الأولوية البطرسية بحيث تحافظ على وحدة الكنيسة دون أن تلغي خصوصية الكنائس الشرقية؟
وهذا سؤال كاثوليكي مشروع من داخل الكنيسة.
___________________
ثالث عشر: هل سبقت القرار مشاورات كافية؟
هنا ينبغي أن نكون دقيقين وأمناء للمصدر.
إن السؤال الذي طرحناه في بداية المقال حول إمكان وجود اجتماعات ومشاورات واسعة، وربما مغلقة وغير معلنة، هو سؤال وليس خبرًا.
ولا يجوز أن نقول إن اجتماعات سرية مع البطاركة والأساقفة قد حدثت ما لم يوجد مصدر يثبت ذلك.
أما النص الرسمي للقرار، فيذكر أن البابا استمع قبل إصداره إلى رأي الجهات الكنسية المختصة، ولا سيما:
دائرة النصوص التشريعية؛ ودائرة الكنائس الشرقية.
وهذا أمر ينبغي الاعتراف به وتقديره.
لكن يبقى السؤال المشروع:
هل كانت هناك حاجة إلى مشاورات أوسع وأكثر مباشرة مع البطاركة والأساقفة الذين ستتأثر كنائسهم بهذا التشريع؟
هذا السؤال لا يمثل اتهامًا.
بل هو سؤال عن مستقبل السينودسية نفسها.
___________________
رابع عشر: السينودسية يجب أن تبدأ قبل القرار
إذا كانت السينودسية تعني:
السير معًا
فلا ينبغي أن تبدأ عند تنفيذ القرار.
بل يجب أن تبدأ قبل القرار:
في الدراسة؛
وفي التشاور؛
وفي الحوار؛
وفي صياغة النص؛
وفي مراجعة النتائج المحتملة؛
وفي الاستماع إلى أصحاب الخبرة المباشرة.
فالسينودسية الحقيقية ليست مجرد:
«سوف نطلب منكم تنفيذ ما قررناه».
بل:
«سنسير معًا حتى نميز معًا ما ينبغي أن نفعله».
وهنا تبرز القضية الجوهرية التي يثيرها هذا القرار.
___________________
خامس عشر: هل يمكن أن يصبح البطريرك خاضعًا للسينودس؟
هذا من أخطر الأسئلة التي يجب ألا نتجاهلها.
فإذا أصبح البطريرك يشعر بأن استمراره في خدمته يمكن أن يتوقف على موقف ثلثي أعضاء السينودس، فقد يؤثر ذلك في حريته في ممارسة مسؤوليته.
وقد يخشى اتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية.
وقد يتحول الاختلاف المشروع إلى خوف.
وقد تتحول السينودسية إلى صراع على النفوذ.
وهذا ليس ما ينبغي أن تريده الكنيسة.
فالسينودسية التي تجعل البطريرك خائفًا ليست سينودسية ناضجة.
والرئاسة التي تجعل البطريرك مستبدًا ليست رئاسة مسيحية.
المطلوب هو:
التوازن.
___________________
سادس عشر: لا نريد استبدال استبداد باستبداد
إذا كان الخطر هو السلطة الفردية غير المنضبطة، فلا ينبغي أن يكون العلاج سلطة جماعية غير منضبطة.
فليس الحل أن ننقل الاستبداد:
من شخص إلى مجموعة.
ومن:
«أنا»
إلى:
«نحن».
المطلوب ليس نقل السلطة من البطريرك إلى السينودس.
بل بناء نظام يجعل السلطة:
مسؤولة؛ ومتوازنة؛ وشفافة؛ ومسنودة بالقانون؛ ومستنيرة بالتمييز الكنسي.
___________________
سابع عشر: حماية البطريرك وحماية السينودس
كما يجب حماية السينودس من استبداد البطريرك، يجب حماية البطريرك من استبداد السينودس.
وكما يجب حماية المؤمنين من سوء الإدارة، يجب حماية البطريرك من:
التكتلات؛ والخلافات الشخصية؛ والانتقام؛ والضغوط؛ والصراعات الداخلية.
وفي الوقت نفسه يجب حماية السينودس من:
الهيمنة؛ والخوف؛ والولاءات الشخصية؛ وتحويل السلطة الروحية إلى سلطة شخصية.
وهذه الحماية المتبادلة هي جوهر العدالة الكنسية.
___________________
ثامن عشر: حق الدفاع
من العناصر الإيجابية المهمة في القرار أنه لا يسقط حق البطريرك في الدفاع عن نفسه.
وهذا مبدأ أساسي في العدالة.
لكن حق الدفاع لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء شكلي.
بل يجب أن يعني:
أن يعرف البطريرك الاتهام؛ وأن يعرف الأساس الذي بني عليه؛ وأن تتاح له فرصة حقيقية للرد؛ وأن يكون قادرًا على تقديم دفاعه بحرية؛ وألا يكون الحكم قد حُسم مسبقًا.
فالعدالة التي تسمع طرفًا بعد اتخاذ القرار ليست عدالة كاملة.
___________________
تاسع عشر: هل نحتاج إلى وساطة قبل الإزالة؟
من منظور رعوي، ينبغي التفكير في مسار متدرج قبل الوصول إلى أقصى إجراء ممكن.
يمكن أن يبدأ المسار:
بالحوار؛ ثم المصالحة؛ ثم الوساطة؛ ثم التمييز؛ ثم التحقيق؛ ثم الإجراء القانوني عند الضرورة.
فالكنيسة ليست مؤسسة عقابية.
إنها جماعة خلاص.
ولهذا ينبغي أن يكون الهدف الأول هو:
إصلاح العلاقة، لا إلغاء الشخص.
وإذا كان بالإمكان إنقاذ الشركة دون الإزالة، فإن هذا في كثير من الحالات يكون أكثر انسجامًا مع روح الإنجيل.
___________________
عشرون: ما الإيجابي في القرار؟
القراءة الموضوعية تفرض الاعتراف بالعناصر الإيجابية.
ومنها:
أولًا: تعزيز المسؤولية المشتركة بين البطريرك والأساقفة.
ثانيًا: إعطاء السينودس آلية قانونية للتعامل مع حالات خطيرة.
ثالثًا: اشتراط أغلبية الثلثين في الإجراء الخاص بالإزالة.
رابعًا: اعتماد التصويت السري.
خامسًا: الحفاظ على حق البطريرك في الدفاع عن نفسه.
سادسًا: عدم جعل قرار السينودس نافذًا بصورة تلقائية دون دور الحبر الروماني.
سابعًا: تعزيز مفهوم السينودسية داخل الكنائس الشرقية.
هذه عناصر لا ينبغي تجاهلها في أي قراءة جادة.
___________________
واحد وعشرون: وما الذي يثير القلق؟
في المقابل، توجد مسائل تستحق النقد والدراسة.
منها:
أولًا: احتمال تحول السينودسية إلى صراع على السلطة.
ثانيًا: احتمال إضعاف المكانة الأبويّة للبطريرك.
ثالثًا: احتمال استخدام مفهوم «السبب الخطير» بصورة فضفاضة.
رابعًا: احتمال دخول الخلافات الشخصية إلى المجال القانوني.
خامسًا: احتمال نشوء مناخ من الخوف داخل السينودس.
سادسًا: احتمال زيادة التوتر بين بعض الكنائس الشرقية والكرسي الرسولي.
سابعًا: الحاجة إلى مزيد من الضمانات التفصيلية في بعض مراحل المساءلة.
ثامنًا: الحاجة إلى تطوير مفهوم السينودسية ليشمل العلاقة بين روما والكنائس الشرقية، وليس فقط العلاقة داخل الكنيسة البطريركية.
___________________
اثنان وعشرون: هل القرار في صالح الكنيسة؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال نهائيًا بمجرد قراءة النص.
فالقانون قد يكون حسن الصياغة، لكن التطبيق هو الذي يكشف آثاره.
ولهذا يجب أن نسأل:
هل سيؤدي القرار إلى الوحدة؟
هل سيقوي المسؤولية المشتركة؟
هل سيحمي الكنيسة من إساءة استخدام السلطة؟
هل سيجعل البطريرك أكثر حرية في خدمته أم أكثر خوفًا؟
هل سيجعل السينودس أكثر نضجًا أم أكثر قوة؟
هل سيقرب الشرق من روما أم يزيد المسافة؟
هذه أسئلة ستجيب عنها الخبرة الكنسية والتاريخ.
___________________
ثلاثة وعشرون: القوانين التي تحتاج إلى دراسة ومراجعة
إذا كانت الكنيسة تريد تطوير توازن السلطة والشركة، فلا ينبغي أن تتوقف الدراسة عند القانونين 106 و126.
بل يمكن أن تمتد القراءة المقارنة إلى القوانين:
55؛ 152؛ 332؛ 333؛ 334؛ 341؛ 349.
لكن من الضروري جدًا هنا تثبيت الحقيقة القانونية:
هذه القوانين لم تُعدَّل بقرار 29 أغسطس/آب 2026.
وإنما ترد في هذا المقال ضمن إطار:
القراءة النقدية؛ والمقارنة القانونية؛ والبحث في إمكانات التطوير والإصلاح.
أما التعديل الفعلي الذي صدر بهذا القرار فهو تعديل:
القانون 106 والقانون 126 فقط.
وهذا التفريق ضروري حتى لا تختلط النصوص القانونية النافذة بالمقترحات الإصلاحية.
___________________
أربعة وعشرون: لماذا لا تكون المراجعة متبادلة؟
إذا كانت الكنيسة تطور آليات مساءلة البطريرك والسينودس، فمن المشروع أيضًا أن تسأل عن العلاقة بين الكنائس الشرقية والكرسي الرسولي.
فإذا كانت الشركة مبدأ كنسيًا، فلا ينبغي أن تتحول إلى مبدأ يطلب من الشرق فقط أن يتكيف مع قرارات تصدر من المركز.
بل يجب أن يكون هناك:
إصغاء متبادل؛ وتشاور متبادل؛ ومسؤولية متبادلة؛ واحترام متبادل.
فالشركة التي لا تتبادل فيها الأطراف الإصغاء تصبح أقرب إلى الإدارة منها إلى الكنيسة.
___________________
خمسة وعشرون: مشاركة البطاركة في انتخاب البابا
تطرح القضية أيضًا سؤالًا إصلاحيًا أوسع حول انتخاب الحبر الروماني.
فالنظام الحالي يعتمد بصورة أساسية على:
مجمع الكرادلة ـ College of Cardinals.
والكاردينالية ليست درجة من درجات سر الكهنوت، وإنما منصب كنسي، ويمكن أن يكون الكاردينال شماسًا أو كاهنًا أو أسقفًا بحسب الأحكام الكنسية.
أما البطاركة الشرقيون فهم رؤساء كنائس بطريركية ذات تقاليد وحقوق ومكانة كنسية خاصة.
ومن هنا يمكن أن يكون من المشروع بحث إمكان تطوير مشاركة رؤساء الكنائس البطريركية الشرقية في انتخاب البابا بما يتناسب مع مكانتهم في الكنيسة الجامعة.
وهذا طرح إصلاحي بحثي، وليس نظامًا قانونيًا نافذًا.
___________________
ستة وعشرون: هل صوت البطاركة استشاري فقط؟
إذا كان البطاركة رؤساء كنائس شرقية، فإن صوتهم في القضايا التي تمس الكنائس الشرقية ينبغي أن يكون صوتًا ذا وزن حقيقي.
فالاستشارة الكنسية الحقيقية ليست:
أن نسأل ثم لا نسمع.
بل:
أن نسأل؛ ونصغي؛ ونناقش؛ ونميز؛ ونأخذ الرأي بجدية.
ومن هنا ينبغي تطوير ثقافة تجعل البطاركة شركاء حقيقيين في القرارات التي تمس بنية الكنائس الشرقية.
___________________
سبعة وعشرون: البطاركة شركاء وليسوا تابعين
ينبغي أن نقولها بوضوح:
البطاركة شركاء في الكنيسة الجامعة، وليسوا مجرد تابعين إداريين لروما.
وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أنهم منفصلون عن الشركة مع الحبر الروماني.
بل المطلوب:
شراكة في الوحدة.
وهذا هو التوازن الصحيح.
___________________
ثمانية وعشرون: البابا والبطاركة ليسوا خصومًا
يجب أن نرفض لغة:
البابا ضد البطاركة.
كما يجب أن نرفض:
البطاركة ضد البابا.
فالبابا ليس منافسًا للبطريرك.
والبطريرك ليس منافسًا للبابا.
وليس المطلوب أن ينتصر أحدهما على الآخر.
المطلوب أن تعمل خدمتهما معًا من أجل الكنيسة.
___________________
تسعة وعشرون: القرار يحتاج إلى مراجعة نقدية
من هنا يمكن القول بوضوح:
إن القرار يحتاج إلى قراءة ومراجعة نقدية عميقة.
ليس لأن البابا لا يملك سلطة التشريع.
ولا لأن البطريرك فوق القانون.
ولا لأن السينودس لا يملك حق مساءلة البطريرك.
بل لأن أي تشريع يمس توازنًا حساسًا في حياة الكنائس الشرقية يجب أن يخضع للتقييم من زوايا متعددة:
لاهوتية؛ وقانونية؛ وتاريخية؛ ورعوية؛ ونفسية؛ وشرقية؛ ووحدوية.
وقد يكون التشريع صحيحًا من حيث الاختصاص القانوني، ومع ذلك يمكن أن تحتاج بعض آليات تطبيقه مستقبلًا إلى مراجعة أو تطوير إذا أظهرت الخبرة العملية نتائج غير مقصودة.
___________________
ثلاثون: الخطر الحقيقي هو الشرخ
أخطر ما يجب أن تخشاه الكنيسة ليس الخلاف النظري حول مادة قانونية.
بل:
الشرخ الكنسي.
إذا أدى التطبيق إلى:
استقطاب الأساقفة؛
وتكوين تكتلات؛
وإضعاف البطريرك؛
وزيادة التوتر؛
وانقسام المؤمنين؛
وتعميق المسافة بين الشرق وروما؛
فإن النتيجة ستكون بعيدة عن الهدف المعلن للقرار.
فالوثيقة التي تحمل اسم:
التوافق المتبادل
ينبغي أن تنتج توافقًا، لا صراعًا.
___________________
واحد وثلاثون: لا نريد بطريركًا خانعًا
لا نريد بطريركًا مستبدًا.
لكننا أيضًا لا نريد بطريركًا خانعًا للسينودس.
البطريرك يجب أن يكون:
أبًا ورأسًا وخادمًا للوحدة.
والسينودس يجب أن يكون:
شركة الأساقفة في المسؤولية والتمييز.
فلا ينبغي أن يتحول البطريرك إلى شخص يخشى السينودس، ولا أن يتحول السينودس إلى أداة تخويف للبطريرك.
فالخوف لا يصنع شركة.
___________________
اثنان وثلاثون: هل السلطة في يد البابا وحده؟
قد يثير القرار لدى البعض انطباعًا بأن السلطة النهائية أصبحت أكثر تمركزًا في يد الكرسي الروماني، لأن الإزالة لا تكتمل بمجرد قرار السينودس وإنما تحتاج إلى موافقة الحبر الروماني.
لكن يجب التمييز بين أمرين:
وجود دور نهائي للبابا في البنية القانونية للكنيسة الجامعة، وهذا من صميم نظام الأولوية البطرسية؛ وبين ممارسة هذه السلطة بطريقة تجعل الكنائس الشرقية تشعر بأنها مجرد متلقٍ لقرارات المركز.
المشكلة إذن ليست في وجود السلطة البطرسية في ذاتها.
بل في:
كيفية ممارسة هذه السلطة.
فالسلطة البطرسية إذا مورست في روح الشركة تصبح ضمانة للوحدة.
أما إذا تحولت إلى مركزية إدارية شاملة، فقد تصبح مصدر توتر.
___________________
ثلاثة وثلاثون: من السلطة إلى الشركة
المطلوب ليس إلغاء السلطة.
بل تحرير السلطة من منطق التملك.
فالبابا لا يملك الكنيسة.
والبطريرك لا يملك كنيسته.
والأسقف لا يملك أبرشيته.
والكاهن لا يملك رعيته.
الجميع خدام.
والكنيسة للمسيح.
ومن هنا فالسلطة الكنسية الحقيقية هي:
سلطة الخدمة.
___________________
أربعة وثلاثون: إذا كان الهدف إصلاح السلطة
إذا كان الهدف هو حماية الكنيسة من إساءة استخدام السلطة، فيجب أن يحمي النظام:
المؤمنين من سوء الإدارة؛
والأساقفة من الضغط؛
والسينودس من الهيمنة؛
والبطريرك من العزل الكيدي؛
والكنائس الشرقية من المركزية المفرطة؛
والبابا من أن تتحول مسؤوليته إلى صراع دائم مع الكنائس المحلية.
وهذا هو معنى التوازن.
___________________
خمسة وثلاثون: نحو سينودسية حقيقية
السينودسية ليست شعارًا.
إنها ثقافة.
وهي تبدأ من:
الإصغاء.
ثم:
الحوار.
ثم:
التمييز.
ثم:
المشاركة.
ثم:
المسؤولية المشتركة.
ثم:
القرار.
ثم:
المراجعة والتقييم.
وإذا كان القرار قد فتح بابًا جديدًا في هذا الاتجاه، فينبغي أن نستفيد منه لبناء ثقافة سينودسية أكثر عمقًا، لا لخلق صراع جديد حول السلطة.
___________________
ستة وثلاثون: سؤالنا الأول يعود قبل الخاتمة
هل يمكن لقداسة البابا لاوُن الرابع عشر، بخبرته الكنسية وروحانيته ورجاحة عقله، أن يصدر قرارًا بهذا الحجم من دون مراجعة وتدقيق وتشاور واسع؟
إن السؤال لا يملك في النص المنشور إجابة كاملة عن كل مراحل الإعداد.
والوثيقة الرسمية تثبت أنه استمع إلى رأي الجهات المختصة، ولا سيما دائرة النصوص التشريعية ودائرة الكنائس الشرقية.
وهذا أمر إيجابي.
لكن يبقى السؤال المشروع:
هل ينبغي مستقبلًا أن تكون مشاركة البطاركة والأساقفة الشرقيين أوسع وأعمق في إعداد القرارات التي تمس بنية كنائسهم؟
إن كان الجواب نعم، فهذا لا يعني اتهام القرار الحالي، بل يعني تطوير الممارسة السينودسية.
فإذا كانت الشركة هي روح القرار، فينبغي أن تكون الشركة حاضرة قبل القرار، لا بعده فقط.
___________________
سبعة وثلاثون: المراجعة ليست تمردًا
انتقاد قرار بابوي لا يعني بالضرورة الاعتراض على البابا.
ودراسة القانون لا تعني رفض سلطة الكنيسة.
والسؤال لا يعني الاتهام.
والنقد لا يعني الانقسام.
فالكنيسة الناضجة تستطيع أن تسمع الأسئلة الصعبة.
والطاعة المسيحية لا تعني إلغاء العقل.
والاحترام لا يعني الصمت.
والشركة لا تعني إلغاء النقد.
بل يمكن أن يكون النقد المسؤول أحد أشكال المحبة الصادقة للكنيسة.
___________________
ثمانية وثلاثون: إلى البابا والبطاركة والأساقفة
إلى قداسة البابا:
احفظ وحدة الكنيسة، واحفظ معها خصوصية الكنائس الشرقية.
وإلى البطاركة:
احفظوا كرامة السينودسية، ولا تجعلوا السينودس ساحة للصراع.
وإلى الأساقفة:
كونوا إخوة مع البطريرك، لا خصومًا له.
وإلى الجميع:
لا تجعلوا القانون سلاحًا، ولا السلطة غاية، ولا الموقع أهم من الرسالة.
___________________
تسعة وثلاثون: ما الذي نحتاج إليه فعلًا؟
نحتاج إلى:
أولوية بطرسية دون مركزية مفرطة.
بطريركية دون استبداد.
سينودسية دون خضوع.
مساءلة دون انتقام.
استقلالًا دون انفصال.
وحدة دون إلغاء التنوع.
طاعة دون إلغاء الضمير.
قانون دون تحويله إلى سلاح.
هذه ليست مجرد عبارات.
إنها شروط حقيقية لاستمرار الشركة.
___________________
أربعون: الخلاصة الكبرى ـ من السلطة إلى الشركة
إن القضية في النهاية ليست قضية شخص.
وليست قضية بابا ضد بطريرك.
وليست قضية سينودس ضد بطريرك.
وليست قضية شرق ضد غرب.
إنها قضية أعمق:
كيف تمارس الكنيسة سلطتها؟
هل تمارسها بمنطق السيطرة؟
أم بمنطق الخدمة؟
هل تكون الشركة مجرد طاعة؟
أم مشاركة حقيقية؟
هل يكون الشرق شريكًا في صناعة القرارات التي تمسه؟
أم مجرد متلقٍ لها؟
هل تكون السينودسية متبادلة؟
أم تسير في اتجاه واحد؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل العلاقة بين روما والكنائس الشرقية.
___________________
الخاتمة: الكنيسة لا تحتاج إلى انتصار طرف على طرف
إن قرار Mutua Concordia ـ التوافق المتبادل ليس مجرد تعديل تقني لقانونين.
إنه يفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة السلطة في الكنيسة الكاثوليكية، ومكانة البطريركيات الشرقية، وحدود السينودسية، وطبيعة الأولوية البطرسية، ومستقبل العلاقة بين روما والشرق.
والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن القرار يتضمن عناصر إيجابية مهمة: تعزيز المسؤولية المشتركة، وإعطاء السينودس دورًا قانونيًا محددًا، وضمان حق البطريرك في الدفاع عن نفسه، واشتراط أغلبية الثلثين، وإبقاء الموافقة النهائية ضمن البنية القانونية للكرسي الرسولي.
لكن الإنصاف نفسه يقتضي أن نقول إن القرار يحتاج إلى مراجعة نقدية في ضوء آثاره المحتملة وتطبيقه العملي.
فإذا أدى إلى تعزيز الشركة، وتقوية المسؤولية، وحماية الكنائس الشرقية، فقد يكون خطوة مهمة.
أما إذا أدى إلى إضعاف البطريرك، أو خلق مناخ من الخوف، أو تفجير الصراعات داخل السينودسات، أو زيادة المركزية، أو إحداث شرخ بين الشرق وروما، فمن واجب الكنيسة أن تراجع التطبيق وتصحح ما يحتاج إلى تصحيح.
وهذا ليس ضعفًا.
بل:
حكمة.
فالكنيسة لا تحتاج إلى أن ينتصر البابا على البطاركة.
ولا أن ينتصر البطاركة على البابا.
ولا أن ينتصر السينودس على البطريرك.
ولا أن ينتصر البطريرك على السينودس.
إنها تحتاج إلى أن ينتصر:
المسيح.
وأن تنتصر معه:
الحقيقة؛ والمحبة؛ والعدالة؛ والوحدة؛ وخلاص النفوس.
لا نريد بطريركًا مستبدًا.
ولا نريد سينودسًا مستبدًا.
ولا نريد مركزية رومانية تبتلع خصوصية الشرق.
ولا نريد استقلالًا شرقيًا يتحول إلى انفصال.
نريد:
وحدة في الإيمان؛ وتنوعًا في التقليد؛ وشركة في المسؤولية؛ وتوازنًا في السلطة؛ وحرية في التمييز؛ وعدالة في المساءلة.
ولهذا فإن العبارة التي ينبغي أن تلخص روح الإصلاح كله هي:
شراكة لا تبعية.
فالشرق ليس ضد روما.
وروما ليست ضد الشرق.
والبطاركة ليسوا منافسين للبابا.
والبابا ليس منافسًا للبطاركة.
والسينودس ليس خصمًا للبطريرك.
والبطريرك ليس خصمًا للسينودس.
الجميع خدام في جسد واحد، ورأس الجسد الحقيقي هو المسيح.
ومن هنا فإن «التوافق المتبادل» لا ينبغي أن يبقى مجرد اسم لوثيقة قانونية، بل ينبغي أن يصبح ثقافة كنسية:
توافقًا بين السلطة والمسؤولية؛
وبين الأولوية والمجمعية؛
وبين روما والشرق؛
وبين البطريرك والسينودس؛
وبين القانون والمحبة.
وإذا كان لا بد من الانتقال:
فليكن الانتقال من السلطة إلى الشركة، ومن السيطرة إلى الخدمة، ومن الخوف إلى الثقة، ومن التبعية إلى الشراكة.
فالقانون خادم للكنيسة.
والسلطة خادمة للإنسان.
والسينودسية خادمة للوحدة.
والأولوية خادمة للشركة.
والكنيسة كلها:
للمسيح.
___________________
الملاحظة القانونية الختامية للتوثيق
حرصًا على الدقة القانونية والتاريخية، ينبغي الفصل بوضوح بين النصوص القانونية التي عُدِّلت بالفعل، وبين ما يرد في هذا المقال من قراءة نقدية أو اقتراحات إصلاحية.
فالوثيقة الرسمية Mutua Concordia ـ التوافق المتبادل، الصادرة في 29 أغسطس/آب 2026، عدّلت بالفعل:
القانون 106 والقانون 126 من قانون قوانين الكنائس الشرقية (CCEO).
أما القوانين:
55؛ 152؛ 332؛ 333؛ 334؛ 341؛ 349
فلم تُعدَّل بموجب هذا القرار، وإنما وردت في سياق القراءة المقارنة والبحث في إمكانات التطوير والإصلاح.
ومن ثم لا يجوز فهم الحديث عنها في هذا المقال باعتباره إعلانًا عن تعديلات قانونية صدرت بالفعل.
كذلك فإن هذا المقال لا يقرر أن اجتماعات سرية غير معلنة مع البطاركة والأساقفة قد سبقت القرار، لأن ذلك يحتاج إلى دليل مستقل. وإنما طرح الأمر في بداية المقال بوصفه سؤالًا مشروعًا حول مدى اتساع المشاورات التي سبقت القرار.
والثابت من الوثيقة الرسمية أن قداسة البابا أشار إلى استماعه إلى رأي الجهات الكنسية المختصة، ومن بينها دائرة النصوص التشريعية ودائرة الكنائس الشرقية.
كما يجب التأكيد أن القرار موضوع الدراسة لا يضع قانونًا لعزل البابا، وإنما ينظم، من خلال تعديل القانونين 106 و126، آليات محددة تتعلق بمسؤولية البطريرك وإمكان إزالته في ظروف معينة، وفق الإجراءات والضمانات الواردة في النص.
أما ما يطرحه المقال بشأن مراجعة قوانين أخرى، أو تطوير مشاركة البطاركة الشرقيين، أو دراسة آليات انتخاب البابا، أو توسيع المشاورات بين روما والكنائس الشرقية، فهو طرح بحثي وإصلاحي، وليس قانونًا نافذًا.
وهذا التمييز ضروري للحفاظ على الأمانة العلمية والقانونية والتاريخية، خصوصًا في قضية تمس بنية السلطة والشركة في الكنيسة.
___________________
المصادر والمراجع
أولًا: المصادر الكنسية الرسمية
1 ـ لاوُن الرابع عشر، Mutua Concordia ـ التوافق المتبادل، رسالة رسولية في صيغة Motu Proprio ـ بمبادرة ذاتية، 29 أغسطس/آب 2026.
2 ـ يوحنا بولس الثاني، Codex Canonum Ecclesiarum Orientalium ـ قانون قوانين الكنائس الشرقية (CCEO)، الدستور الرسولي، 18 أكتوبر/تشرين الأول 1990.
3 ـ المجمع الفاتيكاني الثاني، Lumen Gentium ـ نور الأمم، الدستور العقائدي في الكنيسة، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1964.
4 ـ المجمع الفاتيكاني الثاني، Orientalium Ecclesiarum ـ في الكنائس الشرقية، المرسوم الخاص بالكنائس الشرقية الكاثوليكية، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1964.
5 ـ المجمع الفاتيكاني الثاني، Christus Dominus ـ المسيح الرب، المرسوم الخاص بالوظيفة الرعوية للأساقفة في الكنيسة، 28 أكتوبر/تشرين الأول 1965.
6 ـ يوحنا بولس الثاني، Orientale Lumen ـ نور الشرق، الرسالة الرسولية، 2 مايو/أيار 1995.
7 ـ اللجنة اللاهوتية الدولية، Synodality in the Life and Mission of the Church ـ السينودسية في حياة الكنيسة ورسالتها، 2018.
___________________
ثانيًا: المراجع العربية المترجمة
1 ـ قانون قوانين الكنائس الشرقية، الترجمة العربية، مع الرجوع إلى النص الرسمي في المسائل القانونية الدقيقة.
2 ـ وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، الترجمة العربية، ولا سيما «نور الأمم»، و«في الكنائس الشرقية»، و«المسيح الرب».
3 ـ نور الشرق ـ Orientale Lumen، البابا يوحنا بولس الثاني، الترجمة العربية.
4 ـ السينودسية في حياة الكنيسة ورسالتها، اللجنة اللاهوتية الدولية، الترجمة العربية.
5 ـ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، الأجزاء المتعلقة بالكنيسة، والسلطة الكنسية، والأساقفة، وخدمة أسقف روما، والشركة الكنسية.
___________________
ثالثًا: المصادر والمراجع الأجنبية
1 ـ Leo XIV, Mutua Concordia, Apostolic Letter in the Form of a Motu Proprio, 29 August 2026.
2 ـ John Paul II, Codex Canonum Ecclesiarum Orientalium, 18 October 1990.
3 ـ Second Vatican Council, Lumen Gentium: Dogmatic Constitution on the Church, 21 November 1964.
4 ـ Second Vatican Council, Orientalium Ecclesiarum: Decree on the Eastern Catholic Churches, 21 November 1964.
5 ـ Second Vatican Council, Christus Dominus: Decree Concerning the Pastoral Office of Bishops in the Church, 28 October 1965.
6 ـ International Theological Commission, Synodality in the Life and Mission of the Church, 2018.
7 ـ John Paul II, Orientale Lumen, Apostolic Letter, 2 May 1995.
___________________
المصدر الرسمي للوثيقة محل الدراسة
الكرسي الرسولي، النص الرسمي لرسالة قداسة البابا لاوُن الرابع عشر Mutua Concordia ـ التوافق المتبادل، الصادرة في 29 أغسطس/آب 2026.
___________________
الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس





