أكرم ألفي
"مفيش حاجة اسمها كبير العائلة"؛ هذه الجملة تتكرر بصيغ مختلفة في حوارات شباب اليوم. فقبل عقود قليلة كانت العائلة الكبيرة، بمعناها التقليدي في مصر، هي السند.
وبتعبير حنا بطاطو، فإن الشيخ ــ كبير العائلة ــ كان أبًا وراعيًا وحاميًا. هبّت رياح التغيير قبل عقود مع ظهور الطبقة الوسطى، والتعليم، واتساع رقعة المدينة في المحروسة، ولكن ظلت العائلة الكبرى راسخة في التفاعلات الاجتماعية والسياسية، تعبيرًا عن صعوبة محو ما غرسته قرون طويلة من السيطرة العائلية. ولكن يبدو لي أن جيل "زد" من شباب مصر يصنع "شاهد القبر الأخير" لنفوذ العائلات الكبرى في مصر.
ففي صعيد المحروسة، يصعب أن تجد اليوم شبابًا في العشرينيات من أعمارهم يعتبرون العائلة الكبرى هي السند والمرجعية. ففي عشرات القصص التي تتناثر في المجالس، الحديث المتكرر هو أن "الشباب دول ملهمش كبير!" فقد خرج أغلب الشباب من عباءة العائلة الكبيرة لصالح المشروع الفردي، في تحدٍّ واضح لكبير العائلة ومجالسها التي تجتمع وكأنها دار مسنين مصغّرة.
شاهدت بنفسي كيف أن نفوذ العائلات الكبرى في الريف تراجع بشدة في الحشد الانتخابي خلال انتخابات مجلس النواب الأخيرة، فقد أصبح الشباب أكثر استقلالية في الاختيار. بل إن تعليم البنات وانتشار الجامعات دفعا إلى زيادة حق الاختيار في الزواج والعمل، وتراجع نفوذ كبارات العائلة على البنات.
جيل زد في مصر يصنع شاهد القبر الأخير لسلطة العائلات الكبرى. مشهد يحتاج أن تقرأه المؤسسات السياسية والاجتماعية والنخب؛ فقد أصبحت الأسرة الممتدة ماضيًا، والاعتماد عليها يشبه التعلّق بسراب "يحسبه الظمآن ماءً"!
فمثل كل مؤسسة تقليدية تشعر بنهايتها وفقدان نفوذها، فإنها تصرخ بصوت عالٍ يشبه صوت الغريق، لإثبات وجودها أو أنها ما زالت تتنفس وقادرة على القتال. فنجد اليوم محاولة من الباقي من كبارات العائلات في الريف المصري لإثبات نفوذهم في المجالس والاجتماعات مع المسؤولين التنفيذيين، ولكن أعلم، كما يعلم هؤلاء المسؤولون وعدد كبير منهم من جيلي، أن هذا النفوذ وهمي، ولكن يجب أن تمر الجلسة بسلام، فيتم التأكيد في نهايتها على أهمية هؤلاء وتأثيرهم، بل وأحيانًا الاستجابة لمطالبهم.
إن جيل زد في الريف، من شباب وشابات، أصبح يعيش في عالم مختلف مع وسائل التواصل الاجتماعي. قد يحافظ على الروابط العائلية، ولكن الروابط العائلية القريبة جدًا، وليس العائلة الكبرى أو القبلية. وفي ظل عدم رغبته في خوض صراعات لا طائل منها، قد يبدي العكس ظاهريًا، فيما هو في الواقع يرفض التدخل بشكل واضح في حياته الشخصية أو تحديد مستقبله وفقًا لقرارات مجلس العائلة.
هنا تبقى العائلة الكبرى موجودة في قاعات الأفراح وسرادقات العزاء، ولكن دورها في توفير الوظيفة أو تحديد الهوية الاجتماعية والسياسية وحل النزاعات اليومية أصبح من الماضي.
نحن نشهد اليوم تحولًا إلى وضعية أصبح فيها الشاب والشابة في ذاتهما كيانًا مستقلًا، لا يمكن حسابه بطريقة الاسم الأخير في بطاقته الشخصية للعائلة الكبيرة. هذا الإدراك ترفضه بعض مؤسساتنا، في ظل أنه وضع متعب للغاية ومربك؛ فالأسهل هو التعامل مع كبير العائلة، فهكذا اعتادوا لعقود طويلة، وتغيير الطريقة يتطلب مجهودًا صعبًا، فيتجنبونه.
بالطبع، لا أتحدث هنا عن نفوذ وقوة عائلات البزنس الكبرى في بلدنا؛ فهنا الانتماء للعائلة يعني الانتماء إلى الطبقة الغنية والنفوذ والمصالح الكبرى. ما أتحدث عنه هو العائلات الكبرى في ريف الصعيد والوجه البحري، هؤلاء الذين كانوا قبل سنوات قليلة لهم السيطرة على قرى كاملة. هذه السيطرة انتهت، ومن يسعى لإثبات أنه لا يزال يسيطر، عليه أن يثبت ذلك، وأنا واثق أنه سيفشل.
فقد دفن جيل زد نفوذ العائلات الكبرى، وعلينا أن ننصب لهذا النفوذ سرادق عزاء، حتى يمكننا أن نتفاعل بشكل صحيح اجتماعيًا وسياسيًا مع شباب المحروسة اليوم وغدًا.
نقلا عن المصرى اليوم





