الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
نعتمد في هذا المنشور بشكلٍ خاص على دراسة حديثة للباحثة پيرين بيليتّ، لأنها تدرس السنكسار واضعة إيّاه داخل التحوّل الكبير الذي وسم طريقة كتابة الأقباط لتاريخهم وذاكرتهم في القرون الوسطى:
Perrine Pilette, « Transformer l’histoire ecclésiastique copte au début de l’époque mamelouke : de l’Histoire des Patriarches d’Alexandrie au Synaxaire copto-arabe », Annales islamologiques 58 (2024), p. 11–29, DOI : 10.4000/12ck9.
في الحلقة السابقة رأينا كيف أصبحت العربيّة لغةً للوعظ والنسك والصلاة. لكنّ الجماعة المسيحيّة تعيش أيضًا بما تتذكّره: قدّيسيها، وشهداءها، وبطاركتها، والقصص التي تقول من خلالها لنفسها: من نحن؟
وقد بدأ انتقال هذه الذاكرة إلى العربيّة قبل ظهور السنكسار بوقت طويل. ففي العصر الفاطميّ، طلب البطريرك كيرلس الثاني، بطريرك الإسكندريّة بين عامي ١٠٧٨ و١٠٩٢، من الشمّاس القبطيّ موهوب بن منصور بن مفرّج أن يجوب الأديرة الكبرى في شمال مصر ويجمع المصادر التاريخيّة القبطيّة لترجمتها إلى العربيّة. ومن هذا المشروع نشأ العمل الذي نعرفه اليوم باسم «تاريخ بطاركة الإسكندريّة»، وكان عنوانه في المخطوطات العربيّة «سِيَر البيعة المقدّسة». وكان العمل مرتبًا في صورة سِيَر متعاقبة للبطاركة، ثم تحوّل سريعًا إلى تقليد جماعيّ أضاف إليه كتّاب لاحقون سِيَر بطاركة جدد.
والمهم في الأمر أنّه لم يكن ترجمةً لنصوص قبطيّة. فقد ترجم موهوب مصادر أقدم وكيّفها، ثم ألّف بالعربيّة مباشرة سِيَر البطريركين خريستوذولوس وكيرلس الثاني، اللذين كان معاصرًا لهما. كانت العربيّة، إذًا، قد بدأت تتحوّل من لغة تستقبل الذاكرة القديمة إلى لغة تُكتب بها الذاكرة الجديدة أيضًا. وتلفت پيليتّ إلى سبب مهمّ لهذا التحوّل: الكنيسة احتاجت إلى تاريخ رسميّ مكتوب بلغة يستطيع معظم المؤمنين فهمها، بعدما فقدت القبطيّة مساحة كبيرة أمام العربيّة في الاستعمال الأدبيّ واليوميّ. وهكذا أُعيدت صياغة المصادر التاريخيّة القبطيّة في شكل عربيّ جديد، وبدأ تقليد قبطيّ عربيّ في كتابة التاريخ ظلّ يتطوّر بعد ذلك.
لكن في القرن الثالث عشر يحدث شيء جديد، ففي الفترة نفسها التي بلغ فيها التراث القبطيّ العربيّ ما سمّيناه في حلقات سابقة «عصره الذهبيّ»، ظهرت مؤلفات كثيرة في اللاهوت والقانون واللغة وتفسير الكتاب المقدّس والفلسفة والتاريخ. وترى پيليتّ أن التحوّلات التي أصابت «تاريخ البطاركة» والسنكسار ينبغي أن تُفهم داخل هذه الحركة الثقافيّة الواسعة. ومن هنا يظهر «السنكسار القبطيّ العربيّ». فهو يجمع سِيَر القدّيسين والشهداء، لكنه يرتّبهم وفق أيام التقويم القبطيّ التي تُقام فيها تذكاراتهم، لكي تُقرأ سيرهم في الليتورجيا اليوميّة. وقد أخذ السنكسار قدرًا كبيرًا من مادته من «تاريخ البطاركة»، إلى جانب عدد ضخم من سير القدّيسين الأخرى. وهكذا حدث تحوّل مهمّ: المادة التاريخيّة خرجت من ترتيبها الزمنيّ القديم، ودخلت إلى «الزمن الليتورجيّ».
فحياة القدّيس صار لها «يوم». وفي كل عام يعود ذلك اليوم، فتُقرأ السيرة من جديد. وهذا هو المعنى الدقيق لعبارة «إعادة تشكيل الذاكرة القبطيّة»: لم تُمحَ الذاكرة القديمة، وإنما تغيّرت طريقة تنظيمها واستعمالها. صار التاريخ ذاكرةً تُستعاد داخل الصلاة، موزّعة على أيام العام الكنسيّ. أما تاريخ تأليف السنكسار نفسه فليس بالأمر السهل. فقد انتقل في مجلّدين يمثل كل منهما نصف العام، وله تقليدان نصيّان رئيسيّان، أحدهما مرتبط بالصعيد والآخر ببحري. وتذكر الترجمة الحبشيّة للسنكسار أن النص العربي جُمع عام ١٢٤٦/١٢٤٧ على يد ميخائيل أسقف أتريب ومليج ويوحنّا أسقف البرلس ومعاونين آخرين، بينما ينسب «مصباح الظلمة» لأبي البركات العمل إلى الأسقف ميخائيل وبطرس الجميل. لكن پيليتّ تشدّد على أن أصل النص لم يزل غير محسوم، وترجّح أن تقليده بدأ في نهاية العصر الأيوبيّ أو بداية العصر المملوكيّ، ثم أصبح سريعًا عملًا جماعيًّا مفتوحًا أُعيدت صياغته والإضافة إليه مرارًا. وتظهر هذه الطبيعة المتحرّكة بوضوح في المخطوطات. فأقدم مخطوط مؤرَّخ معروف للسنكسار يرجع إلى عام ١٣٤٠، لكن المخطوطات المبكّرة نفسها تحتوي بالفعل على سيرة القدّيس برسوم العريان، الذي توفّي عام ١٣١٧. أي إن النص الذي وصل إلينا لم يتجمّد عند لحظة تأليفه الأولى، وإنما استمرّ في استقبال ذاكرة جديدة.
والأكثر دهشةً أن پيليتّ تنبّه إلى أننا لا نملك حتى الآن دليلًا واضحًا على وجود «سنكسار قبطيّ» متكامل سبق السنكسار العربيّ ثم تُرجم ببساطة. نعرف بالتأكيد عددًا من السير الموجودة في السنكسار في صيغ قبطيّة أقدم، كاملة أو مجتزأة، لكن لم تُعرف حتى الآن مجموعة قبطيّة متماسكة تماثل هذا السنكسار العربيّ. وهذا يجعل السنكسار القبطيّ العربيّ أكثر من ترجمة لكتاب أقدم؛ إنه ثمرة مرحلة جديدة من الثقافة القبطيّة نفسها!
وتضمّ بعض نسخه أيضًا ذكريات أقرب إلى زمن تدوينها: برسوم العريان، وديسقوروس الذي استشهد عام ١٢٩٠، وفي بعض الشواهد مريم الأرمنيّة التي استشهدت في عهد بيبرس، وميخائيل الدمياطيّ الذي استشهد عام ١٢٧٧. لكن پيليتّ تحذّر من التسرّع هنا، لأن التقليد المخطوطي للسنكسار لم يُدرس بعد بصورة كاملة، والطبعات المتداولة اعتمدت مخطوطات متأخرة وخلطت أحيانًا بين تقاليد نصيّة مختلفة. ولهذا تستخدم پيليتّ تعبيرًا مهمًا: في السنكسار يتحوّل التاريخ إلى «ذاكرة مجزّأة»، تُقرأ وتتكرّر يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام داخل الاحتفال الليتورجيّ. تُستخرج شخصيات الماضي من سياق التاريخ الطويل لتصبح نماذج حاضرة أمام الجماعة، ويعود معها بقوة وعي الكنيسة القبطيّة بنفسها بوصفها «كنيسة الشهداء».
حين صار القدّيسون «يتكلّمون العربيّة»، لقد صارت العربيّة لغةً تحفظ بها الكنيسة ماضيها، وتعيد ترتيبه، وتضيف إليه، ثم تسمعه من جديد في كل يوم من أيام عامها. وهكذا أصبحت العربيّة واحدة من اللغات التي يصنعون بها هذه الذاكرة.
في الحلقة القادمة ننتقل إلى "كيف دخلت العربيّة إلى الليتورجيا والصلوات والكتب الطقسيّة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





