دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية - شيكاجو 
كان موسى يمتلك الحكمة والمعرفة والقدرة والمكانة، فقد نشأ في قصر فرعون، ويقول عنه الكتاب: «فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ» (أعمال الرسل 7: 22).
 
لم تكن المشكلة في المعرفة التي اكتسبها موسى، بل في اعتماده على حكمته وقدرته بعيدًا عن قيادة الله. فحكمة العالم قد تجعل الإنسان مقتدرًا في الأقوال والأعمال، لكنها قد توهمه أيضًا بأنه سيد قراره، وأن كل فكرة صالحة تخطر بباله لا بد أن تكون دعوة من الله.
 
يقول الكتاب: «وَلَمَّا كَمُلَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، خَطَرَ عَلَى بَالِهِ أَنْ يَفْتَقِدَ إِخْوَتَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ» (أعمال الرسل 7: 23). شعر موسى بأن الوقت قد حان لخلاص شعبه، فتحرك بدافع الغيرة، لكنه تحرك من تلقاء نفسه، قبل أن يسمع دعوة الله أو يتعلم طريقته.
 
وحين رأى رجلًا إسرائيليًا مظلومًا، «حَامَى عَنْهُ، وَأَنْصَفَ الْمَغْلُوبَ، إِذْ قَتَلَ الْمِصْرِيَّ» (أعمال الرسل 7: 24). كانت الغاية نبيلة، وهي نصرة المظلوم، لكن الوسيلة كانت خاطئة؛ لأن عمل الله لا يُصنع بالعنف، والغاية الصالحة لا تبرر الوسيلة الخاطئة. وكما يقول الكتاب: «لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ» (يعقوب 1: 20).
 
وظن موسى أن حسن نيته يكفي لكي يفهمه الآخرون ويقبلوا قيادته: «فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ اللهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا» (أعمال الرسل 7: 25).
 
ثم جاءت الصدمة، إذ قال له أحدهم: «أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ أَمْسَ الْمِصْرِيَّ؟» (أعمال الرسل 7: 28). فبدلًا من أن يسمع كلمة شكر، وجد نفسه مرفوضًا ومتهمًا. وكانت النتيجة: «فَهَرَبَ مُوسَى بِسَبَبِ هذَا الْكَلاَمِ، وَصَارَ غَرِيبًا فِي أَرْضِ مَدْيَانَ» (أعمال الرسل 7: 29).
 
أربعون عامًا من التعليم والحكمة والقوة لم تكن كافية لإعداد موسى لخدمة الله بالطريقة الصحيحة. كان يمتلك حكمة مصر، لكنه كان يحتاج إلى قيادة الله. وكان يمتلك القدرة، لكنه كان يحتاج إلى تعلُّم الانتظار. وكانت لديه غيرة صادقة، لكنه كان يحتاج إلى معرفة توقيت الله ووسيلته.
 
وفي برية مديان أمضى موسى أربعين سنة أخرى، يتعلم الهدوء والتواضع والاتكال على الله. وحين جاء الموعد الإلهي، لم «يخطر على باله» أن يتحرك، بل الله نفسه هو الذي ظهر له في العليقة المشتعلة ودعاه قائلًا: «هَلُمَّ الآنَ فَأُرْسِلَكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجَ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ» (خروج 3: 10).
 
في المرة الأولى تحرك موسى بقوته، فقتل رجلًا وهرب وحيدًا. أما في المرة الثانية فتحرك بإرسالية من الله، فأخرج شعبًا كاملًا من العبودية. لقد تغيّرت النتيجة لأن مصدر الحركة وطريقتها وتوقيتها قد تغيّرت.
 
والدرس لنا واضح: ليس كل ما يخطر على بالنا ينبغي أن نفعله، وليس كل باب مفتوح دليلًا على أن الله قد فتحه، وليست كل فكرة عظيمة هي بالضرورة فكرة الله أو توقيته. لذلك يقول الحكيم: «تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ» (أمثال 3: 5–6).
 
ملكوت الله لا يُبنى بحكمة العالم، ولا بقوة الإنسان، ولا بأساليب الجسد، بل بقيادة الروح ومبادئ الله: «لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ» (زكريا 4: 6).
 
فلا يكفي أن تكون غايتنا صالحة؛ بل ينبغي أن تكون الوسيلة مقدسة، والتوقيت إلهيًا، والخطوات خاضعة لقيادة الله.