خالد منتصر
تداولت صفحات السوشيال ميديا قصة لفنان ممثل أحبه جدًا، لكني أتمنى ألا يقدم نصائح طبية، لأن تصريحه خطير وغير علمي، ولذلك لا بد من تفنيده علميًا، فهو يزعم أنه أنقص وزنه بالامتناع عن الطعام تمامًا، واكتفى بالماء فقط، فخسر 45 كيلوجرامًا خلال 17 يومًا، قد يبدو الرقم انتصارًا مذهلًا على السمنة، لكنه عند وضعه أمام الحسابات الفسيولوجية يتحول إلى ادعاء مشكوك فيه، ونصيحة قد تقود مقلديها إلى المستشفى.

أولًا: هل يمكن خسارة 45 كيلوجرامًا في 17 يومًا؟
من المستبعد جدًا أن تكون هذه الخسارة دهونًا، يحتوي كيلوجرام الدهون البشرية على طاقة تقارب 7700 سعر حراري؛ ولذلك فإن فقد 45 كيلوجرامًا من الدهون خلال 17 يومًا يتطلب عجزًا يتجاوز 20 ألف سعر حراري يوميًا، وهو رقم أعلى بعدة مرات من استهلاك معظم البشر اليومي، ولا يمكن تحقيقه بمجرد الامتناع عن الطعام.

إذا كان الوزن المعلن صحيحًا، فلا بد أن جانبًا كبيرًا منه كان ماءً، وجليكوجين، ومحتويات الجهاز الهضمي، وكتلة عضلية، أو أن هناك خطأً في الوزن أو مبالغة في الرواية، وتشير مراجعة للدراسات إلى أن الصيام المائي بين 15 و20 يومًا أدى عادةً إلى فقد يقارب 7-10% من وزن الجسم، وليس عشرات الكيلوجرامات لدى الشخص العادي.

كما وجدت دراسة لصيام عشرة أيام خسارة سبعة كيلوجرامات تقريبًا، لكن نحو أربعة كيلوجرامات منها كانت كتلة خالية من الدهون وثلاثة فقط دهونًا. أي إن الميزان ينخفض، لكنه لا يخبرنا بما فقده الجسم بالفعل.

وأكدت دراسة حديثة لصيام سبعة أيام أن المشاركين خسروا في المتوسط 5.8 كيلوجرام، منها 1.4 كيلوجرام فقط من الدهون، بينما انخفضت الكتلة الخالية من الدهون بنحو 4.6 كيلوجرامات؛ وإن كان جزء منها ماءً وجليكوجين، فإن غياب البروتين يظل يعرّض العضلات للهدم.

ماذا يحدث داخل الجسم؟
بعد نفاد مخزون الجليكوجين يبدأ الجسم في تكوين الكيتونات وحرق الدهون، لكنه لا يحرق الدهون وحدها؛ بل يستخدم الأحماض الأمينية القادمة من العضلات لتوفير الجلوكوز للأنسجة التي تحتاج إليه. ومع استمرار الصيام قد تظهر:

دوخة، صداع، ضعف شديد وإغماء وانخفاض ضغط الدم.
هبوط سكر الدم، خصوصًا مع أدوية السكري.
اضطراب الصوديوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم والفوسفات.
اضطراب ضربات القلب وتدهور وظائف الكلى.
ارتفاع حمض اليوريك ونوبات النقرس.
نقص الفيتامينات، خصوصًا الثيامين، وفقد العضلات.
حصوات المرارة مع الانخفاض السريع للوزن.
زيادة احتمال استعادة الوزن بعد العودة إلى الأكل.

وليست الادعاءات الشائعة عن (تنظيف السموم) أو تجديد الجسم مبررًا علميًا لهذه المخاطرة. الكبد والكليتان يؤديان وظيفة التخلص من الفضلات باستمرار، ولا توجد تجارب سريرية قوية تثبت أن صيام الماء 17 يومًا يطيل العمر أو يعالج السمنة بصورة أفضل من الوسائل الطبية الآمنة، بل وجدت دراسة منشورة عام 2025 أن الصيام المائي المطول، رغم خفضه الوزن، ارتبط بزيادة بعض مؤشرات الالتهاب والضغط الفسيولوجي.

الخطر قد يبدأ عند تناول الطعام
المفارقة أن أخطر لحظة قد تأتي بعد انتهاء الصيام، فعند تناول كمية كبيرة من الطعام، وخاصة الكربوهيدرات، يرتفع الإنسولين فجأة وتنتقل معادن مثل الفوسفات والبوتاسيوم والمغنيسيوم إلى داخل الخلايا. وقد تحدث متلازمة إعادة التغذية، التي يمكن أن تسبب ضعف التنفس، واضطراب القلب، وتشنجات، وغيبوبة، وقد تكون قاتلة.

وتعد إرشادات المعهد البريطاني NICE الشخص الذي تناول القليل جدًا أو لم يتناول شيئًا لأكثر من عشرة أيام معرضًا بدرجة مرتفعة لهذه المتلازمة، وتوصي بأن تكون إعادة التغذية تدريجية مع مراقبة السوائل والأملاح وإعطاء الثيامين عند اللزوم. إرشادات NICE للتغذية وإعادة التغذية.

قد يستطيع إنسان البقاء 17 يومًا على الماء، لكن هذا لا يجعله نظامًا صحيًا أو آمنًا، ولا ينبغي تجربته في المنزل، أما خسارة 45 كيلوجرامًا من الدهون خلال هذه المدة فغير متوافقة مع الحسابات الفسيولوجية، وإذا حدث انخفاض مماثل على الميزان فهو إنذار بفقد شديد للماء والأنسجة، لا دليل على نجاح صحي.

السمنة مرض مزمن لا يُعالَج بتجويع الجسد، بل بخطة تجمع بين خفض محسوب للسعرات، وبروتين كافٍ لحماية العضلات، وحركة وتمارين مقاومة، وعلاج سلوكي، وأدوية معتمدة أو جراحة سمنة عند الحاجة. قد تنبهر بالرقم السريع، لكن القلب والكلى والعضلات لا تقرأ العناوين المثيرة.

الدراسات موجودة ومستعد لإرسالها لمن يريد أن يعرفها.
نقلا عن الوطن