د. رامي عطا صديق
لا أخفى سعادتى حين تنجح وسائل الإعلام فى تسليط الضوء على أحد الشباب النابهين فى أى من المجالات، أو حين تبرز مبادرة رائدة ومتميزة تفيد المجتمع، حيث يعكس الأمر تطبيقًا عمليًا لتوصية طالما تتكرر فى البحوث والدراسات التى تُعنى بدور الإعلام فى خدمة المجتمع ومناقشة همومه وقضاياه.

ومنذ أيام قليلة استضافت الإعلامية المعروفة منى الشاذلى، فى برنامجها الشهير «معكم»، الشاب مارك مراد وأسرته المكونة من أب وأم وأخت، ومارك هو شاب صغير فقد بصره تدريجيًا قبل مرحلة الجامعة، ورفضته خمس جامعات، إلى أن استقر فى إحدى الجامعات التى وافقت على التحاقه بها.

لم يستسلم مارك ليأس أو إحباط يمكن أن يصيب شابًا مثله تعرض لفقدان البصر فى مرحلة مبكرة من حياته، بل إنه استطاع أن يخترع تطبيقًا ذكيًا للمكفوفين، أسماه (Scribe Me)، يعتمد على نظارة متصلة بشبكة الإنترنت، ومن خلال بعض برامج الذكاء الاصطناعى تقوم النظارة بشرح كل شيء بدقة للمكفوف الذى يرتدى النظارة.

وهذا التطبيق موجود فى نحو ١٤٠ دولة حول العالم بعشرين لغة، ولأن رسوم الاشتراك ١٠٠٠ جنيه شهريًا، فقد اشتكى بعض المكفوفين نظرًا لعدم قدرتهم على دفع هذا المبلغ، بل أوضح بعضهم حين تواصلوا مع مارك إنهم لا يمتلكون من الأصل هاتفًا محمولًا حديثًا يتعامل مع الإنترنت والتطبيقات الذكية، وهنا قرر مارك إتاحة التطبيق مجانًا لكل المكفوفين المصريين، بل إنه يفكر فى توفير هواتف حديثة لغير القادرين منهم، ما يعكس قمة النبل والعطاء والإنسانية والإحساس بالمسؤولية الاجتماعية وغيرها من قيم جميلة تربى عليها مارك.

من ضمن ما قاله مارك فى البرنامج إنه تأثر بالدكتور مينا ميشيل مدرس الهندسة فى جامعتى المنصورة والجلالة، وهو زوج زميلتنا الصحفية الأستاذة ماريان رسمى. والدكتور مينا أكاديمى شاب مجتهد ومكافح لم تمنعه الإعاقة البصرية من الدراسة والبحث والتدريس والتواصل مع أساتذته وزملائه وطلابه، بالإضافة إلى تكوين أسرة جميلة تتكون من زوجته ماريان وابنته ماريا، وقد استضافته الإعلامية منى الشاذلى أيضًا قبل سنوات ليصبح الدكتور مينا ميشيل شخصًا مُلهمًا لكثيرين من حوله، من بينهم مارك، وقد عبر الدكتور مينا عن سعادته بمارك وأسرته التى قبلت التحدى وحولت الظلام إلى نور، والأزمة إلى فرصة لتقديم تطبيق ذكى يحظى بهذه الأهمية والفائدة.

وفى تقديرى أن اختراع هذا التطبيق لا يقل أهمية عن اختراع طريقة برايل التى تحمل اسم الفرنسى «لويس برايل» (١٨٠٩-١٨٥٢م)، وقد فقد إحدى عينيه فى عُمر الثالثة، نتيجة حادث تعرض له أثناء لهوه، ثم فقد البصر تمامًا فى الخامسة من عمره، واهتمت أسرته بتعليمه وألحقته بمعهد للمكفوفين، ثم صار مدرسًا، وتوصل إلى طريقته بعدما استفاد من ضابط فرنسى، كان قد اخترع طريقة تواصل بين الجنود بدون أن يتكلموا كشفرة عسكرية، ومع الوقت صارت طريقة «برايل» طاقة نور ومفتاح حياة للمكفوفين، حتى أن كثيرين يصفون «لويس برايل» بأنه الأعمى الذى أضاء العالم للمكفوفين.

ويكفى أن أذكر أن عدد المكفوفين وضعاف البصر حول العالم يتراوح بين ٣٩ و٤٩ مليون شخص، ويصل عددهم فى مصر- حسب بعض التقديرات- إلى مليون وثمانمائة ألف مواطن(ة)، وفى العالم العربى نحو ٨ ملايين.

وفى ظنى لو أن الدكتور طه حسين (١٨٨٩-١٩٧٣م)، عميد الأدب العربى وقاهر الظلام وأبرز من أنجبتهم مصر من ذوى البصيرة، يعيش بيننا اليوم لمنح الشاب مارك تقديرًا ووسامًا، ومن جهتى أدعو مؤسسات الدولة لأن تهتم بتكريم مارك وتشجيعه.

تحية من القلب لكل من يحول الألم والمعاناة الشخصية إلى طاقة عمل وباب أمل لنفسه وللآخرين. تحية لكل من يقبل التحدى ويتحمل التجارب بصبر وشكر. تحية لمن يفعل الخير ويعيش من أجل الصالح العام. هؤلاء هم من يستحقون أن يعيشوا نجومًا، وأن يكونوا محور اهتمام وسائل الإعلام.

عزيزى مارك.. طوبى لك ولوالدك ووالدتك وأختك، أطلب من الله أن يمنحكم سعادة بقدر ما أسعدتم ملايين البشر حول العالم. استمر يا مارك فى عملك واختراعاتك التى تفيد المجتمع وناسه، وأكثر الله من أمثالك فى خدمة الوطن وعالمنا الإنسانى المشترك.
نقلا عن المصري اليوم