ماجد سوس
في يومٍ كان يجب أن تبتسم فيه السماء، وأن
تُلتقط الصور، وأن تتعالى الزغاريد، وأن ترى أسرة ابنتها تصعد إلى منصة التخرج حاملة ثمرة سنوات من السهر والتعب، حدث ما لا ينبغي أن يحدث في وطن يحلم بالمواطنة، وما كان يجب أن يحدث أصلًا في مؤسسة تربوية يفترض أنها تعلم أبناءها معنى العدل قبل أن تمنحهم الشهادات.
لم تكن المشكلة في فستان فاضح أو مخالف لما يمكن أن يليق بحفل جامعي؛ كان فستانًا طويلًا وأنيقًا وفاخرًا، وكانت الفتاة ستصعد إلى المنصة مرتدية روب الجامعة الذي يغطي ملابسها. ومع ذلك، وجد من يقرر أن يضع حدًا لفرحتها. والموجع أكثر أن هناك من ارتدين ما لم يكن أكثر التزامًا بالضوابط نفسها، ولم يجدن المعاملة ذاتها. وهنا يصبح السؤال أكبر من فستان، وأعمق من قرار إداري: هل كانت القاعدة واحدة للجميع؟
إن كانت هناك قواعد، فليحترمها الجميع، وإن كانت هناك ضوابط، فلتكن معلنة وواضحة وعادلة، أما أن تُفتح الأعين على فتاة وتُغلق على أخريات، فذلك ليس عدلًا، والعدل حين يصبح انتقائيًا يفقد معناه. والأسوأ أن من يتخذ القرار قد ينسى بعد دقائق ما فعله، بينما قد تحمل الفتاة جرح تلك اللحظة معها سنوات؛ لأنها لم تُحرم من ارتداء فستان فحسب، وإنما شُوّهت في عينيها فرحة يوم كان من المفترض أن يكون من أجمل أيام عمرها.
والأخطر من ذلك أن الفتاة مسيحية، وأن
مثل هذه المواقف، إذا شعر الناس أنها مرتبطة بالدين أو طُبقت بمعيار مختلف، فإنها لا تنتهي عند حدود الفرد، وإنما تترك في النفوس سؤالًا أخطر: هل ما زال هناك من ينظر إلى المصري المسيحي باعتباره مواطنًا كامل الحقوق؟ وهنا يجب أن نكون في غاية الحذر، لأن الفتنة لا تحتاج دائمًا إلى خطيب على منبر أو منشور تحريضي؛ أحيانًا يكفيها موقف واحد يشعر فيه إنسان بالظلم لأنه مختلف.
لقد حلم الأقباط بالجمهورية الجديدة، وحلموا معها أن يكون زمن المحاباة والتمييز قد انتهى، وأن تصبح المواطنة حقيقة يعيشها الإنسان لا شعارًا يسمعه. لم نطلب يومًا امتيازًا لأننا مسيحيون، ولم نطلب أن يُسمح لنا بما يُمنع عن غيرنا؛ كل ما نطلبه هو أن تكون القاعدة واحدة، والمعيار واحدًا، والقانون واحدًا، والكرامة واحدة.
وفي الوقت الذي نرى فيه نشاط وزارة الداخلية المشكور في ملاحقة المجرمين والمتحرشين وكل من يتجاوز القانون ويهدد أمن المجتمع، يظل السؤال قائمًا: ماذا عن خطاب الكراهية والازدراء الديني عندما يتحول إلى إهانة علنية للمسيحية والمسيحيين؟ ماذا عن بعض الأصوات التي جعلت من سب الأقباط والتطاول عليهم وسيلة للشهرة والاستفزاز؟
نحن لا نطالب بإسكات أحد، ولا نريد دولة تعاقب الناس على آرائهم، لكننا نريد دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، لا أن يكون قويًا أمام البعض ومترددًا أمام البعض الآخر.
إن حماية المجتمع من الفتنة لا تكون فقط بالقبض على من يرتكب الجريمة بعد وقوعها، وإنما تبدأ بمنع أسباب الاحتقان قبل أن تتراكم. والعدل ليس مجاملة للأقباط، كما أن احترام المسيحي ليس منّة من أحد؛ إنه واجب تفرضه المواطنة والقانون والضمير.
ولذلك فإننا ما زلنا نراهن على الرئيس عبد الفتاح السيسي، وعلى مؤسسات الدولة، وعلى الحلم الذي حمله المصريون للجمهورية الجديدة، وننتظر أن يكون هذا الحلم أكبر من الأشخاص وأقوى من الأخطاء الفردية. نريد دولة إذا أخطأ فيها مسؤول أن يُراجع، وإذا شعر مواطن بالظلم أن يجد من يسمعه، وإذا ظهرت شبهة تمييز أن تُفحص بجدية، لأن هيبة الدولة لا تُبنى بالصمت عن الخطأ، وإنما بالعدل في مواجهته.
يا سادة، لا تكسروا فرحة شبابنا وشاباتنا في يوم كان يجب أن يكون شاهدًا على انتصارهم. لا تجعلوا قرارًا إداريًا عابرًا يتحول إلى جرح طائفي. لا تجعلوا فتاة تعود من يوم تخرجها وهي تسأل نفسها لماذا عوملت بصورة مختلفة عن غيرها. فهي لم تكن تطلب امتيازًا لأنها مسيحية؛ كانت تطلب فقط ألا تُعامل باعتبارها أقل من غيرها.
وهذا هو كل ما نريده: ألا يكون في مصر مواطن يحتاج إلى أن يثبت أنه يستحق كرامته، وألا يكون الدين سببًا في زيادة حق إنسان أو إنقاصه، وألا يصبح تطبيق القواعد خاضعًا للأهواء. نريد مصر التي إذا صعد فيها المسلم والمسيحي إلى منصة واحدة، شعر كلاهما أن هذه المنصة تخصهما معًا، وأن الشهادة التي يحملها كل منهما لا تحمل فقط تقديرًا لعلمه، وإنما تحمل أيضًا رسالة تقول له: أنت مصري كامل الحقوق، وهذه الأرض وطنك، وهذه الفرحة من حقك.





